ملفات الأسد …

ملفات الأسد …

عن يونادم يونادم:

عملية انقاذ الوثائق شديدة السرية التي تربط نظام الأسد بالتعذيب والقتل الجماعي 2/3

 

الإمساك بالوثائق

كانت الحرب تجري بشكل سيئ بالنسبة للأسد، فقد ارتفع في عام 2012 عدد الهاربين من القوات المسلحة ومن الوزارات المدنية بشكل كبير، وانضم الهاربون إلى الجيش السوري الحر وهي منظمة فضفاضة من المجموعات المتمردة عبر البلاد والذين يتطلعون الى التحول الديمقراطي في سورية ٬ ثم بدأ الجهاديون المتطرفون بالظهور على أرض المعركة أيضًا ٬ وأثبتوا بشكل عام أنهم أكثر قدرة على القتال، واستولى عدد من المتمردين على ممرات رئيسية تفضي إلى داخل تركيا ودفعوا القوات الحكومية خارج مناطق كبيرة من شمال سورية بما في ذلك أجزاء من إدلب وحلب ٬ أكبر المدن السورية.

بحلول فبراير من نفس العام كان رئيس (الخلية المركزية) السورية لإدارة الأزمة قد استجوب بركات بالفعل حول التسريبات.

قال موظف آخر في خلية الأزمة لبركات إن سكرتيرته تتجسس عليه. قرر بركات الهرب من البلاد ولكن ليس قبل تأمين الحصول على محاضر الاجتماعات التي كان يحتفظ بها بشكل آمن في مكاتب الأعضاء. كما خطط أيضًا لسرقة المراسلات بين (خلية الأزمة) ومكتب الرئيس ورئيس الوزراء ووزير الداخلية. وخلال أحد أيام العطلة قام بركات بنهب المكاتب وأخذ أكبر عدد استطاع الحصول عليه من الوثائق قبل الانتقال مسافة تقدر بمائتين وخمسين ميًلا شمال دمشق إلى الحدود التركية.

كانت القوات السورية تسيطر على نقطة المرور ٬ ولكن بركات استطاع التسلل عبر النقطة بأكثر من ألف صفحة ملصقة بجسمه وحجز غرفة في فندق باسم مستعار قبل أن يلاحظ أي شخص في دمشق أنه قد رحل. في الشهر التالي وبعد مغادرة والدته سورية قال لمحطة تلفزيون الجزيرة أنه أرد أن تصل الوثائق إلى المحكمة الجنائية الدولية.

بعد هروب بركات بوقت قصير نقلت (خلية الأزمة) اجتماعاتها من قيادة حزب البعث الإقليمية إلى مقر مكتب الأمن الوطني شديد الحراسة. في يوليو ووسط شائعات عن ترقب انقلاب ٬ دوى انفجار داخل غرفة الاجتماعات متسبباً في مقتل رئيس خلية الأزمة، ورئيس مكتب الأمن الوطني، ووزير الدفاع، وزوج شقيقة الأسد (آصف شوكت) الذي كان قد تولى مؤخًرا منصب نائب وزير الدفاع. (تبنت مجموعتان متمردتان على الأقل مسؤولية الهجوم ولكنهم طرحوا سرًدا للحادث يختلف كثيراً عن الوقائع)

في اليوم التالي حملت صحيفة (التايمز) عنواناً رئيسياًّ يقول: “واشنطن تبدأ التخطيط لسقوط الحكومة السورية”. ثم قام رئيس وزراء الأسد بالهرب والانتقال إلى المعارضة، كما فعل نفس الشيئ المتحدث الرئيسي باسم وزارة الخارجية، حتى ان الجنرال المسؤول عن منع حالات الهروب اتهم القوات المسلحة “بالقيام بمذابح ضد شعبنا المدني البريء” وأعلن “انضمامي إلى ثورة الشعب”.

