عن يونادم يونادم:
عملية انقاذ الوثائق شديدة السرية التي تربط نظام الأسد بالتعذيب والقتل الجماعي 3/3
الإعتقال
سرعان ما ظهر اسم (مازن الحماده) ضمن قائمة المعتقلين في دير الزور، وكان اثنان من إخوته مطلوبين أيضًا بالإضافة إلى صهره. في أحد أيام مارس 2012 طلب طبيب من (الحمادة) أن يقوم بتهريب حليب خاص للأطفال إلى امرأة في داريا٬ وهي ضاحية من ضواحي دمشق تعيش في حالة ثورة، فقام (الحماده) هو وأبناء اخوته بجمع 55 علبة من لبن الأطفال وخبأوها تحت ملابسهم٬ ثم سافر ليقابلها في مقهى، ولكن ما ان سلّم ” الحماده ” الأكياس حتى قيده عملاء الأمن هو وأبناء إخوته وغطوا وجوههم بقمصانهم ودفعوهم داخل ميكروباص. يقول (الحماده) : ” لم يكن لديَّ فكرة عن وجهتنا.. طوال الطريق كانوا يقولون لنا سنعدمك” .
بعد أن جرى نزع كافة ملابسهم باستثناء الملابس الداخلية، قام رجال الأمن بضربهم ورميهم في زنزانة تبلغ مساحتها ما يقرب من 12 متراً مربًعا، ويوجد بداخلها 40 سجيناً آخر٬ وقد علمنا أنهم في فرع المخابرات الجوية في مطار المزة العسكري أحد أكثر مراكز الاعتقال شهرة بسوء السمعة في البلاد.
بعد أسبوعين تم توزيع المساجين بين ثلاثة مهاجع صغيرة ٬ كل منها أطول قليًلا من 12 متراً وبعرض 7 أمتار، يتكدس داخل كل منها مائة وسبعون شخصاً ٬ تلتف أذرعهم على سيقانهم ويميلون بذقونهم على ركبهم. قال لي (الحماده) : ” أنت تتعفن.. ليس هناك هواء ولا شمس ٬ أظافرك طويلة لأنك لا تستطيع قصها ٬ لذا فعندما تحك نفسك تنزع جلدك “. لم يكن المساجين يستطيعون أن يستحموا أو يغيروا ملابسهم الداخلية. وغطت أجسادهم تقيحات من الجرب وأمراض جلدية أخرى.
عبر البلاد يشرب المحتجزون بشكل دوري من مياه المراحيض ويموتون من الاختناق والأمراض. قال (الحماده): ” أصيب أشخاص بالجنون… ويفقد بعضهم ذاكرته ويفقد آخرون عقلهم ” ٬ في النهاية تم نقله إلى زنزانة انفرادية تقاسمها مع عشرة أشخاص.
في أحد الأيام تم جر (الحماده) وهو معصوب العينين إلى غرفة أخرى للاستجواب. بدأ رئيس قسم الاستجواب الذي كان (الحماده) يعرفه باسم (سهيل) في التأكد من هوية (الحماده) – كان بعض المواطنين يعُتقلون ويعُذبون بالصدفة ٬ أسماؤهم تشبه أسماء آخرين في القائمة -. عندما طلب (سهيل) معلومات عن نشطاء المعارضة الآخرين الذين التقاهم في دمشق تردد (الحماده)، فبدأ التعذيب، ” في البداية كانوا يستخدمون السجائر.. كانوا يطفئونها على ساقيَّ “. رفع ساق بنطلونه الجينز حتى الركبة وأراني أربع ندوب دائرية على ساقه اليسرى وخمًسا على اليمنى. كانت هناك حروق على فخذيه أيضاً. كما ألقوا مياهاً عليه وصعقوه بأسلاك ومهامز. لإيقاف التعذيب أعطاهم (الحماده) أسماء أصدقاء ماتوا بالفعل في دير الزور.
