عام على التدخل العسكري  الروسي  في سوريا ..

عام على التدخل العسكري الروسي في سوريا ..

*مصطفى الدروبي

في الـثلاثين من أيلول الجاري يكون الروس قد أتموا عاماً كاملاً على تدخلهم العسكري في سوريا والذي جاء إثر هزائم النظام المتكررة لقواته وبشكل مذل أمام فصائل المعارضة السورية المسلحة و التي جعلته  قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة  حيث بدأت كتائبها تدق أبواب الساحل السوري ..والذي يعتبر الحاضنة السكانية الأكبر لمناصري هذا  النظام وخزّانه البشري .. حيث تقدمت حينها على جبهة إدلب ثم قطعت طريق الإمداد إلى حلب وزحفت بعدها نحو منطقة الغاب الغربي وكذلك نحو ريف اللاذقية الشمالي … فأتى على إثرها  التدخل الروسي كإجراء إنقاذي عبر مسرحية متفق عليها مع النظام مفادها أن الحكومة الشرعية في دمشق قد طلبت دعماً عسكرياً من موسكو ( استنادا إلى شرعية مزعومة يضفيها الكرملين على بشار الأسد … في الوقت الذي لم يعد يسيطر فيه  هذا الأخير على مساحة ذات أهمية  من الأرض وقدرت حينها بـ 16 % من مجمل الأراضي السورية …)  لينعقد على إثرها وعلى عجل مجلس الاتحاد الروسي الذي منح الرئيس بوتين  تفويضاً يستطيع بموجبه  استخدام القوات الروسية خارج البلاد تحت حجة محاربة تنظيم داعش الإرهابي .

وساق الكرملين جملة من الأسباب والدوافع لتدخله في سوريا أهمها المحافظة على مؤسسات الدولة ومنع تحوّل سوريا إلى دولة فاشلة…وكذلك  برر بوتين ورؤساء أجهزته الأمنية  وعبر بروبوغاندا إعلامية  مكشوفة أن هذا التدخل الاستباقي سيقطع الطريق على عودة  نحو ألفي روسي وثلاثة آلاف من بلدان الاتحاد السوفياتي السابق يقاتلون في صفوف “داعش”، وأنهم يشكلون خطراً كبيراً على الأمن القومي الروسي والاستقرار في آسيا الوسطى في حال عودتهم من سوريا والعراق  .

ثم انضم إلى هذه الجوقة راعي الكنيسة الأرثوذكسية الروسية  والذي أعلن عن حماسته في دعم هذا التدخل مضفياً عليه صفة القداسة و الحرب المقدسة  والذي  استفز الكثير من مشاعر شعوب المنطقة والعالم الإسلامي وأثار حفيظتها .. ووصفها البعض بحرب صليبية أخرى  تستهدف المشرق العربي من جديد ..

إن تدخل الروس بحجة محاربة داعش ما هو إلا كذبة واهية لا تستند للوقائع كون أن كافة  التقارير قد أجمعت على أن 15% فقط من الضربات الروسية قد استهدفت داعش وأن الهدف من هذا التدخل ما هو إلا حماية  لنظام أخذ يترنح  وكان أقرب للسقوط من أي وقت مضى.. فبدأ القصف الوحشي عبر القاذفات الروسية العملاقة والذي  استهدف المدنيين العزّل في بيوتهم وكذلك المدارس والمشافي والأسواق الشعبية وفصائل المعارضة السورية المعتدلة  من خلال تطبيق  مبدأ غروزني وسياسة الأرض المحروقة  التي نفذها بوتين في الشيشان، وهي ذات السياسة المتبعة في سوريا منذ بداية تدخله وما زالت..

ثم تكشّفت أبعاد هذا التدخل لاحقاً بدءاً  من تصريحات المسؤولين الروس حول رغبة موسكو في تجريب أسلحتها الحديثة والترويج لها تجارياً ودعائياً  إذ أشار الرئيس الروسي ، في مؤتمره الصحفي السنوي والذي عقده في 17 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، إلى ( أن العمليات في سوريا تعد تدريبات عسكرية ذات كلفة رخيصة في ظروف حرب حقيقية”….)..وكأن الشعب السوري تحول إلى حقل تجارب لأسلحة قادة الكرملين على الطريقة النازية  والفاشية إبّان الحرب العالمية الثانية ….

ومن خلال مجريات هذا العدوان الهمجي الروسي على الشعب السوري يتبين أن  الروس  ووفق أحد المحللين تدخلوا   للمحافظة على النظام ورأسه، وإجبار المعارضة والدول الإقليمية الداعمة لها على القبول بحل سياسي وفق رؤية وشروط النظام السوري والمصالح الروسية في سورية  وعبر فرض وقائع على الأرض، وإلا فالانتقال إلى الخطة “ب”، القاضية برسم حدود “سوريا المفيدة”، وضمان مصالح الكرملين مع النظام الحالي، والمتمثلة في القاعدة البحرية في ميناء طرطوس، وعقود النفط والغاز الموقعة في نهاية 2013 م لاستغلال الحقول البحرية الضخمة مقابل الشواطئ السورية وكذلك القاعدة الجوية في حميم ..والقواعد الأخرى المنوي إعادة تأهيلها واستخدامها لاحقاً كـمطار “الشعيرات” شرقي حمص ..

لقد تدخل الروس في الشأن السوري وبقوة ناعمة منذ انطلاقة الثورة وأخذوا بعقد لقاءات سابقة لتدخلهم العسكري السافر مع رموز  المعارضة  القريبة من النظام ..وذلك للعمل على شراء الوقت مراهنين على الحسم العسكري والأمني الذي اختاره بشار الأسد منذ بداية الثورة السورية .

وحين جاء تدخلهم المباشر عبر القوة الغاشمة تحولت موسكو إلى محج  لقادة عرب نشدوا ودّها وعملوا على إغراءها بحزمة عقود اقتصادية عملاقة  علها تخفف من اندفاعتها المسّعورة …لكن رياح الكرملين جرت بما لا تشتهي السفن العربية …حيث ظل الروس ومازالوا مصممين على إغراق الثورة السورية بالدماء وفرض وجهة نظرهم على إرادة السوريين الثائرين في وجه  نظام الفساد والاستبداد .. والإبقاء على الدكتاتور السوري والذي حولوه إلى نسخة تماثل عميلهم الشيشاني رمضان قاديروف ( الرئيس الشيشاني الصنيعة ) حيث  أذلوه كثيراً  من خلال جلبه مخفوراً إلى موسكو في اكتوبر من عام 2015 .. ومن ثم استدعائه إلى قاعدة حميميم في حزيران من عام 2016 دون معرفته بمن استدعاه …

والآن وبعد ما يقرب  السنة من هذا التدخل الروسي الاحتلالي والدموي في الشأن السوري  وبعد مباحثات مطوّلة  استمرت لأكثر من 14 ساعة  توصّل يوم السبت في العاشر من الشهر الماضي كلاً من  وزيريّ الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره الأمريكي جون كيري إلى اتفاق للتعاون بشأن سوريا يشمل وقف الأعمال العدائية وإدخال المساعدات إلى المدن المحاصرة  وهو في الحقيقة  اتفاق غامض ومفخخ  قال الطرفان علّه يفضي للعودة إلى مسار التفاوض من أجل الانتقال السياسي في سوريا والذي يراهن الكثير من المتابعين على أنه لن يعمّر كثيراً وأن المتغيرات في الحالة السورية  مفتوحة على كافة الاحتمالات .

 

كاتب سوري*

01 – 10 – 2016

  • Social Links:

Leave a Reply