أقام المحققون السوريون في لجنة العدالة تحالفات مع كتائب محورية في الجيش السوري الحر الذي كان يكتسب فيه أراض جديدة. لم يكن لدى الثوار في البداية “اهتمام بالتوثيق” كما شرح ويلي. “كانوا يدخلون ويستولون على منشأة تابعة للنظام، فتخرج الهواتف الذكية، ويحدث الكثير من الفرح والصياح وإطلاق الأعيرة النارية في الهواء، ثم يقومون بنهب المكان باحثين عن أسلحة وذخيرة التي كانت ما يحتاجون اليه، ثم يضرمون النيران في المكان”، ويتم بذلك تدمير كل الأدلة المحتملة.

يقول ويلي إن لجنة العدالة قالت للثوار: “استولوا على الوثائق أوًلا ٬ ثم نحوها جانباً حتى يمكن إخراجها من البلاد. واحتفظوا

بملاحظات — ملاحظات بسيطة جًّدا — مثلاً، من أين تم الحصول على الوثائق وفي أي تاريخ. احفظوها في صناديق. اقفلوا

الصناديق بأفضل طريقة ممكنة، بمغلف بلاستك أو شيء شبيه — بأي شيء متاح. ثم مع انتقال المواد ٬ احتفظوا بجدول يفصل حركة النقل، ولكن لا تعبثوا بتلك المواد أو تقلبوها” لأنه في المحكمة بإمكان محامي الدفاع أن يقول “إنكم تجاهلتم أدلة تثبت البراءة عن عمد”.

كثيًرا ما كان المحققون السوريون يصحبون الثوار المعتدلون اثناء مهاجمتهم مباني الاستخبارات والأمن ولكن القوات الحكومية كانت تحاول تدمير كل الملفات التي لم يتمكنوا من أخذها معهم. ففي الأيام التالية التي تعقب الانسحاب “يكون هناك قصف بلا هوادة” لمواقع محورية كما ذكر لي المحقق الرئيسي في لجنة العدالة، ينجم عنه انفجارات في مواسير المياه تدمّر مئات الآلاف من الصفحات قبل أن يتمكن هو وزملاؤه من الدخول. أحياناً تتصل بهم مجموعات مسلحة بغرض أن يأتوا ويجمعوا الملفات بعد انتهاء تبادل إطلاق النار.

قال لي ويلي: “ان تتبع الأشخاص المسؤولين عن حيازة الوثائق هو أمر مهم ٬ ولكنه لا يحسم الأمور كليا.. لقد قتل وأصيب عدد من الأشخاص خلال نقل تلك الأشياء”. وأول الضحايا كان مراسل يتولى مهمة تهريب الوثائق، اذ أصيب بإطلاق النار عليه في 2012 حين دخل مصادفة على خط لتهريب البضائع الى خارج سورية وهو يحمل حقيبة ملابس ممتلئة بالوثائق. منذ ذلك الوقت أصيب اثنان آخران خلال عملية استخراج الوثائق، أحدهما — شقيق نائب رئيس محققي اللجنة — قتل في فخ نصبته القوات السورية. في 2012 أيضًا وصل أحد المراسلين وزوجته إلى نقطة تفتيش غير متوقعة خارج حلب، كان يشرف عليها مقاتلون ينتمون لجبهة النصرة وهي مجموعة جهادية تبين لاحقاً أنها الفرع السوري لتنظيم القاعدة، لقد اكتشف المقاتلون وثائق المراسل في مؤخرة السيارة، وتركوا زوجته تذهب بعد ان قاموا باحتجازه. قال لي ويلي: “هددوا بمحاكمته واعدامه كجاسوس للنظام، غير انه تمكن من التوصل إلى عقد صفقة، حيث تمت إدانته بشيء ما في المحكمة الشرعية وكانت الغرامة خمسة آلاف دولار، وقام بدفع الغرامة”.

اختطفت الجماعات الجهادية خمسة أو ستة محققين، لكنهم أطُلقوا سراحهم جميًعا. ويشكل الإسلاميون الراديكاليون خطًرا على المحققين مساوياً لخطر النظام. وتنظر تلك المجموعات بارتياب كبير الى موضوع العلاقة مع الغرب، وكذلك الى مفهوم العدالة الدولية الذي ليس مألوفاً بالنسبة لهم، وفي أغلب الأحيان جعل المحققون مهمتهم معروفة للمتمردين والجهاديين في سعيهم للحصول على الوثائق. قال لي ويلي “أفرادنا مدربون جيًدا على كيفية تصرفهم في حال الإمساك بهم… الأدوات التي بحوزتهم مشفرة ومعقدة بشكل كافٍ لدرجة أن أي شخص يقدم على فحصها لن يجد بها أي أدلة عن النشاط الذي يقومون به”. محقق واحد فقط ٬ تم إلقاء القبض عليه قبل عامين ٬ ويحتجزه النظام السوري حالياًّ.

ان نقل الوثائق إلى الحدود الدولية هو أخطر الخطوات على الإطلاق في عمل لجنة العدالة، فالأوراق ثقيلة وتدين المراسل ولكن الصور ٬ مع أنها أكثر قابلية للحمل إلا أنه يصعب التأكد من صحتها في المحكمة. يصل معدل الحزمة الواحدة من حزم الوثائق الى ما يعادل 25 كغ ” وتتكون من تشكيلة مربكة من حقائب السفر الرديئة” التي يتم تهريبها عبر الحدود. قال لي ويلي إن الحمولة الضخمة تتطلب تخطيطًا أكثر دقة “فكر في صناديق الأوراق التي تقبع بجوار ماكينة التصوير” ثم تابع شرحه: “في ذلك الصندوق خمس رزم من الأوراق تتضمّن كل واحدة منها خمسمائة ورقة فقط” ويصل وزنها الإجمالي الى حالي 10 كغ “وذلك لما مجموعه ألفان وخمسمائة ورقة فقط،، ولقد استخرجنا من سورية ما يقارب ستمائة ألف ورقة”، أي عدة أطنان، “لهذا سنحتاج إلى سيارات. وتلك السيارات يجب أن تعبر نقاط التفتيش، وذلك يتطلب القيام بإجراء استطلاع، أي يجب ان تعرف نوعية نقاط التي ستصادفك” تقوم اللجنة بدفع مبالغ مالية لمجموعات الثوار والمراسلين من أجل تغطية الدعم اللوجيستي، يقول ” نحن نحرق مبالغ باهظة في سبيل نقل تلك الأشياء”. كما ان إخراج كميات كبيرة يعتمد عادة على أن تفاوض الدول الصديقة من أجل فتح الحدود التي تكون مغلقة، لذلك قد تبقى الوثائق مخبأة لمدة أشهر. في إحدى الحالات تركت عدة آلاف من الصفحات من الأدلة مع سيدة عجوز في بيت ريفي معزول في جنوب سورية ولكن المحققين لم يشرحوا أهمية تلك الملفات، وتابع (ويلي)، إنه عندما أتى الشتاء “وكانت تشعر حقاً بشدة البرد، فأحرقت كل المجموعة لاستخدامها كوقود”. ذكر لي المحقق الرئيسي في اللجنة وهو سوري إنه في المناطق المعادية بشكل استثنائي يقوم هو ورفاقه بإخفاء الوثائق داخل كهوف أو يدفنونها في الأرض ٬ ثم يسجلون مكان الموقع على أمل استعادتها بعد أشهر أو سنوات من ذلك التاريخ، حين يتوقف القتل. يقول ويلي٬ “لا يزال لدينا في سورية كميات كبيرة من المواد لن نقوم بنقلها” لأن ذلك خطير جًّدا “ربما تصل الى نصف مليون صفحة”.

وبينما يجمع السوريون وثائق يقوم (ويلي) بتوظيف محللين عسكريين وسياسيين ومحققين ومترجمين ومحامين في أوروبا. بحلول 2015 تضخمت ميزانية لجنة العدالة ووصلت إلى ثمانية ملايين دولار سنوياًّ وبلغ عدد العاملين فيها حوالي مائة وخمسين بما في ذلك الموظفون في المقر الرئيسي وكذلك في مكتب تحليل أفلام الفيديو في مكان ما من أوروبا بالإضافة إلى المحققين في الشرق الأوسط. توظف اللجنة عدًدا من المحققين يساوي عدد من يعملون على كل قضايا المحكمة الجنائية الدولية مجتمعين.