كانت الأسماء هي البداية فقط. سأله (سهيل) : ” كم شخصاً قتلت من الجيش العربي السوري؟ “. كان (الحماده) قد اعترف بالفعل أنه ينظم احتجاجات ويرفع فيديوهات على اليوتيوب ويتحدث مع الصحافة الأجنبية. قال: ” كان التحدي هنا هو كيفية تأليف قصة عن كيف قتلت هؤلاء الناس؟” كانت يداه مقيدتين إلى أنبوبة قرب السقف. يقول: ” كانت قدماي على بعد حوالي نصف متر من الأرض لذا كان كل ثقلي على معصمي … كنت أشعر أن القيود تفعل فعل المنشار، انها تقطّع يديَّ. بقيت لمدة نصف ساعة ثم بدأت في الصراخ، ولأني استمريت في الصراخ فقد دفعوا بحذاء عسكري في فمي وقالوا لي: عض هذا الحذاء كي لا تصرخ “. كانت هذه الطريقة في التعذيب مستخدمة في أغلب المعتقلات السورية الخاصة بالأمن الاستخباراتي بتنويعات مبتكرة. كانت معاصم الكثير من المحتجزين تربط خلف ظهورهم قبل تعليقهم منها، وكان البعض يبقى معلقاً لأيام ٬ وآخرون حتى يتوقفوا عن التنفس. قال مساعدو (سهيل) ل (الحماده) إنه إذا اعترف بحمل السلاح سيتم إطلاق سراحه. لم يعترف فكسروا أربعة من ضلوعه. عند تلك النقطة ذكر أنه كان مسلًحا ببندقية صيد فأنزلوه. ولكن (سهيل) أراد أن يتضمن الاعتراف كلاشينكوف كي تناسب التهمة مع الإرهاب. رفض (الحماده)، وتابع: ” نزعوا عني ملابسي الداخلية وأحضروا إبزيماً خاصاً بالسباكة مثل الذي يستخدم في ضبط الضغط في الخراطيم. ” وضعوه على قضيبي وبدأوا في تضييقه ” قال (الحماده) إن (سهيل) سأله حينها: ” هل ستعترف أم أقطعه؟ ” وافق (الحماده) على أنه كان يحمل كلاشينكوف فأطلق سهيل الإبزيم. وسأله عن عدد مخازن الطلقات التي كان (الحماده) يحملها معه. فتسائل (الحماده): ” كم مخزناً تريد أن يكون بحوزتي؟ ” ولكن (سهيل) ذكره أنه يجب أن يعترف وحده فقال (الحماده): ” لديَّ خمس رصاصات “. لم يكن ذلك كافياً. قال له (سهيل): ” أريد أن تذكر مخزن رصاص “. وتصاعد التعذيب حتى أقرّ (الحماده) بكل شيء سألوا عنه.
خلال مئات المقابلات مع شهود وجدت لجنة العدالة أن هناك نمطًا سائًدا في أساليب التحقيق عبر جميع فروع أجهزة الأمن. كان الناس يحتجزون تبًعا لسياسة (خلية الأزمة). وبالإضافة إلى تحديد ” أهداف جديدة ” كانت الأجهزة تتشارك في نتائج تلك المقابلات. كان المحتجزون يعيشون في ظروف غير إنسانية لشهور أو سنوات وبمعزل عن النظام القضائي.
ولا تخدم الاعترافات على ما يبدو أي أغراض خاصة بجمع المعلومات ٬ ولكنها تعطي مظهًرا قانونياًّ لعملية الاحتجاز. يمكن أن يتم اتهام النشطاء ضد الدولة بجرائم جادة بعد اعترافهم بجرائم عنيفة ٬ وإذا أدينوا يمكن أن يبقوا في السجن لسنوات. كما أنها تساعد على استمرار وهم المؤامرة الواسعة ضد سورية بينما يعترف المحتجزون باشتراكهم في التحريض أو الإرهاب.
كان للوحشية وقعها على المحققين أيضًا. في حالة واحدة على الأقل ترجى أحد المحققين معتقًلا أن يعترف بأي جريمة كي يستطيع التوقف عن إيذائه. قال (كريس إنجلز) من لجنة العدالة: ” كان رأيهم إلى حد كبير أن عليهم الإتيان بنتائج … كانت العواقب لعدم أدائهم وظيفتهم بشكل جيد حقيقية، وكانت هناك أدلة لما حدث لأولئك الذين تساهلوا في أداء مهامهم” . كان السطر الأخير في سياسة الاستهداف الخاصة (بخلية الأزمة) يأمر رؤساء الأفرع الأمنية ب ” موافاة مكتب الأمن القومي دورياًّ بأسماء العناصر المتخاذلين”، وانتهى الأمر ببعضهم في زنزانة (الحماده). بعد عدة أشهر وقف (الحماده) وابن أخيه (فهد) في طابور لكي يضعا بصمات أصابعهم على تقريريهما. تصور (الحماده) أن التقرير الخاص به يتضمن اعترافاً. لم يكن يعرف لأن قراءة التقرير لم تكن متاحة. وقف فتى يبلغ من العمر سبعة عشر عاًما خلف (الحماده) و(فهد) في الطابور. عندما علم الحراس أنه من داريا ٬ ضاحية دمشق ٬ دفعوه إلى الأرض. جلب أحدهم مشعلاً للحم المعادن وحرق الفتى ” من هنا إلى هنا ” ٬ قالها (الحماده) وهو يرسم بإصبعه خط فكه. ” ثم أداروه وحرقوا رقبته وظهره بالكامل … ثم وجهه أعني أنه كان يحترق، كان يذوب” .
دمعت عينا (الحماده) واحمرتا وهو يتذكر هذه الواقعة، خانه صوته وبكى بيأس. حاول لمدة يومين هو وبقية المساجين في المهجع معالجة جروح الفتى وهو يموت. عندما أتى الحراس لاستعادة الجثة صرخ (الحماده) بهم، ورًدا على موقفه هذا علقوه من معصميه لعدة ساعات. قال لي: ” أنت تريدهم أن يقتلوك على أي حال لكي تخلص من كل ذلك. أنت منهك من التعذيب. منهك من النوم ومن الصحو ومن الحياة كل يوم” .
المستشفى (601)
بعد حوالي عام من الاعتقال وفي بداية عام 2013 كان (الحماده) مستلقياً على أرض حظيرة للطائرات. كان قد تم استجوابه وتعذيبه سبع أو ثماني مرات. فأصيب بالتهاب في عينه أخذ يقطر قيحاً. وهو مصاب بالغرغرينا في جلد ساقيه. كان يجب على المساجين أن يقفوا عندما يدخل الحراس إلى الزنزانة، ولكن (الحماده) لم يستطيع الوقوف في ذلك اليوم كما هو مفروض عليه، بل قال للحارس: ” أنا أتبول دماً “. في اليوم التالي أتى رئيس المحققين إلى الزنزانة وأبلغ (الحمادة) أنه سيذهب إلى المستشفى (601 ) وهو مستشفى عسكري يقبع عند سفح جبل المزة، حيث يجثم قصر الرئاسة في الأعلى. قال رئيس المحققين ل (لحمادة) أيضًا أن عليه أن ينسى اسمه: ” اسمك الآن 1858″ كان (الحمادة) قد سمع عن المستشفى (601) ، حيث يوجد عدد من المحتجزين هناك، وقال إن من عادوا أطلقوا تحذيراً: ” هذا ليس مستشفى، إنه مذبح “. وبالرغم من إصابة (الحمادة) فقد ضربه الحراس في الطريق إلى المستشفى، واستخدم أحدهم أنبوباً أخضر لهذا الغرض. وبسبب اللون الأخضر كان عملاء الأمن في أنحاء سورية يتهكمون على المساجين بتسمية هذا السلاح (الأخضر الإبراهيمي) الذي كان في ذلك الوقت مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسورية.
وعلى طول ممر المستشفى أخذ الممرضون من الرجال والنساء بضرب (الحمادة) بالأحذية وهم يدعونه بالإرهابي، وعندما وصل إلى العنبر تم ربطه إلى السرير مع سجينين آخرين. ثم سألته ممرضة عن أعراضه وضربته بعصا. ويسجل تقرير الأمم المتحدة لتلك السنة: ” أنه تم اضافة بعض الذين يمارسون المهن الطبية إلى قائمة الذين يعاملون المساجين معاملة سيئة في مستشفى ( 601 ) “. كان (الحمادة) يعاني كثيراً من شدة الألم ومن عدم التصديق.
