الديمقراطية كضرورة، وحتمية تاريخية في الحكم

الديمقراطية كضرورة، وحتمية تاريخية في الحكم

طائر الفينيق

قد يظن البعض، أن الفكر الديمقراطي ومفهوم الديمقراطية، هو ترف سياسي في مجتمع مازال يخضع لنمط وعلاقات الإنتاج الزراعي. أو يخضع للبنى الاجتماعية الريفية والبدائية. بما ينتج عن تلك العلاقات وأنماط الإنتاج وعي سياسي لا يكون على قدر المسؤوليةً. وحتى المعرفة التي تشكل الوعي العام لدى الشرائح الأكبر في مجتمع بعينه. ومن المؤكد بأن هذا الظن هو ظن خاطئ. فالفكر الديمقراطي نفسه، أو مفهوم الديمقراطية هو مفهوم قديم أنتجه الفكر اليوناني عندما لم يكن هناك لا ثورة صناعية في أوروبا ولا تطور مدني وعمراني كالذي يشهده عالمنا اليوم، وبالتالي لم يكن حتى مفهوم السياسة قد تطور كما هو الحال اليوم في المجتمعات المتقدمة التي قطعت أشواطاً طويلة في الفعل، والعمل الديمقراطيين

ليست الديمقراطية مفهوماً يصعب هضمه أو تطبيقه في المجتمعات، لا الصناعية منها ولا الزراعية، ولا حتى البدائية. لأن الديمقراطية هي سلوك اجتماعي محض. إذ يكفي أن نقرّ ونعترف ضمناً وسلوكياً بوجود الآخر حتى نكون قد قطعنا شوطاً كبيراً في بناء الفكر الديمقراطي. فوجود الآخر، وحقه في الحياة، والعمل، والسكن، والعيش، وإبداء الرأي وتشكيل نمط حياته التي يحب، والمشاركة في القرار السياسي والاقتصادي، هي جوهر الفكر الديمقراطي الحر. وهو ما بنت عليه أوروبا مجتمعاتها منذ القرن السابع عشر. ومنه انبثق مفهوم المجتمع المدني الحرّ، والذي يتمحور حول حرّية الفرد وقدسيتها، في ثلاثية تبدأ بالفرد المرتبط بمجتمعه ارتباطاً مدنياً، وهذا المجتمع مرتبط بالسلطة السياسية. وهنا يكون المجتمع المدني هو الجسر الذي يصل المواطن الحر بسلطته السياسية. ومن خلاله يمارس حقه في العمل السياسي والرقابة على السلطة السياسية نفسها.

إن الفعل الديمقراطي هو سلوك اجتماعي محض. قد نجد كثيرين في بلدان أوروبية متقدمة، ربما لا يعرفون معنى الديمقراطية, أو تفسيرها. ولكنهم يمارسونها في حياتهم بشكل آلي و روتيني ودون أية عقد أو قيود من أي نوع. لأنّ المواطن نفسه قد اعتاد هذا الفعل وتشرّبه في تربيته وسلوكه، في إطار عام لنظام الدولة الذي يشرّع القوانين التي تحكم، وتضبط بشكل دقيق ونزيه، آليات ممارسة هذا السلوك الديمقراطي بين الناس من جهة، وبين المجتمع والسلطة السياسية من جهة أخرى. فالقانون هو الضامن لكل سلوك اجتماعي أو سياسي، أو حتى اقتصادي يقوم به الفرد في دورة حياة المجتمع العامّة. لذلك، كنا وما ذلنا نطالب ونؤكد على مفهوم دولة الحق والقانون التي ينعم فيها جميع أبنائها بمبدأ تكافؤ الفرص والمساواة بين مواطنيها، ويتمتع فيها الفرد بكافة حقوقه السياسية والدستورية التي يضمنها القانون المدني العام من حيث أن السلطة القضائية في دولة الحق والقانون تُعتَبَر هي الرقيب على السلطة التشريعية والتنفيذية وأدائهما العام لما فيه مصلحة البلاد برّمتها.

قد تُخطيء النُخَب السياسية في ممارساتها ونظرياتها وتطبيقها. وقد تؤدي بالبلاد التي تحكمها إلى الهلاك، كما حصل في كثير من بلدان العالم الثالث، وخاصة البلدان العربية. ومنها أمثلة مازالت حاضرة كسوريا، واليمن، والسودان، والعراق وغيرها الكثير. فما الذي يحكم أداء هذه النخب، أو السلطات فيما لو انعدمت فيها الممارسة الديمقراطية؟!!. بالتأكيد سيحكم ذلك سلطة دكتاتورية ساحقة تدمّر البلاد وتوصلها إلى حافة الهاوية بسبب غياب الحسيب والرقيب على أدائها وقرارها السياسي والاقتصادي. ويكون الخطأ أكبر وأعظم عندما يكون القرار السياسي في الأنظمة الدكتاتورية هو قرار فردي محض ممثلاً بشخص رئيس الدولة، وغالباً ما يكون كذلك، أو بأحسن الأحوال يكون قراراً لمجموعة من الحاكمين يكون فيها العقل الأمني والدكتاتوري هو النافذ دون العودة، أو حتى التفكير بمصلحة الشعب، ومصالح الدولة العليا. هنا، تكون الطامّة الكبرى وتطغى مصلحة الأنا العليا للحاكم وأعوانه على مصلحة الشعب والبلاد كما حصل في العراق عام 2003، عندما فضّلَّ صدّام حسين أن يأخذ الأمريكيون بغداد ولا يُعطي دوراً للمعارضة والمشاركة السياسية في الحكم. وهذا ما حصل ويحصل في سوريا، وفي غيرها من الأمثلة الكثيرة.

تحمل الديمقراطية بين طيّاتها، كفكر وممارسة، مفهوم التنوّع والاختلاف و انعدام الاحتكار في القرار المتعلّق بمصير الدولة والشعب. وينبثق عنها مؤسسات حامية لمسار السياسة نفسها، والقادرة على وضع حد لأي اعوجاج قد تجد هذه المؤسسات أن فيه خطراً على مصير الدولة والشعب. فمجالس الشعب، والبرلمانات والهيئات السياسية، والأحزاب المشاركة في الإئتلافات السياسية، وقوى المعارضة الحزبية ومنظمات المجتمع المدني ومؤسساته هي صاحبة القدرة على الوقوف في وجه حاكم البلاد وسلوكه عندما تستشعر خطراً يهدد الاستراتيجية العامة للحكم والذي يمكن أن يضعها على حافة الخطر.

لا يمكن للأنظمة الدكتاتورية اليوم أن تحكم بلداً ما، لأنها في بنيتها تحمل تناقضاً كبيراً بين فكرة الدولة الحديثة القائمة على قيم الحق والقانون والديمقراطية وتبادل السلطة ( السلطة التداولية) . أو دولة المؤسسات. وبين دولة ذات لون واحد محكومة من زمرة من الطغاة والذين يتغوّلون فيبتلعون الدولة ومؤسساتها. فتصبح عرضة  لكل أنواع الأخطار، وهكذا دول مصيرها الانهيار حتماً، كما حصل في منظومة الدول الاشتراكية وانهارت بعد عقود من حكم اللون الواحد. وكذلك ما حصل في إسبانيا في عهد فرانكو واليونان والدول العربية ذات الصبغة الديكتاتورية جميعها.

إذاً إن الديمقراطية ليست ترفاً سياسياً، ولا هي رفاهية حكم أو مفهوم نخبوي لفئة من الشعب. بل هي ضرورة وحتمية تاريخية لا بديل عنها اليوم في حكم الدول والمجتمعات. فطبيعة العصر وتطور مفاهيم وقيم المعرفة واتساع مساحات الوعي العام لمفهوم حرّية الإنسان كقيمة فرّدية تذوب في ال ” نحنُ” المجتمعية، ويعمل المجتمع لمصلحتها ورفاهيتها، هي اليوم القيم العامة للمجتمعات الحرّة التي لا يمكن أن تُحكَم بطريقة العصور الوسطى. لأنها تنتمي إلى زمن معاصر أضحى فيه العالم قرية كونية واحدة. وأخيراً، ومنذ 1400 عام قال الخليفة عمر بن الخطّاب: ” متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهم أحراراً” ، فهل في زمن العولمة الواسع من يُصغي لمقولة بهذا المعنى العظيم ..؟!!

  • Social Links:

Leave a Reply