يرد العديد من الوثائق من داخل منشآت أمن استخباراتية بعيدة عن العاصمة. وتشير تلك الوثائق عادة إلى قرارات اتخذتها (الخلية المركزية) السورية لإدارة الأزمة ٬ ولكنها لم تكن بنفس أهمية الملاحظات التي أتت من داخل تلك الاجتماعات. كما كان لا بد للجنة من الحصول على ملاحظات تتعلق باجتماعات (الخلية المركزية) ٬ ولكن بركات الذي يعيش في إسطنبول اليوم قال لي إنه في 2014 زاره (كريس إنجلز) مع محلل لفحص الوثائق التي حصل عليها من (خلية الأزمة) وقال: “مرت ثلاثة أيام وهما يواصلان أسئلتهما التفصيلية الدقيقة عن العمل الذي قمت به ٬ تفاصيل عن سير الاجتماعات”. كما قاما بتصوير الأوراق المهربة، وقد وعدهما بركات بتقديم النسخ الأصلية حين تصل القضية للمحكمة.

بينما كنت أتحدث مع بركات عبر الفيديو ٬ رفع كومة من الملفات التي تحفظ عادة داخل منشأة منيعة، قال: “هذه هي محاضر اجتماعات الخلية المركزية السورية لإدارة الأزمة” ٬ ثم قام بسحب صفحة وأشار إلى شعار محفور في الأعلى. “كما ترى ها هو الصقر الذهبي الصغير؟ تلك هي الوثائق الأصلية ٬ وهي موقعة بالأخضر”. بدأت لجنة العدالة بفحص ملفات بركات لتقيم الصلة وتربط بين قرارات (خلية الأزمة) والنشاطات الإجرامية لعملاء الأمن في المقاطعات النائية. واصبحت مهمة تعقب العملاء الذين عملوا في خدمة النظام ممن هم على استعداد لشرح أدوارهم أكثر سهولة بسبب أن الكثيرين منهم هربوا من السلطة. وجد محللون يعملون مع لجنة العدالة ان هناك هاربين أثرياء في دول الخليج وتركيا وأوروبا. كما حصلوا على افادات من شهود عيان في جنوب تركيا في معسكر (أبايدين) للاجئين وهو معسكر تحت حراسة مشددة يسكنه حصرياًّ مسؤولو النظام السابق وعائلاتهم. (لم يتم إدراج أي منهم كمشتبه في القضية لأنها تركز على المسؤولين في مناصب أعلى).

قال ويلي عن الشهود: “إذا كان لي أن أستخدم ببرود تشبيهاً لهم — فإنهم (العشرة بقرش)”. فضلت لجنة العدالة أن تقابل الضحايا الذين بقوا في سوريا ولم يتحدثوا أبًدا مع صحفيين أو مجموعات حقوق إنسان أو لجنة التحقيق الدولية المستقلة (قد يقترح محامي الدفاع أنه داخل مخيمات اللاجئين المكتظة قد تتقارب الشهادات بشكل غير عادل). لذا فقد أجرى المحققون السوريون مقابلات مع ما يقرب من مائتين وخمسين ضحية ومن مناطق متعددة وذلك لتوفير “أدلة لها طابع نمطي” تظهر أنه قد تم ارتكاب الجرائم بشكل منهجي ويتسق مع الأدلة الواردة في الوثائق. كان الهدف هو إيجاد صلات قوية بين سياسات السلطات السورية وتأثيرها على الأفراد عبر وثائق النظام وشهادات الشهود والضحايا.

الناشط

بعد ظهيرة أحد أيام الشتاء وفي غرفة فندق على مقربة من (أمستردام)٬ التقيت ناشطًا سورياًّ هزيًلا يبلغ من العمر ثمانية وثلاثين عاًما ويدعى (مازن الحمادة)، – وهو ليس شاهداً لدى (لجنة العدالة) فالشهود تبقى هويتهم سرية حتى يتم استدعاؤهم للإدلاء بشهادتهم – وتقدم قصة (الحمادة) فرصة لتعقب الأثار التي تتركها سياسات النظام السوري على المواطنين الذين كانت السلطة على استعداد لفعل كل ما يلزم من أجل إسكاتهم.

ولد (الحمادة) عام 1977 وهو الأصغر بين سبعة عشر طفًلا في عائلة متعلمة من الطبقة الوسطى في مدينة دير الزور الشرقية. أصبح إخوته صيادلة ومدرسين ومحامين ٬ بينما أصبح هو أخصائي ميداني في شركة (شلمبرجيه) ٬ وهي شركة دولية في قطاع خدمات البترول ولديها قاعدة عمليات في حقول البترول الغنية حول دير الزور. كان أعضاء عائلة (الحمادة) ينتقدون النظام وكان يتم تعقبهم واعتقالهم بشكل دوري حتى قبل الثورة. كانوا غاضبين بشكل خاص بسبب فشل الحكومة في فعل أي شيء بخصوص الفجوة المتزايدة بين الأغنياء والفقراء. قال لي (الحمادة) “كان كل شيء مرتباً لصالح الصفوة”. في 2011 قام رئيس مكتب الأمن الوطني بكتابة مذكرة سرية لرئيس خلية الأزمة يحاول فيها ارجاع ضعف الشعور الوطني في (دير الزور إلى :”النظام القضائي الفاسد وتأخر الفصل في القضايا، و تفشي المحسوبية واللجوء إلى الرشوة لاستعادة الحقوق”.

كانت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في المنطقة موالية للأسد فمع أول مؤشرات الاضطراب في فبراير 2011 أرسل قائد فرع دير الزور في المخابرات العسكرية اللواء (جامع جامع) تعليمات لجميع من هم تحت إدارته لكي “يحضروا الكاميرات…لتصوير المشاركين والمحرضين من أجل تحديد هوياتهم وتحميلهم المسؤولية في المستقبل” (لاحقاً استعاد محققو لجنة العدالة الوثيقة الخاصة بهذا الأمر، بالإضافة الى وثائق أخرى متعلقة بأوامر لها صلة بحملة القمع، من مقر المخابرات الحربية في دير الزور بعد أن تم هجره).

يوم 4 فبراير وقع رئيس مكتب الأمن الوطني في دمشق على أوامر “بالتحقيق، والبحث، ثم القبض” على كل من كتب “يسقط بشار” على أنبوب للمياه قطره 25 سنتمتر ويقع على امتداد جزء بعيد من الطريق السريع بالقرب من دير الزور. أمضى رئيس مكتب الأمن السياسي للمنطقة شهًرا كاملاً في التحقيق حول الواقعة ثم أجاب “لم يوجد لدينا أي معلومات عن الفاعلين”. وفي يوم 18 مارس جرت مباراة لكرة القدم في دير الزور بين فريق (الفتوة) المحلي ٬ وفريق (تشرين) من اللاذقية الذي يفضله الأسد. كان (حمادة) يعيش بالقرب من الاستاد وكان يستطيع سماع صوت الجمهور “وبدأت جماعات من الناس من بين الجماهير يهتفون من أجل الإصلاح وضد النظام” ويتذكر (حماده) أن فريق (الأسد) هو الفائز. وأغضبت هذه النتيجة الجمهور ولكن (حمادة) كان يضحك، اذ تصور أن نتيجة المباراة كانت محددة سلفاً. يقول: “ما أن أطلق الحكم صفارة إيقاف المباراة خرج الجميع إلى الشارع” وكان ذلك أول احتجاج له وزن في دير الزور. فقد تم إلغاء جميع مباريات كرة القدم لبقية الموسم. طوال معظم شهر مارس استمر مسؤولو الأمن الاستخباراتي في دير الزور بوصف الاضطرابات بكلمات مباشرة. ففي تلغراف إلى مرؤوسيه داخل المحافظة شرح اللواء جامع أن الاحتجاجات في سورية هي بتأثير من “بعض البلدان العربية التي انفجرت فيها ثورات شبابية تطالب بالتغيير وإرساء الديموقراطية والحريات وإجراء إصلاحات لتوفير فرص العمل للشباب وتحسين مستوى المعيشة ومكافحة الفساد”. ولكن بنهاية الشهر تبنى رؤساء الأجهزة الأمنية في دير الزور لغة المؤامرة التي كانت تصدر من دمشق، وبعد ساعات من إلقاء الأسد لخطابه التلفزيوني في مبنى البرلمان يوم 30 مارس وافق أعضاء لجنة الأمن بدير الزورعلى اعتبار الخطاب “مرجًعا وأساًسا لعملنا” وكانت أغلب مناقشاتها التالية يتخللها قلق من الخيانة والتحريض والاختراق الأجنبي و”المشروع الصهيوني الأمريكي”.

كان (حمادة) وأصدقاؤه متحمسين لإمكانية الثورة، وبدأوا كل يوم أربعاء في الاجتماع داخل مسجد الحي ٬ مسجد عثمان بن عفان ٬ لتنظيم احتجاجات تعقب صلاة الجمعة. قال لي “أنها مسالة لوجيستية. الجميع يذهبون إلى المسجد يوم الجمعة والجميع يخرجون منه” وأضاف “إن كنا نستطيع الخروج من الكنائس لكنا خرجنا من الكنائس”.

حسبما ورد في محضر اجتماع تم الاستيلاء عليه من لجنة الأمن بدير الزور إن أعضاءها قرروا أن يخترقوا السجون بموالين لحزب البعث “قمنا بتوزيع الرفاق على المساجد بمعدل من مائتي رفيق في المسجد الواحد والتعامل مع أية حالة تثير الفتنة”. قسمت اللجنة كل مجموعة إلى ثلاث فرق: واحدة داخله وواحدة للاستطلاع خارجه والثالثة مستعدة احتياطياًّ. ولكن في الأسبوع التالي أبلغ محافظ دير الزور لجنة الأمن أن “معظم من تم توقيفهم لدى الأجهزة الأمنية هم رفاق بعثيون” ممن هجروا الحزب للانضمام للمحتجين.

كثيًرا ما كان (حمادة) يصور المحتجين وردود فعل أجهزة الأمن. كان النظام قد قام بقطع الإنترنت في حيه ٬ لذا فقد قام بتحميل الفيديوهات على يوتيوب في محل عمل أحد أقربائه ٬ بعضها وصل إلى إذاعات إخبارية عربية، ولمناهضة مثل هذه الأنشطة ٬ قال محافظ دير الزور للجنة الأمن: “يجب ترشيح عدد من الرفاق الخبراء في مجال الإنترنت للتعامل مع المواقع المعادية التي تبث سمومها داخل القطر مثل فيسبوك”. وبينما كانت لجنة الأمن تناقش أهمية إبداء البعض لضبط النفس ٬ كان العنف يتصاعد. قال (جامع) إن المحتجين تراودهم فكرة “إراقة الدماء تمهيًدا لطلب قوات أجنبية”. وهي نتيجة قال إنه يريد تفاديها بأي ثمن. في وقت مبكر من اليوم التالي أرسل برقية من سطر واحد لجميع أفرع الأمن الاستخباراتي في المقاطعة: “نطلب منكم إصدار تعليمات لعملائكم بالامتناع عن فتح النار عشوائياًّ وقتل الناس”.

في شهر أيار تدهور الأمن سريًعا في محافظة (دير الزور)، فقام رجال مسلحون بالعصي والبنادق والقنابل الحارقة بحرق قسمي شرطة وأربع سيارات شرطة وست دراجات بخارية خاصة بالشرطة. علم عملاء المخابرات أن شخصًا قد حاول تجنيد متطوعين لإبطال مفعول سيارة مفخخة خارج منزل جامع. حذر رئيس فرع الأمن السياسي في دير الزور “ستكون هناك موجة من الاغتيالات”.

استمر (حمادة) الذي كان قد تم احتجازه مرتين سابقاً٬ في تنظيم الاحتجاجات ٬ ولكنه صار يقضي الليل في بيوت آمنة مع غيره من الناشطين الآخرين،. وكان قد تم القاء القبض على أحد أشقائه ولم يطلق سراحه. في اجتماع مع لجنة الأمن حذر جامع من أن الاعتقالات قد تكون “سلاًحا ذا حدين” ٬ إذ إنها ستزيد من عدد الأشخاص الغاضبين المطالبين بإطلاق سراح أفراد من عائلاتهم. في نهاية أيار أرسل جامع عدة برقيات معبًرا عن غضبه من أن المحققين يصعقون المعتقلين بالكهرباء ويطفئون السجائر في أجسادهم ويقومون بضربهم “الضرب المبرح والمؤذي على كافة أنحاء الجسد بشكل مثير للاشمئزاز” والاعتداء عليهم جنسياًّ بإجبارهم على الجلوس على زجاجات المشروبات الغازية. قال إن سجنه سيقرر “عدم استلام أي موقوف تعرض للضرب في سجن رئاسة الفرع إلا بتقرير خطي عن وضعه الصحي والقائمين بضربه”.

غير أن تردد جامع تلاشى في صيف 2011. وحسبما قال شهود عيان ٬ يصف محتجزون في فرع المخابرات الحربية الخاص به ٬ انه كان يجري ضربهم بالقبضات والعصي حتى يفقدوا الوعي وتكسر عظامهم وتسقط أسنانهم وكانوا يحشرون في إطارات سيارات ويضربون حتى تدمى أقدامهم ويتعرضون لصدمات كهربائية بعد إلقاء المياه عليهم ويتم انتهاك أعضائهم الجنسية حتى يتبولوا الدماء ٬ وكانوا يجبرون على مشاهدة مساجين آخرين يضربون حتى الموت. قال العديدون إن جامع كان يشارك بنفسه في التحقيق.

الأوامر

في مساء يوم 5 أغسطس 2011 عقدت )الخلية المركزية( لإدارة الأزمة اجتماعها المعتاد في المقر الإقليمي لحزب البعث في مدينة دمشق. وكانت الاضطرابات قد امتدت الى عدة مقاطعات أخرى بعد خمسة أشهر من اندلاع الثورة. وأرجع أعضاء لجنة الأمن هذا الأمر إلى “التداعيات في معالجة الأزمة” حسبما ورد في الوثائق التي استولت عليها (لجنة العدالة). وألقوا اللوم على ضعف التنسيق والتعاون بين الأجهزة الأمنية”. في ذلك المساء قاموا بوضع خطة لاستهداف فئات محددة من الناس.

أوًلا : كان على جميع الفروع الأمنية أن تشن حملات يومية ضد منظمي الاحتجاجات الذين يتحدثون إلى الصحافة الدولية.

ثانياً : “بعد تنظيف كل قطاع من المطلوبين” سيقوم عملاء الأمن بالتنسيق مع الموالين للبعث ومليشيات الأحياء وقادة المجتمع، لضمان ألا يستطيع نشطاء المعارضة العودة إلى تلك المناطق.

ثالثا: ً سيتم “تشكيل لجنة تحقيق مشتركة في المحافظة” مكونة من ممثلين عن كل الفروع الأمنية لاستجواب المعتقلين. المحصلة: “تعميم نتائج التحقيق على كافة الفروع الأمنية لاستثمارها في تحديد العناصر المستهدفة الجديدة من أجل ملاحقتهم”. كان الهدف الأساسي هو “التوصل إلى أسماء التنسيقيات المحلية” من منظمي الاحتجاجات وتوقيفهم. كما تم إعطاء أوامر لعملاء الأمن ب “موافاة رئيس مكتب الأمن القومي يومياًّ بتقرير عن نتائج التفتيش يتضمن أسماء المطلوبين الذين تم توقيفهم”. بعد ذلك بوقت قليل سافر أعضاء (خلية الأزمة) إلى المقاطعات التي تشكل مشكلة بما فيها دير الزور للإشراف على تشكيل لجان تحقيق مشتركة.

أصبحت هذه السياسة مرتكزاً اساسياً في القضية التي تسعى لجنة العدالة لانجازها ضد المسؤولين في النظام السوري. قال ويلي عن أعضاء خلية الأزمة “أسماؤهم في كل مكان في هذه الوثائق”. واستطاع المحللون في أوروبا أن يتتبعوا من خلال وثائق (بركات) من دمشق والوثائق الستمائة ألف الخاصة ب (لجنة العدالة) كيف يجري توزيع وتسلسل تلك الأوامر انطلاقاً من (خلية الأزمة ) ونزولاً في تسلسل يصل الى القيادات الدنيا.

أرسل (هشام بختيار) رئيس مكتب الأمن القومي تعليمات إلى السكرتاريات الإقليمية لحزب البعث والتي يرأس كل واحد منها اللجنة الأمنية في المنطقة بأوامر إضافية تتطلب “التقيد بالتعليمات للتعجيل في إنهاء الأزمة”.

قام رؤساء أجهزة الأمن الأربعة – المخابرات العسكرية ومخابرات القوات الجوية والأمن السياسي وإدارة المخابرات العامة – بارسال التوجيهات إلى رؤساء المناطق في المحافظة ورؤساء الفروع الإقليمية الذين حولوها بدورهم إلى عملاء الأمن المحليين.

لقد سافر أعضاء (خلية الأزمة) الى المناطق المضطربة ليشرفوا على تشكيل لجان التحقيق المشتركة. أما بالنسبة ل (لجنة العدالة والمساءلة الدولية) فقد ذكر لي (كريس إنجلز) : “إاذا كان يتم ارسال تلك الأوامر ثم لا يجري تطبيقها فان ذلك لا يقول لنا الكثير… لذا فقد كانت هناك أهمية مساوية لأن نرى التقارير التي ترد إلى أعلى سلم القيادة ” والتي تؤكد من أن تلك الفئات من الناس قد تم استهدافها بالاعتقال والتحقيق وأن القيادة في دمشق هي على علم بالانتهاكات داخل مراكز الاعتقال. قال ويلي: “سيتم محاكمة كل من فشل بشكل متواصل في السيطرة على مرؤوسيه الذين يتصرفون بشكل إجرامي… إن نظام القيادة ومسؤولية المراتب العليا متقدم جًّدا”. كان بعض أعضاء لجان الأمن الإقليمية متحمسين لإبلاغ رؤسائهم حتى انهم اتخذوا خطوات استباقية من أجل إرضاء رؤسائهم. لقد وجدت نسخة من التعليمات الخاصة ب (خلية الأزمة) داخل الرقة وقد كتب عليها بخط اليد “فعلنا ذلك منذ زمن بعيد”.

في ظل القانون الدولي جميع الحكومات في العالم ملزمة بأن تجري تحقيقاً عن انتهاكات حقوق الإنسان التي تشير اليها التقارير. في سبتمبر أرسل المحامي العام في (دير الزور) ثلاث رسائل بالفاكس — استعادها محققو اللجنة فيما بعد — يحثهم فيها على التوقف عن خرق القانون السوري. وكتب في إحداها يقول “ان ذوي وأقرباء المعتقلين يسألون يومياً عن مصير أبنائهم وآبائهم وإخوانهم فعليكم الاستماع الى أقوالهم. ويوجد في ثلاجة المستشفى عدد من الجثث مجهولة الهوية وقد أصابها التفسخ بعد ان تمضى عليها مدة طويلة من الزمن”.

  • Social Links:

Leave a Reply