يونادم يونادم
مرّت العلاقات الروسية –التركية خلال الأشهر السبعة الماضية بمراحل متناقضة تماما، فبعد ان كان يعتبر كل واحد منهما الآخر على انه العدو الأول صار فجأة الصديق القديم، ويبدو ان كل من اردوغان وبوتين اخذا ينظران الى حادث اسقاط الطائرة الروسية سوخوي-24 بواسطة مقاتلة تركية من طراز 16-F وما تبعه من خصام، على انه موقف استثنائي شاذ في سياق علاقة حميمة في الأصل، أو حسب وصف بوتين :”ان اولوياتنا هي العودة بعلاقاتنا الى مستوى ما قبل تلك الأزمة” أي تجاوز تبعات الحادثة والعودة الى علاقات عادية. ولكن هل الأمور حقاً بهذه البساطة، اذ من المعروف ان كلا البلدين كانا ينزلقان على طريق الاصطدام ببعضهما البعض قبل حادث اسقاط الطائرة. فمن جانبها كانت روسيا ولسنوات طويلة تسعى للحفاظ على مجال نفوذها في مواجهة التجاوزات الغربية وكان ذلك واضحاً من خلال الحملات العسكرية التي قامت بها في جورجيا عام 2008 وكذلك في أوكرانيا عام 2014 للتأكيد على استعدادها لاستخدام القوة اذا دعت الضرورة للإبقاء على جيرانها في وضع يتماشى مع استراتيجيتها، ثم وضع خصومها الكبار على مسافة بعيدة، غير ان تلك الأعمال التي قامت بها روسيا عززت من حزم الولايات المتحدة للدفاع عن حلفائها الموجودين داخل المجال الروسي وبالتالي تعميق الهوة بين واشنطن وموسكو. ولكي تجبر واشنطن على أخذ مطالبها على محمل الجد، قامت موسكو بوضع نفسها في موضع المفسد والوسيط ضمن صراع مستمر اخذ يستهلك اهتمام الولايات المتحدة والذي ابتدأ مع إيران، ولكن ما ان استطاعت الولايات المتحدة الوصول به الى مرحلة التهدئة بعد الاتفاق النووي مع ايران، انتقل الاهتمام الروسي ليتركز حول سوريا.
اثناء ذلك كان فراغ السلطة الذي أخذ ينتشر في الشرق الأوسط يدفع بتركيا للنشاط خارج حدودها التقليدية، ولكن مع استمرار الحرب في سوريا اشتد القلق التركي من ازدياد عدم الاستقرار في المنطقة وكذلك من انتشار النزعة الانفصالية الكردية، أخذت السلطة التركية تتطلع الى انتهاز الفرصة السانحة لإعادة صياغة المشرق العربي تحت سيطرة سنية ووصاية تركية. وفي نفس الوقت الذي قررت فيه روسيا ان تزيد من تدخلها في سوريا كانت الحكومة التركية تخطط لمواجهة التهديد الكردي وتهديد الدولة الإسلامية. وحيثما تكون كل من تركيا وروسيا تعيشان في حالة من استعادة القوة فلا بد ان يحصل تداخل في مجال نفوذهما في منطقة البحر الأسود وأجزاء من الشرق الأوسط بالإضافة الى القوقاز وآسيا الوسطى. ولقد تكونت في هذه المرحلة المحددة والمفصلية في تضارب المصالح السياسية ان الشرق الأوسط كان البقعة التي تصادمت فيها المصالح الروسية-التركية. لقد كانت الولايات المتحدة تستفيد من بقاء تركيا على خلاف مع روسيا لكي تجعلها أكثر التزاما بحلف الناتو حتى قرر البيت الأبيض انه لا بد من إعادة ترتيب الأوضاع بين موسكو وانقرة اذا كان ذلك سيؤدي الى تقليل مخاطر الاصطدام العرَضي داخل سوريا والذي قد يجر معه الولايات المتحدة.
ويستخدم كل من بوتين واردوغان سلسلة من الوعود الاقتصادية لكي يبينا للعالم انهما استعادا علاقتهما العادية وبالتالي ان كل شيء الآن هو بخير، مع انه في الحقيقة لم يطرأ أي تغيير على العوامل التي تحرك المصالح الأساسية لكلا البلدين والتي تتحكم بدورها في مدى تخفيف حدة التوتر بين البلدين، ولعل ذلك هو السبب الذي جعلهما يعقدان مؤتمرهما الصحفي بعد ان بحثا موضوع رفع الحظر التجاري وإعادة حركة السياحة الى ما كانت عليه بالإضافة الى موضوع التعاون في مجال الطاقة وذلك قبل الخوض في الموضوع السوري. ان التعاون الاقتصادي يعتبر القسم الأكثر سهولة للتداول حوله فيما بينهما خاصة وان كلاهما سيستفيدان منه، لاسيما وان تركيا لا تستطيع الحياة تقريباً بدون الغاز الروسي، وبالمقابل فان روسيا هي بأمس الحاجة الى خط امداد بديل نحو أوروبا والذي يتجنب دولاً إشكالية مثل أوكرانيا رغم الأعباء التركية على تنفيذ مشروع كهذا والذي يسعى اردوغان حالياً للترويج له على أعلى المستويات.
اما سوريا فهي الموقع الذي لا يستطيع كلا البلدين تجنب الوقوف في تعارض مع بعضهما البعض، والحرب التي تجري في حلب تعبر عن هذه الحالة. بامكان بوتين واردوغان ان يناقشا رغبتهما المشتركة في استتباب السلم في سوريا ولكن طرفي الصراع المعنيين بالمفاوضات، أي مجموعات الثوار الذين تساندهم تركيا وقوات النظام الذين تدعمهم روسيا ما زالا يتحاربان في حلب ذات الأهمية الاستراتيجية القصوى، ويبدو انه ليس لأي من هذين الطرفين رغبة في المجيء الى مائدة المفاوضات دون الإمساك بمدينة حلب، مع ان تطور الأحداث حتى الآن لا يوحي بان أي طرف قادر على حسم الموقف.
ان روسيا ستستمر في تحويل الوضع السوري في اتجاه معاد لتركيا حتى وان قام بوتين بالتعاون مع اردوغان، اذ ان روسيا تريد ان تضمن بقاء تركيا على مسافة بعيدة لكونها تشكل حلقة مركزية في أي قرار يتعلق بتعزيز قوات حلف الناتو في البحر الأسود، بالإضافة الى دورها الهام في القوقاز حيث تسعى روسيا الى تعميق نفوذها عن طريق الاستفادة من الخلاف في نغورنو-قرباخ. غير انه مع بقاء أولويات تركيا حالياً هو التركيز على سوريا فان موسكو قادرة على تجميد الوضع التركي عن طريق دعم ومساندة القوات الانفصالية الكردية وكذلك عن طريق اثارة العقبات امام المخططات العسكرية التركية بواسطة التواجد العسكري الروسي الكثيف. كما ان بوتين الذي له باع في الأمن الداخلي يستطيع وبعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا ان يعرض خدماته في مجال تعزيز الفوائد المشتركة للعمليات الاستخباراتية وتقديم المساعدات الفنية في هذا المجال.
ان بوتين واردوغان هما من طراز القادة الأقوياء الذين يتعطشون للسلطة ولهما طموحات كبيرة فمن الحتمي ان طريقهما ستكتنفه العديد من المطبات حين تصطدم مصالحهما في المستقبل

Social Links: