المسلمون بين سيف العقيدة وعقيدة السيف ..

المسلمون بين سيف العقيدة وعقيدة السيف ..

ماجد العلوش

ربما – وفي حدود علمنا – لا يوجد أَتباعُ عقيدة في الزمن المعاصر مطحونين بين تلك المزدوجة القاتلة أي : سيف العقيدة ، وعقيدة السيف . الا المسلمون فهم انْ اتبعوا العقيدة – في شكلها الموروث – اضطروا الى ممارسات وانماط حياة لم تعد مقبولة في زمن بلغت فيه البشرية من الرقي مراتب عليا . إضافة الى ما يعانونه من تخلف فاق كل التصورات . إنهم ليسوا في ذيل قائمة التطور البشري بل هم خارجها كلية وجزء من الأسباب يعود بالتأكيد الى العقيدة التي يعتنقونها ، وان خرجوا عن تلك العقيدة لاقاهم سيف الجماعات التي تصرُّ على إبقاء الجميع متمسكين بالعقيدة الموروثة ، ولو رغم انفهم .

ونحن لا نقصد بالعقيدة  المسائل الاعتقادية في الإسلام كوجود الله ونبوة محمد والوحي وما يستتبع ذلك من معادٍ ، وجنة ،  ونار ، ومسائل ميتافيزيقية أخرى ، فالأرجح ان هذه المسائل حيادية اتجاه الحضارة بشقيها المادي والمعنوي لكننا نقصد المنظومة الفكرية / الاعتقادية التي انتجها فقهاء / ابواق ، او فقهاء / صدى عصر اتسم بأنواع من الصراعات ربما كانت – حينها – الشكل السائد للثقافة البشرية ، او كانت أساسية وضرورية  للوصول الى السلطة ، او الاحتفاظ بها ، او إدارة المجموعات البشرية الخاضعة لها ، ولذلك فنحن لا تعنينينا فتاويهم ولا قراءاتهم بعجرها وبجرها فقد ذهبوا هم وصراعاتهم لكنهم اورثونا شعار ” نتَّبعُ ما ألفينا عليه آباءنا …/ البقرة 170 ” .

مشكلتنا عقيدة بهذا المعنى  ورثناها  عن ” آبائنا الاولين ” والتي اغرب ما فيها ان معتنقيها  يتقاتلون ويَقْتِلُوْنَ و يُقْتَلُون لإثبات صحة إحدى عقيدتين متشابهتين حدَّ التطابق ( اقصد هنا الاقتتال السني الشيعي التاريخي والقائم ) .

لا ينفي وجود العوامل العرقية والاقتصادية وغيرها – مع انها موجودة فعلا وتمارس دورا ليس هييناً – كعوامل ومسببات صراع ” الإبادة المتبادلة ” لتفسير الحرب فالجانب العقائدي في الصراع ظاهر وفاعل بل هو الاظهر والأكثر فاعلية ويطغى على الجوانب الموضوعية مجتمعة وبدلالة هذا المستوى من البربرية

التحديات التي تواجه المسلمين في جميع بقاع الأرض كبيرة ، وهي تحديات وجودية لم تعد تهدد الكيانات الإسلامية ( السياسية ، والعقائدية ) بل امتدت لتنذر بفناء المسلمين كوجود مادي مباشر في ظل الحرب التي يشنها المسلمون ضد بعضهم على قاعدة الانقسام التاريخي ( السني ، الشيعي ) والتي فاقت كل الوحشية التي ورثها الانسان عن اسلافه من وحوش الطبيعة ، والحرب التي يشنها الفريق الواحد ( المذهبي ) ضد بعضه البعض والتي لا تقل وحشية وبربرية عن مثيلتها بين الفريقين وان كانت الحرب الثانية ( الداخلية بين المذهب نفسه ) اكثر وضوحا عند السنة فهذا لا يعني انها خاصتهم ، فالشيعة لم يكن اقتتالهم الداخلي اقل ضراوة . لكن عوامل موضوعية جعلت ذاك الاقتتال  محدود واقل تكلفة حاليا ، واهم تلك العوامل : ان الاقتتال المذهبي لا يزال محصورا الى درجة كبيرة في العالم العربي حيث الشيعة اقلية في كل بلدانه – باستثناء العراق ربما بعد انفصال الاكراد عن المذهب لصالح النزوع القومي – وهو ما يفرض عليهم درجة من التماسك ، ولو الظاهري والمؤقت ، والثاني : وجود مركز ( ايران ) استطاع بالحيلة والمال واستغلال الثغرات اخضاع التشكيلات الشيعية لإرادته من خلال قطعان مدعومة بقوة وتفرض نفسها بالقوة أيضا على محيطها . لكن هذا لم يتأسس دون ثمن ، والاقتتال بين أمل وحزب الله مطلع ثمانينات القرن الماضي احد شواهده ليصبح السؤال : ماذا لو غاب مركز السيطرة والتحكم ( ايران ) فجأة ، او لو تجاوز الصراع العالم العربي الى العالم الإسلامي وحيث الشيعة ليسوا اقلية  . هل ستبقى الحالة شبه التوافقية قائمة في الأوساط الشيعية ؟ . ام ستكون الحرب بينهم اكثر قذارة مما هي عليه في الأوساط السنية ؟ .

هناك اعتراضان يمتلكان مصداقية بدرجة ما : الأول ان الاقتتال بين اتباع الديانة الواحدة او المذهب الواحد ليس خاصة المسلمين وحدهم ، فالاقتتال المسيحي /  المسيحي  كان معادلا في البربرية ، والثاني وجود نماذج دول إسلامية حققت نقلة في اطار الحضارة المعاصرة وهذا صحيح الى حد ما .

فيما يخص الاعتراض الأول فقد كان صراعا هو جزء من العالم القديم . عالم اللاهوت ، والدولة الدينية . لم ينجح المسيحيون بتجاوزه فقط بل طووا الصفحة نهائيا ، واعتبروا الجميع فيها مدان وملعون . بمعنى افتقار المسيحيين الى نموذج سابق يتعلمون منه أن تلك الحرب عدمية لن تقود الا الى الانتحار الجماعي وهو ربما شكل عذرا او تفسيرا . لكن الحرب السنية الشيعية تاتي بعد ظهور النتائج الكارثية والعدمية للصراع المسيحي/  المسيحي دون ان يشكل لها أي رادع او على الأقل مؤشر يخفف من الهمجية وأيضا جاء في وقت استطاع فيه البشر الارتقاء عاليا في سلم القيم وإقرار النظم الديمقراطية والتعايش السلمي بين المختلفين على الأقل في الوطن الواحد ، وهو ما لم يكن يخطر على بال احد زمن الصراع المسيحي / المسيحي ، فاين عذر المسلمين  ؟ . لقد انتهى عالم اللاهوت – دون ان يعني ذلك بالضرورة نهاية الأديان – في كل بقاع الدنيا الا في دنيا المسلمين وهو ما يؤكد القول ان السبب العقائدي يطغى على الأسباب الموضوعية فمعدلات التعليم واستهلاك منتجات الحضارة ( البنى التحتية ، والتجهيزات الصناعية ، والكوادر العلمية والإدارية ) في العالم الإسلامي المعاصر اعلى بكثير من مثيلاتها في أوربا يوم انتهت حروبهم الدينية .

الاعتراض الثاني مردود . ذلك انه يتلطى خلف تركيا أساسا وماليزيا جزئيا او يتذرع بهما ناسين او متناسين أمورا رئيسة أهمها : ان تركيا لا تزال تشبه الدول الإسلامية الأخرى من حيث انها لا تزال عاجزة عن حل المشكلة الوطنية او مشكلة الهوية وهي الخطوة الضرورية لتبيئة التطور فبدون حل  تلك المشكلة ستبقى كل الإنجازات عرضة للخطر ، واذا كان الامر يتصل ببعض المسائل الاقتصادية التي تحققت في عهد حكومة ” العدالة والتنمية ” فان دولا إسلامية أخرى حققت تقدما اكبر في فترة قياسية ( السعودية ) ، ودولا لا تقل تطورا في هذا المجال عن تركيا ( ايران ) . لكنهما لما تخرجا  من دائرة القرون الوسطى بعدُ ، وتعيشان التهديد الوجودي الذي تعيشه تركيا وغيرها من الدول الإسلامية . الامر الثاني هو ان السلطة ( ذات الهوية الدينية ) في تركيا هي سلطة تستند الى الايديولوجيا الدينية ولا تتبناها كأساس ترتكز اليه الممارسةُ العمليةُ وهو فارق جوهري بين السلطة التركية والحركات الإسلامية الأخرى في عموم العالم الإسلامي . هذا الفارق يعود ربما الى واقع  السلطة التركية ذاتها التي لم تُنشئ الدولة بل وَرِثَتْ السلطة فقط في دولة قامت على العلمانية لعقود متصلة ( رغم كل التحفظات التي يمكن ان تقال على العلمانية الأتاتوركية ) . والامر الثالث ان تركيا لا تزال في دائرة الخطر التاريخي . أي : عودة الحكم الديني بشكله التقليدي الذي نشأ أواسط القرن الثامن الميلادي واستمر باشكال متباينة ظاهرا وفق متطلبات القوى الحاكمة وامكاناتها الداخلية والإقليمية لكنها واحدة موحدة في الجوهر وآخر نموذجين له هما  السعودي ، و الإيراني ، كنماذج دول قائمة في العالم السياسي . هذا اذا وضعنا جانبا دولا أخرى تحاول ان تقوم في العالم لكن الظروف الإقليمية والدولية ليست موآتية على الأقل في اللحظة الراهنة كـ ( داعش ، و حالش ) .

صحيح ان السلطة التركية ما قبل السلطة الدينية الحالية عجزت عن حل المشاكل التي عجزت عنها السلطة الدينية الحالية كمشكلة الأقليات وتطوير النظام السياسي باتجاه لامركزية او حتى فيديرالية ، ولكن المخاوف على مستقبل الدولة التركية جدية وتزايدت خاصة بعد الانقلاب العسكري الفاشل 15 / 7 / 2016  والذي يشكل بذاته احد دلائل بقاء تركيا ضمن عنق الزجاجة التاريخي الذي تعاني منه عموم الدول الموصوفة بالاسلامية .

للتاكيد على أهمية العامل العقائدي في المجتمعات الإسلامية يمكن الاستفادة مما لاحظه الشيخ ” جودت السعيد ” من فارق جوهري بين الهند الباقية والهند المنسلخة (  باكستان الغربية والأخرى الشرقية أو بنغلاديش حاليا ) فرغم انتماء الجميع الى أصول متقاربة وفضاء حضاري / ثقافي مشترك وتاريخ واحد والاختلاف الوحيد هو اختلاف عقائدي ومع ذلك اين هذا من ذاك .  لقد بقي هنود الهند الباقية متماسكين رغم اختلافاتهم العقائدية وهم قاب قوسين او ادنى من الوصول الى وضعية الدولة بالمعنى المعاصر . اما هنود الهند المنسلخة بذريعة الاختلاف الديني ( والذين عادوا واقتتلوا مطلع سبعينات القرن الماضي ثم انفصلوا بذريعة الاختلاف اللغوي ) فلا زالوا يعيشون الانقلابات البيضاء والحمراء ( جودت السعيد / لا اكراه في الدين ص 73   وتعبير الهند الباقية والهند المنسلخة لي م . ع ) .

تشكل المزدوجة التي تحدثنا عنها في البداية وعَنْوَنَّا بها بحثنا – بالتأكيد – مشكلة المشاكل و أُسَ الكوارث في عموم العالم الإسلامي ، وان كانت الأمور حتى الآن متفاوتة بين مجتمع إسلامي وآخر ودولة وأخرى فان الجميع يسير حتما باتجاه الهاوية لكن ” ولكل أمة أجل فاذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون / اعراف  34″ . طالما بقي شعار الجميع : ” حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا / مائدة 104″ او ” واذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله امرنا بها / اعراف 28   ” .

  • Social Links:

Leave a Reply