تلك الليلة استيقظ (الحمادة ) من أجل استخدام الحمام، وكان الحارس يقوم بضربه طوال الطريق إلى دورة المياه، ولكنه دخل هناك بمفرده. وحين فتح باب أول حمام وجد بدلخله كومة من جثث محطمة وزرقاء. ووجد اثنين آخرين في الحمام الثاني ضامرين وبلا عينين، كما وجد جثة أخرى بجوار الحوض. خرج (الحمادة) مصاباً بالهلع ٬ ولكن الحارس أعاده وقال له: ” تبول فوق الجثث “. لم يستطع ٬ بدأ يشعرأنه يفقد إحساسه بالواقع. حسبما قال محققو الأمم المتحدة ٬ فإن المحتجزين الذين يموتون كانوا ” يحفظون في الحمامات ” في عدة أفرع أمنية في دمشق.
في وقت لاحق من نفس الليلة دخل جنديان في حالة سكر إلى العنبر وصاح أحدهما: ” من يريد دواء؟ ” رفع عدد من المعتقلين أيديهم. لم يكن الأطباء قد أعطوا (الحمادة) أي أدوية — فقط كيس شبه فارغ من المحاليل، ولكن أحد شركائه في المهجع والذي كان قد قضى بضعة أيام في العنبر حذره ألا يتطوع. اختار الجندي سجيناً متحمساً، ثم استل الجندي سلاحاً حاداً ٬ وبينما يركع السجين عند قدميه، ورأسه في مواجهة الأرض، بدأ في ضرب قاعدة جمجمته فاصلاً عموده الفقري عن رأسه ثم أمر مريضاً آخر بإلقاء الجثة في الحمام. قالت تقارير الأمم المتحدة عن المستشفى 601 ” كان يجري تعذيب الكثير من المرضى حتى الموت في تلك المنشأة “، حتى ان الجندي كان يطلق على نفسه اسم (عزرائيل) ، ويتذكره ناجون آخرون حين كان يقتل سجناء بطرق مماثلة في وحشيتها.
قال لي (الحمادة ): ” عندما رأيت ذلك أقسم – تلك كانت اللحظة التي فكرت فيها أن ذلك هو مصيري… سأموت هنا “. في اليوم التالي ترجى طبيباً أن يعيده إلى فرع المخابرات الجوية. لاحظ الطبيب أن (الحمادة) لا يزال مريضًا، فقال (الحماده): ” لا لالا.. أنا شفيت تماماً “، وفي اليوم الخامس اصطحبه إلى خارج مستشفى (601 ) نفس الحراس الذين جاؤوا به وهم يقولون له: ” يا حيوان ٬ يا ابن الكلب… لم تمت بعد “. وضربوه طوال طريق العودة إلى الفرع ثم علقوه من رسغيه لأربع ساعات.
في يونيو 2013 أحيلت قضية (الحمادة) إلى القضاء وتم تحويله لسجن ( عدرا) في دمشق ٬ حيث تقدم بطلب لإثبات التهم المنسوبة إليه (فالسجون السورية تابعة من الناحية الرسمية لإشراف القضاء وليس للأجهزة الأمنية) فجاء الرد المكتوب أنه قد تم إلقاء القبض عليه ” بجريمة الإرهاب وقد حرم من حريته منذ 5 يونيو 2013 ” أي في نفس تاريخ توجيه التهم إليه، وهكذا من الناحية الرسمية فإن الأشهرالخمسة عشر التي قضاها داخل فرع المخابرات الجوية في مطار المزة الحربي لم تحدث قط.
في نهاية أغسطس قامت الحكومة السورية باطلاق قذائف تحمل غاز السارين على أحياء ذات كثافة سكانية عالية في دمشق ٬ فقتلت أكثر من ألف وأربعمائة شخص. وكرد فعل على ذلك أعلن الرئيس أوباما حينها، وكان قد أكد التزامه في وقت سابق بأن استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية هو خط أحمر: ” سيتوجب على الولايات المتحدة حينها أن تقوم بعمل عسكري ضد أهداف النظام في سوريا “. وقال إنه سينتظر موافقة الكونجرس ولكنه أضاف: ” ما هي الرسالة التي سنرسلها إذا كان ديكتاتور يستطيع أن يقتل مئات الأطفال بالغاز علناً ولا يدفع الثمن؟ “.
في أحد الأيام تم نقل (الحمادة) وعدد كبير من المساجين إلى المزة دون أي تفسير، وفي تلك الليلة جرى نقل عدد كبير من المساجين إلى حظيرة للطائرات فارغة في القاعدة الجوية، ويعتقد أنه تم إطلاق صاروخ واحد على الأقل لغاز السارين من المزة ولذلك كانت هدفاً منطقياًّ لغارة جوية أمريكية. وداخل حظيرة الطائرة كان الحراس يسخرون من المعتقلين، قالوا لهم إنه عندما يقصف الأمريكيون سورية فسيقتلون جميعاً .
في بداية سبتمبر تراجعت الولايات المتحدة عن احتمال شن الحملة العسكرية وأعيد (الحمادة ) إلى محكمة الإرهاب في دمشق، حيث تم أخيًرا النظر في قضيته. لاحظ القاضي أنه قد اعترف بأنه هاجم نقاط تفتيش وقتل جنوًدا. رفع الحمادة بنطاله وأرى القاضي أثر حريق السجائر كما رفع رسغيه كاشفاً عن الندوب البنفسجية العميقة وأظهر الآثار السوداء والبيضاء للضرب على جذعه، كان مثل ذلك المشهد مألوفاً داخل قاعة المحكمة. قال القاضي في ردّه على كل التهم: ” غير مذنب” .
قبل إطلاق سراح (الحمادة) تم استجوابه مرة أخرى من عملاء قسم الأمن السياسي وسألوه عن الاحتجاجات التي حضرها من سنتين. اعترف فوراً. ” قلت نعم كنت في الاحتجاجات. ونعم، قلت إن الرئيس وغد!” وأضاف: ” لقد عشت داخل الجحيم بالفعل. وإذا كان الأمر الآن يتطلب الاعتراف فسأعترف بكل شيئ”. بعد وقت قصير أعيد (الحمادة) إلى قاعة المحكمة، وبعد أن تعرف عليه القاضي، أسقط القضية فوراً.
العودة والهرب
عاد (الحمادة) إلى دير الزور التي وصفها بأنها ” مدينة أشباح” ، بعد ان تدمر الكثير من المباني خلال عامين من القتال المكثف والغارات الجوية. كان اثنان من أولاد أشقائه ما زالا قيد الحجز داخل فرع المخابرات الجوية في دمشق، كما اختفى أفراد آخرون من أسرته في مراكز أمنية أخرى. خلال اعتقال (الحمادة) كانت الثورة قد تحولت إلى حرب طائفية، وتحولت (جبهة النصرة) الى قوة كبيرة لا ينافسها في الوحشية إلا (داعش). أما مجموعات المعارضة المعتدلة فقد كانت موجودة ايضاً ولكنها في الغالب تحت قيادة أمراء حرب فاسدون وتركها العديد من المقاتلين إلى فصائل جهادية أكثر قدرة، بالإضافة الى ان العديد من الثوريين الذين قاتلوا يوماً ما من أجل الحرية أصبحوا الآن راديكاليين أو قتلوا أثناء الحرب، بينما المحاربون الموالون للأسد أتوا من العراق ولبنان وأفغانستان وإيران، وكان لداعش تواجد مهم في (دير الزور). يقول (الحمادة): ” كانوا يقتلون جميع نشطاء الإعلام والنشطاء الديمقراطيين٬ وفي كل مرة كانوا يفعلون ذلك بطريقة هوليوودية مختلفة”.
هرب (الحمادة) إلى تركيا، اذ استقل طوافة يستخدمها المهربون متوجهة إلى اليونان، ومن هناك سافر لمسافة أكثر من ألف وسبعمائة ميل إلى هولاندا حيث كانت شقيقته قد انتقلت اليها قبل الحرب. انه يتذكر الهجرة بهزة كتف أو بعبارة أخرى كأنها لا شيئ.
تم تأكيد وتوثيق ما سرده (الحمادة) عن الأعمال الوحشية داخل المستشفى ( 601 ) من خلال ما يقارب خمسة وخمسين ألف صورة تم تهريبها من سورية عن طريق ضابط في الشرطة العسكرية يعرف باسم (قيصر) وهو الاسم المستعار له. وقد وثّق (قيصر) وزملاء له قبل الحرب مشاهد عديدة لجرائم وحوادث مرور في دمشق يكون أحد أطرافها شخصيات عسكرية، ثم كان يقوم بتحميل تلك الصور على كمبيوترات حكومية مخصصة لهذا الغرض ثم يقوم بطبع تلك الصور ليرفقها بعد ذلك مع شهادات الوفاة الرسمية. ولكن ابتداء من عام 2011 لم تعد الجثث لأشخاص قتلوا في حوادث السير بل كانت لمعتقلين تم جمعها يومياًّ من داخل الأفرع الأمنية لإيصالها إلى المستشفيات العسكرية.
قام فريق (قيصر) بتصوير الجثث الموجودة في مشرحة المستشفى (601)، وكان لكل جثة يجري تصويرها رقم يميزها، ويتكون عادة من أربعة أرقام — مثل رقم (الحمادة) 1858 — وهو مكتوب عادة بخط رديئ على ورقة أو على شريط لاصق أو على الصدر أو على الجبهة بقلم عريض، كما يوجد رقم آخر يشير الى فرع المخابرات الذي قتل فيه المريض، وبلغ عدد الجثث الموجودة ما يقارب 1100 جثة، كان فريق (قيصر) يصنف أكثر من خمسين جثة يومياًّ هزيلة ٬ مشوهة ٬ مقطعة ٬ محروقة ٬ مضروبة بالرصاص ٬ مخنوقة ٬ مكسرة، أو حتى ذائبة.
حسبما ورد في تقرير الأمم المتحدة ٬ بعد أن انتهى فريق (قيصر) من التوثيق حيث كان طبيب المستشفى يكتب عادة: ” أزمة قلبية ” على شهادة الوفاة، وتحمّل بعدها الجثث على شاحنات لإلقائها في مكان بعيد، وفي حالات نادرة تمكن أفراد عائلة معينة ما من استعادة جثمان فقيدهم ولكن محققي الأمم المتحدة لاحظوا أنه عند كل حالة معروفة ” كانت الجثة تحمل علامات تعذيب شديد” . وأكمل التقرير ” بعض الجثامين كانت تعاد من مشرحة المستشفى إلى العائلة ٬ فقط بعد موافقة العائلة على إفادة تؤكد أن المتوفى قتله إرهابيون”.
هرب (قيصر) من سورية في أغسطس 2013 ومعه عدد من وحدات تخزين (فلاشه) للكومبيوتر مخبأة داخل جواربه. وبقيت الصور موضوعاً سرّياً حتى تسنّى ل (قيصر) ان يتحدث مع فريق من المحققين الدوليين وخبراء في الطب الشرعي في شهر يناير التالي، وبدون وجود مفتاح أو شيفرة تستطيع ان تربط عن طريقها أسماء المعتقلين بأرقام الجثث فسيكون من الصعب تحديد هوية المتوفين، خاصة وان الكثير من الوجوه تم تشويه معالمها بإتقان أو اقتلعت منها عيونها. لقد نشر النشطاء السوريون المقربون من (قيصر) عدة آلاف من الصور على الإنترنت مما سمح لأفراد العائلات أن يبحثوا عن أحبائهم المفقودين. ثم جرى توزيع الصور على مخيمات اللاجئين أيضًا حيث اكتشفت بعض العائلات أنهم كانوا يدفعون رشاوى لضمان معاملة جيدة لأقارب تم قتلهم منذ زمن بعيد، وحتى الآن تم التعرف على سبعمائة وثلاثين ضحية بمن فيهم بعض زملاء (الحمادة) الذين كانوا معه في الزنزانة.
الخاتمة
بين الصور التي بحوزة (قيصر) وبين القضية التي تشغل (لجنة العدالة والمساءلة) قال (ستيفن راب) : “عندما تحين لحظة العدالة، سيكون قد توفر لدينا أدلة أفضل مما كان لدينا في أي مكان آخر منذ أيام محاكمة (نورمبرج)”، كما أن (ويلي) و(إنجلز) يعتقدان أنه إذا وصلت هذه القضية للمحكمة فإن (لجنة العدالة) لديها ما يكفي من الأدلة لكي تدين (الأسد) ومعاونيه بعدد من التهم التي تتضمن القتل والتعذيب وأعمالاً أخرى ضد الإنسانية.
في العام الماضي عندما سئل الأسد عن صور (قيصر) خلال مقابلة مع مجلة (فورين أفيرز) تساءل (الأسد) وهو يردد: ” من قال إن الحكومة فعلت ذلك وليس المتمردين؟ من قال إن هذه ضحية سورية وليس شخصًا آخر؟ ” .
في عام 2011 ادعت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة أن طفلاً يبلغ من العمر ثلاثة عشر عاماً ويدعى (حمزة الخطيب) تم تعذيبه حتى الموت داخل المعتقل. وكرد على ذلك توصل تحقيق قام به السوريون إلى أنه بعد وفاة الطفل بوقت قصير التقط ” مصور شرعي.. ست صور ملونة ” للجثمان ” وأطلقنا عليها الرقم ثلاثة وعشرين”، وأضافت تلك التحقيقات السورية أن الصور أظهرت “عدم وجود علامات ضرب وعدم وجود علامات تعذيب ” وأن الطفل قتُل رمياً بالرصاص وذلك ” على الأغلب من قبل زملائه الإرهابيين” . وأضاف التحقيق السوري أن الطبيب الذي أبلغ أن( قضيب) الطفل مقطوع قد ” أساء تقدير الموقف في فحص طبي سابق”.
تتضمن مجموعة (قيصر) ست صور لجثمان (حمزة الخطيب)، تظهرعيناه مغلقتان من الورم، ولون رأسه بنفسجي غامق من شدة الضرب، كما ان قضيبه غير موجود، وفي كل صورة تظهر أيضاً بطاقة ملطخة بالدماء كتب عليها رقم (23).
وفي رد رسمي على تحقيق الأمم المتحدة أشارت البعثة السورية الدائمة في الأمم المتحدة إلى الدستور السوري والقوانين المحلية السورية لتستشهد بها كدليل على أن ” الادعاءات بوجود اعتقالات تعسفية وانتهاكات للقانون في أي من مؤسساتنا لم تعد مقبولة بعد الآن”. ويتابع رد البعثة السورية ” ليس لدينا مساجين تم اعتقالهم، خارج الاطار القانوني، لأمور تتصل بالتظاهر السلمي. أما إذا كان سؤالكم يتعلق بأفراد استخدموا أسلحة أو ارتكبوا نشاطاً إرهابياً ضد الدولة فتلك مسألة مختلفة تماماً.
في 2011 قال الأسد ل ( بربارة والترز) إن مشاركة سورية في الأمم المتحدة ” هي لعبة نلعبها ولا يعني هذا أننا نصدقها”.
ويتفادى (ويلي) وطاقم (لجنة العدالة والمساءلة الدولية) التعليق على تغيير النظام. قال لي: ” نحن لا نريد التورط كثيراً في المعاناة السياسية” ضمن جهود إنهاء الحرب السورية ” نحن ببساطة واثقون- ولا أظن أنها غطرسة – من أن عملنا سيرى النور في المحكمة في وقت قصير نسبياًّ “.
يذهب (الحمادة) الموجود في هولاندا إلى جلسات علاج طبيعي لإعادة تأهيل أطرافه المشوهة ويدرس الهولاندية وينظم احتجاجات مناهضة للأسد ضمن الميادين العامة مع أن الحضور يكون قليلاً، ويتساءل دوماً عن أبناء إخوته وعن أخيه وعن زوج أخته وعن أصدقائه العديدين المفقودين. يبكي وهو يقول: ” أين هم؟ هل هم على قيد الحياة؟ هل هم أموات ؟” تطلب شقيقته في سورية شهادات وفاة من الشرطة العسكرية بلا جدوى، ويردد (الحمادة) كل يوم قوله ” تعاسة.. إنها تعاسة. إنها تعاسة. إنه موت. إنها الحياة في الموت.





Social Links: