2/2
ساري حنفي
وتدخل هذه الأجندات بعض الأحيان بتناقضات كبيرة كالدعوة الى تحرير القدس ولكن بدون الدفاع عن اللاجئين الفلسطينيين ومنعهم في لبنان عن أبسط حقوقهم الأساسية كحق العمل. وتتغير أهمية كل أجندة حسب الظروف السياسية والاجتماعية، وحتى لو استخدم حزب الله شعارات مثل “لن تسبى زينب مرتين” أو “الحرب ضد التكفيريين” فهذا ليس إلا خطاب بروبوغاندا دينية لتعبئة جموع تحركها المشاعر الدينية والتي سنطلق عليهم لاحقا “المجموعة الشيعية”. وعلى الرغم من وجود هيئات سياسية معبرة عن جموع عبرت بوضوح عن مطالبها السياسية وبموضوع الديموقراطية (الإتلاف الوطني السوري، هيئة التنسيق السورية، الخ) إلا أن حزب الله لا يريد أن يرى في جموع السوريين المحاربين للنظام إلا داعش والتكفيريين، وهذا اختزال أيضاً مربوط بالبروبوغاندا والايديولوجيا لدرجة أنه لا يرى الواقع السوسيولوجي.
وإن كان النظام وحلفاءه قد بادروا في تطييف الانتفاضة السورية، فمع كل أسف وقع بعض أطياف المعارضة في هذا الفخ من خلال الانتقال من استخدام خطاب ديني (وهنا إسلام سني) كأداة للتعبئة الى خطاب يحمل معاني اقصائية للآخر، لابل ومتطرفة مقارنة بالخطاب الإخواني المصري وحركة النهضة في تونس. وحتى لو كانت دول الخليج الملكية وغير الديموقراطية ذات الأجندة الطائفية والاقليمية قد هيمنت على المنطقة، فهذا لا يعني أن تحالف المعارضة السورية مع هذه الدول هو تبني لأجندة طائفية، بمقدار ما هو تقاطع مصالح بين المعارضة وهذه الدولة في لحظات معينة. وهذا ما نجده في الفعل السياسي للأحزاب، وهو له طبيعة لا تختلف عن طبيعة تحالف إيران حالياً مع أمريكا والحلفاء لدحر داعش.
في هذا السياق، يمكن الاشادة بتحليل عزمي بشارة للوضع اليمني على قناة الجزيرة في 8أيار 2015، حيث حذر في هذه المقابلة من قراءة إثنية طائفية للصراع على اليمن، مؤكدا بدلا من ذلك على أن ما يحصل مربوط بمصالح إقليمية للطرفين، حيث يحاول طرفي الصراع الاستفادة من تناقضات مشروعات هيمنة اقليمية: المشروع الخليجي والمشروع الايراني. مع ذلك يبقى هذا الرأي رغم جديته اختزالي ولا نتفق معه كثيرا، كون الصراع لا يمكن اختزاله من خلال معادلة مشروع عربي في مواجهة مشروع فارسي.
وجاءت داعش بمشروع اسلام أصولي يسحق كل من لا يبايعها لخلط الأوراق أكثر. ولكن لا يمكن فهم تكفيرية داعش خارج العنف الاستثنائي الذي يمارسه النظام السوري ضد الشعب السوري وخارج العنف والمشروع الطائفي لنظام المالكي في العراق. واذا كان استنهاض وتفعيل ابن تيمية يؤمن لداعش غطاءً قدسيا، فإن من صنع داعش هي البراميل المتفجرة وآلة عنف النظام السوري اللذان تسببا بمقتل أكثر من 350,000 سوري وتهجير 9 ملايين من بيوتهم حتى الآن.
ولعل ما أريد قوله هنا ، ًهو أنه حتى الآن لا يوجد في سوريا “مجموعات طائفية” متبلورة تخوض “حرب أهلية”، وإنما مشاريع سياسية عنيفة متناقضة وأهمها بالنسبة للغالبية السورية مشروع يتمثل في مطلب الديموقراطية والعدالة الاجتماعية. كما أن كل التشكلات والمظاهر الطائفية ليست إلا شيء حديث (صنعتها الحرب حسب التحليل العميق لياسين الحاج صالح ( 2015) ويجب أن تقرأ كذلك، وإلا فإننا بصدد خلق هويات متناحرة لن تؤدي في المنطقة إلا إلى دمار وخسارة لكل الأطراف.
تغيير باردايغم السياسة
إذا اعدنا صقل وترميم وإزاحة الغبار عن المشروع الديموقراطي، فربما نبدأ بإعادة الاعتبار للبعد السياسي بعد أن تم إنكاره، والتفكير بحلول سياسية تنهي دوامة العنف المدمر في سوريا، أو بتعبير خلدون النبواني ( 2014) نحن بحاجة الى تغيير باردايغم السياسة.
حلول ربما تكون صعبة في المرحلة الانتقالية بعدما تشكلت مجموعات انصقلت في الأحداث الأخيرة طائفياً وشكلت إثنيات مؤقتة. وباعتبار ان الديموقراطية بوصفها حكم الأغلبية لن تكون صالحة الا اذا تصالحت الأغلبية مع الإثنيات المتشكلة حديثاً وطمأنتها بأنها لن تهدد ولن تُقصى سياسياً في سوريا الجديدة. من هنا يبدو النظام السياسي المبني على المواطنة والتعددية الثقافية (Multiculturalism) هو الأصلح لسوريا، حيث يتم الاعتراف بالاختلاف الطائفي والاثنيات القومية كالأكراد (ولو أنهم مجموعات حديثة) وضرورة أن يكون لهم حق الاختلاف مع الأكثرية، وأن يكون لهم كوتة في الهيئات التشريعية والتنفيذية.[1] كما أنه علينا أن ندرك أن النداء الطائفي لن يتوقف بدون التعامل مع بعض المصالح الإقليمية لجهات مثل ايران، تركيا، حزب الله، السعودية والتي يفرض على المشروع السياسي القادم طمأنة الجميع أن سوريا الجديدة لن تكون مشروعاً ضد أي من هذه الأطراف، وأن سوريا الشعب لن تكون إلا كما كانت سابقاً مساندة لأي مشروع مقاومة ضد المشروع الكولونيالي الإسرائيلي، وانها ستكّون نظاماً يسود فيه العدالة الاجتماعية.
هذا هو أيضا مشروع عبد القادر زغل بدعوته للعودة الى المجتمع التعددي والمتسامح وإيجاد ترجمة سياسية للمخيال التحديثي في المجتمع.. هذه صيرورة طويلة ولكنها ممكنة.
Social Links: