عن : Yonadam Yonadam
إذا كان الإسلام ديانة عنف فكذلك هي المسيحية فيما يلي تعريب لمقال يتعلق بمجرى الأحداث الراهنة بقلم (جوليا لوف)، وهي كاتبة ومراسلة مجلة (النيويورك تايمز)، وشغلت مركز رئيسة تحرير (نيو ريبابليك) ومراسلة (الواشنطن بوست) ، كما عملت في موسكو كمراسلة لمجلة (فورين بوليسي) و (نيويوركر) بين عامي 2012- 2009.
كل الديانات العالمية القديمة لها تاريخ دموي يثير القلق. واستثناء الإسلام فقط كديانة عنف من قبل (دونالد ترامب) يجعل منه منافقاً بغيضاً.
في تعليق له على جريمة إطلاق النار داخل مدينة (اورلاندو) في ولاية (فلوريدا) الأمريكية، أصرّ (دونالد ترامب) على ان الذي حصد الناس في ملهى (بالس) لم تكن البندقية الهجومية بل ان الجاني كان الإسلام المتطرف، لأنه في (برج ترامب) لا يمكن ان يجتمع كلا الطرفين معاً. ان عالم (ترامب) هو عالم ثنائي أي لا توجد فيه الا البنادق التي تقتل الناس او الإسلام المتطرف الذي يقتلهم أيضاً، كما انه في عالم (ترامب) لا توجد غير ديانة واحدة سيئة، فاذا كانت المسيحية ديانة جيدة فهذا يعني ان الإسلام سيء، إذا كانت المسيحية هي ديانة سلام فلا بد ان يكون الإسلام ديانة عنف، وإذا كانت المسيحية ديانة تسامح فالإسلام سيكون ديانة عدم تسامح، ولقد تأصلت في هذه الديانات خصائص ثابتة وكأنها قد نقشت على حجر من صوان لوصف سلوك كل فرد من اتباعها. ويشاطر نظرة (ترامب) هذه أتباعه وغير أتباعه ويطلق على هذه النظرة اسم (المانوية) أي الثنائية بين النور والظلمة بين الخير والشر. غير ان (المانوية) كانت تصف في الأصل ديانة انتشرت من بلاد الفرس وصولاً الى الأجزاء الشمالية من أفريقيا الخاضعة للإمبراطورية الرومانية في القرن الثالث الميلادي، وكان لهذه الديانة تأثير على المسيحيين الأوائل. وإذا كان للديانة (المانوية) مضموناً سلبياً اليوم فيعود ذلك الى ان الكنيسة الكاثوليكية اعتبرتها حينذاك هرطقة دينية مما يستدعي بترها تماماً وبدون رحمة من العالم المسيحي: حيث كانت تجري مصادرة امتعة اتباعها ثم يتم بعدها قتلهم، حتى وان كانوا قد تحولوا الى المسيحية ولكنهم ظلواعلى اتصال مع بعض أقرانهم من المانويين.
ان السبب الذي دعاني الى ذكر المانوية هو كوني سئمت من سماع (دونالد ترامب) و (بيل ماهر) وهم يرددون ان العنف متأصل في الإسلام، كما انني مللت من سماع ان المسيحية هي ديانة سلام. لقد شاهدت وسمعت الكثير من هذه المواقف يعاد تكرارها مرات كثيرة بما فيها تلك الحادثة التي جرت اثناء حفلة عشاء حيث قامت مقدمة البرامج الاذاعية والمعلقة السياسية والكاتبة المحافظة (لورا انغراهام) وطالبت الحضور وضيوف الحفل برفع اياديهم لإجراء عملية استفتاء فيما إذا كان الإسلام يمثل ديانة موت، وطبعاً رفع كل الحضور من السياسيين المحافظين أيديهم بالموافقة ثم شرعت (لورا انغراهام) تستفيض في شرح كيف ان المسيحية وبعكس الإسلام هي ديانة تتأصل فيها المحبة.
مع كل الاحترام الذي أكنّه لأصدقائي من المسيحيين أقول لهم انني لا أتفق مع هذا الرأي.
يقلّب المحافظون نظرهم بامتعاض عندما تذكر لهم (الحروب الصليبية) ثم يقولون لك ان هذه مسألة قديمة، وستزعجهم الإشارة الى (المانوية)، ولكن الحروب الصليبية والمانوية يشكلان مراحل هامة جداً عند الحديث عن وجود خصائص متأصلة في الدين. البعض يقول ان ذلك كان انحرافاً عن المسيحية أو صدفة نادرة. لماذا اذن لا نتكلم، وبنفس المنطق، عن الفتوحات الإسلامية للشرق الأوسط؟ لا يمكن لأي شخص يريد مناقشة وجود عنف متأصل في الدين عن طريق تقديم شواهد وأمثلة أعقبت تلك المرحلة التاريخية ثم يطرح جانبا وفي نفس الوقت تاريخ العنف في المسيحية.
ما تزال الحروب الصليبية تثير مشاعر الألم في العالم الإسلامي لما نشرته من خراب وتدمير بين يهود أوروبا. لقد شق الصليبيون طريقهم نحو الجنوب الشرقي في غزوات متعددة صوب الأرض المقدسة، وخلال مرورهم ذبحوا اليهود باسم الايمان المسيحي ثم جاءت المحرقة قبل حوالي 70 عاماً في لهيب أشعلته أوروبا المتمدنة المسيحية.
وإذا اردتم التأكد من ذلك الاضطهاد الوحشي الذي عانى منه اتباع المانوية المسيحية بإمكانكم الرجوع الى (الموسوعة الكاثوليكية) حيث ستجدون مدى القسوة التي تعاملت بها الكنيسة الكاثوليكية مع المعتقدات الأخرى التي اختلفت الى هذا الحد او ذاك عن العقيدة الكاثوليكية.
بعد ان قام (مارتن لوثر) بإلصاق المخطوطة التي كتبها والمتضمنة لمواقفه التي سميت (بالقضايا الخمس والتسعون) واعتبرت دعوة الانطلاق التاريخي للبروتستانتية، ثم أدت الى نشوب سلسلة من الحروب بين المسيحيين تواصلت لمدة 100 عام، حيث سفكوا خلالها دماء بعضهم البعض بحجة ان كل طرف منهم يحمل رؤياه الصحيحة ليسوع المسيح. ان مثل هذا الاقتتال الدموي لا يقتصر على التاريخ القديم فقط، فالعنف بين البروتستانت والكاثوليك استمر داخل (ايرلندا) المسيحية حتى نهاية القرن العشرين. “الإسلام المتطرف هو عدو المرأة، هو عدو (المثلي جنسياً)، وهو عدو الأمريكي” هكذا نطق (ترامب)، ثم أضاف: ” لن أسمح بان يتعرض المثليون والمسيحيون واليهود للاضطهاد والتهديد في أمريكا، من قبل الإسلاميين المتطرفين الذين يبشرون بالحقد والعنف.” ولعل النقطة التي أراد ان يوضحها (ترامب) هي ان الذين يتبعون الإسلام المتطرف (مهما كانت تعنيه هذه التسمية) لا يرتاحون لمن لا يشاطرهم معتقداتهم مما يدفعهم لاستخدام العنف ضدهم. قد يمثل الإسلام المتطرف كل هذه المساوئ، غير ان سجل المسيحية ليس أفضل منه.
ان حرص (دونالد ترامب) على اليهود من أجل ان لا يكونوا “اهدافاً للاضطهاد والتهديد” هو شعور رائع، ولكن خلال الألفي عام التي مضت وحتى خروج اليهود من الدول الإسلامية عام 1948 بقي اليهود هدفاً للاضطهاد والتهديد على أيدي المسيحيين، اذ ان حياتهم في تلك الأقطار الإسلامية رغم انها كانت مثقلة بكل أنواع القيود وبعض حالات من العنف المتقطع، الا انها كانت أقل دموية مما حصل لهم في الغرب المسيحي المتمدن. هناك العديد من الأمثلة التي أستطيع ان أذكرها في هذا السياق، كالمسيحيين الذين أخذوا يقتلون اليهود بعد ان اتهموهم بأنهم سبب الطاعون او الموت الأسود في القرن الرابع عشر، حتى ان كلمة (غيتو) انتقلت الينا من الأماكن المغلقة التي أجبر اليهود على العيش فيها داخل (البندقية) في العصور الوسطى، وكذلك المذابح التي شجعت عليها الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية لقتل اليهود الكفار. ولكن اذا اعتبر البعض ان الأحداث التي ذكرتها ترجع الى ما مضى من الزمن، الى تاريخ قديم، فما بالكم اذا عدنا الى زمن لاحق، الى عام 1988 ، الى الذكرى الألفية لروسيا المسيحية، اذ انتشرت الشائعات حينها في موسكو ان مذبحة على وشك ان ترتكب ضد اليهود للاحتفال بقدوم المسيحية الى روسيا ، وان البوليس يوزع عناوين أماكن سكن اليهود الى عامة الناس (حينها قررت عائلتي المغادرة والرحيل).
يثير (دونالد ترامب) ومعه اليمين المسيحي الدهشة حين يتهم الإسلام بنشر المخاوف عن (المثليين جنسياً)، في حين ان الجماعة الوحيدة التي اتخذت مواقف معادية لمواجهة شريحة (المثليين جنسياً) هي جماعة (المسيحيين المحافظين) ونشاطهم الممتد لعقود طويلة من نشر الكراهية ضد هؤلاء. ومنذ مدة قريبة جداً ذكر راعي احدى الأبرشيات المسيحية، الذي يطيب له مرافقة (بوبي جندال- مايك هاكابي- تيد كروز)، وهؤلاء الثلاثة كانوا ضمن مرشحي الحزب الجمهوري لانتخابات 2016 مع (دونالد ترامب)، حيث ذكر ذلك الراعي أو القسيس انه وبحسب الكتاب المقدس يستحق المثليون عقوبة الإعدام، وبعد حادثة (اورلاندو) تحول هؤلاء وانتقلوا الى موقع الدفاع عن (المثليين) خوفاً من هجوم الإسلام الراديكالي. رغم ان ذلك لم يمنع أحد المبشرين المسيحيين من نشر فيديو لموعظة دينية له مدح فيها اطلاق النار في (اورلاندو) قائلاً :”الذي نتج عنه ان عدد المثليين نقص 50 فرداً”.
بالإضافة الى هذه التوجهات، يطيب أيضاً لمسيحيين أمريكيين الادلاء بتصريحات تكشف دوماً عن صلة جوهرية بين المسيحية واقتناء السلاح الفردي بما فيها الأسلحة الهجومية المستخدمة في الأعمال الحربية، فيقومون بشن الحملات للدفاع عن الحق الأمريكي الدستوري في اقتناء السلاح فيهجمون لشراء الأسلحة الفتاكة وكأنه ليس هناك من غد يلوح في الأفق.
والواقع ان الشتائم والتجريح وحملات الافتراء التي يشنها المحافظون المسيحيون ليس ضد التطرف بل ضد الديانة نفسها يكاد لا يختلف في مدى عنفه وعدم تسامحه عما يتهمون به الإسلام.
قبل حوالي عام تقريباً من الآن حين أقدم ( ديلان روف) على قتل تسعة أشخاص من جماعة كانت تلتقي من أجل دراسة الكتاب المقدس في مدينة (شارلستون) ولاية (ساوث كارولاينا) ، ولكن قبل ان يستحوذ على (ديلان روف) الهيجان القاتل كتب بياناً يعلن فيه الولاء لقضية سيادة العرق الابيض العنصرية ، وأشارا في بيانه الى (مجلس المواطنين المحافظين) الذي يزعم بتمسكه ب”القيم والمعتقدات المسيحية” كمصدر أساسي للمعرفة والالهام. لقد انحدر (ديلان) من عائلة تثابر على الذهاب الى الكنيسة، وكان يلتحق بالمخيمات التي كانت تنظمها الكنيسة في فترة الصيف. فهل قام (ديلان) بقتل رفاقه المسيحيين لأنه كان مختلّاً، ام لأن المسيحية هي ديانة عنف؟ والاجابة هي بالنفي طبعاً لكلتا الحالتين، اذ لا تمثل كل من الحالتين وضعاً استثنائياً، كما انهما لا تخاطبان حالة متأصلة من العنف في المسيحية، فالمسيحية ليست أبدا ديانة شر. ولا توجد اية ديانة يمكن القول ان العنف او السلم كامنان فيها، ملازمان ومتأصلان لوجودها، فالعنف أو السلم يرتبطان مباشرة بما يريد ان يفعله أتباع كل ديانة، فاذا كانت الظروف والاوضاع تدفعهم الى العنف، فهم سيمارسون العنف تحت أي رداء او لباس ديني ليبرروا فيه سلوكهم وليتجنبوا تحمل أي مسؤولية تتعلق بذلك النشاط. كذلك الأمر بالنسبة للديانة اليهودية التي تقترن في أذهان الناس بسعة الاضطلاع او العزلة فهي كذلك تستطيع ان تصبح عنيفة. فعيد الأنوار أو (الهانوكا) هو العيد المفضل الذي يحتفل فيه العلمانيون اليهود تعبيرا عن اقتتالهم وانتصارهم العسكري، كذلك يجب ان لا ننسى (يشاي شليسيل) الذي طعن ستة من المثلين أثناء مسيرة لهم في القدس، وهي ثاني حادثة يرتكبها ضد هذه الجماعة. وسنضيف الى هذه القائمة (باروخ غولدشتين) أيضاً، فقد قتل 29 مسلماً وهم يقومون بأداء الصلاة. فهل نعتبر فعله ذلك استثناء، أم ان هذا العمل يحدد الخصائص المتأصلة والكامنة في الديانة اليهودية؟ حتى البوذية التي يقترن اسمها بالدعة والسلم يمكن ان تتحول الى دموية، وما عليكم في هذا الخصوص الا النظر نحو (سيرلانكا) حيث الأغلبية البوذية أشعلت حرباً أهلية ضد الهندوس. أو انظروا الى البوذيين في (ميانمار) كيف اضطهدوا (الروهينغا) المسلمين.
لا يوجد ديانة يتأصل فيها العنف، كما انه لا يوجد ديانة يتأصل فيها السلم. فالدين، أي كان، تتبعه التأويلات والتفسيرات وحينها سنجد كل ما هو جميل أو كل ما هو بشع، أو خليط من الاثنين معاً في حال نضجت نظرتنا الى الأمور

Social Links: