سلامة كيلة
ثانياً :
حول البديل من أجل ماركسية مناضلة و إذا كانت الظروف الجديدة تفرض تأسيس تحالف واسع ديمقراطي وعلماني يدافع عن الطبقات الشعبية في مواجهة السيطرة الإمبريالية والليبرالية الجديدة والميل الأصولي الطوائفي ومن أجل الاستقلال والتطوّر، فإن البدء بتأسيس القوّة المعبّرة عن العمال والفلاحين الفقراء والمهمّشين يبدو ضرورة من أجل هؤلاء، كما من أجل ذاك التحالف، وبالأساس من أجل تحقيق الاستقلال والتطوّر والتفاعل مع كل القوى المقاوِمة في الوطن العربي في سياق السعي لتحقيق المشروع القومي الديمقراطي العربي. ولاشكّ في أن تبلور هذه القوّة سوف يدعم التحالف الواسع ويزيد من فاعليته. لهذا من الضروري تحديد طبيعة هذه القوّة، خصوصاً أن كل الأحزاب الشيوعية والماركسية فشلت في أن تكون قوّة تغيير وباتت تعاني من أزمات عميقة، وهي ككلّ الحركة السياسية مفككة ومنعزلة وهرمة، وبعيدة عن قاعدتها الطبقية، ودون توجّهات واضحة، ويخترقها الميل الليبرالي والاستسلام لميزان القوى الراهن الذي يشير إلى التفوّق الأميركي المطلق .
و إذا كان الحزب الشيوعي قد تشرذم إلى خمسة أو ست أحزاب. وإذا كانت قد نشأت أحزاب ماركسية أخرى مثل حزب العمال الثوري وحزب العمل الشيوعي والبعث الديمقراطي (إضافة إلى الأحزاب الماركسية الكردية). فإن الكادرات الشيوعية في الغالب باتت خارج كلّ تلك الأحزاب. وإذا كانت الأحزاب قد باتت هرمة، فإن خبرات ووعي مشكلات التجربة الطويلة يحملها أفراد في هذه الأحزاب ومن الكادرات التي باتت خارجها. وبالتالي فإذا كان العمل الماركسي ينطلق من السعي لإدخال الشباب معترك الصراع الطبقي، فإن الدور الملقى على هؤلاء مهمّ وضروريّ من أجل المعرفة والخبرة والتجربة، في سياق السعي لإعادة التأسيس .
وفي إطار هذا الوجود للأحزاب القديمة، والتشتت الذي يعيشه عدد كبير من الماركسيين، يجب البحث عن الصيغة الممكنة لبناء حزب مترابط مع الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء وكلّ المهمّشين، ومتلاحم مع كلّ الطبقات الشعبية. يضمّ كل المجموعات والأفراد المعنيين بذلك، في الأحزاب وخارجها، وموجه للقطاعات الشابة والنشطة من هذه الطبقات، انطلاقاً من مبادئ أساسية يمكن تلخيصها بالأمور التالية:
أ) التمسّك بالماركسية كونها منهجية وليست «نصوصاً مقدّسة»، وهي طريقة في التفكير هدفها فهم الواقع، وليست «مجرّدات نظرية» قيمتها معنوية، ولا هي نصوص قالها ماركس أو إنجلز يجب الالتزام بها كونها باتت مقدّسة، وليست كذلك تصوّرات للواقع مسبقة التحديد. إنها بالأساس طريقة في التفكير تنطلق من الجدل المادي الذي تبلور مع ماركس استناداً إلى هيغل. وبعد ذلك يمكن التأكيد على قوانين توصّل إليها ماركس وإنجلز (و ربما آخرين)، لكن تحديد هذه القوانين مرتبط بالجدل المادي ومؤسَّس عليه ولا يمكن أن يتمّ بالتالي بمعزل عنه. ولأن «الماركسية الدارجة» عمّمت قوانين انطلاقاً من أنها قوانين ماركسية، من الضروري الحذر وإعادة البحث في الماركسية بما هي القوانين العلمية المتوافقة مع الجدل المادي .
بمعنى أن المرتكز الأساسيّ هو المنهجية، وانطلاقاً منها يمكن تحديد كلّ ما هو علمي في الماركسية، من قوانين وتصوّرات ومفاهيم وغيرها. لهذا يجب الانطلاق من أفق مفتوح، ومن تفكير جديّ في مناقشة كلّ المفردات والتصوّرات الماركسية التي نعرفها، من أجل الانطلاق من منهجية ماركسية متماسكة حين البحث في الواقع الراهن .
بـ) إن العمل الماركسي يهدف إلى التعبير عن العمال والفلاحين الفقراء وكلّ الفئات الاجتماعية المعنية بمصالح هؤلاء. بمعنى أن الحزب الماركسي هو الحزب الذي يدافع عن المصالح الطبقية لهؤلاء، ويعمل معهم من أجل مطالبهم الراهنة، ومن أجل تحقيق حلمهم في الاشتراكية. والحزب هو الاندماج بين الثقافة الماركسية وهذه الطبقات، أي بين المثقفين الذين يحملون الرؤية الماركسية وهذه الطبقات، بحيث يتشكّل النشاط من هذا الترابط، ويصبح الصراع الطبقي هو ذاك الممتلك رؤية وبرامج وخطط عملية لطبقات ضد الطبقة المهيمنة. الحزب هو عناصر مثقفة تندمج في جموع هذه الطبقات لتفعيل وتنظيم نشاطها، وبلورة مصالحها ومطامحها في رؤية واضحة تشكّل البديل للخيار المهيمن. الأمر الذي يجعل بنيته منغرزة في الطبقات، ونشاطه هو نشاطها المنظّم الذي يسعى لتحقيق هدف واعٍ .
و الحزب ينطلق من أن وجوده مرتبط بالتكوّن داخل الطبقات التي يعبّر عنها بالأساس، بالإضافة إلى كلّ من ينضمّ من الفئات الوسطى انطلاقاً من وعي عميق بضرورة الاندماج في هذه الطبقات من أجل تحقيق أهدافها. ودون أن يتكوّن الحزب داخل الطبقات لن يستطيع أن يكون قوّة تغيير، ولا أن يكون حزباً ماركسياً .
و بالتالي فهو يسعى لأن يقود نشاطها الاعتراضي لتحقيق مطالب معيشية، وأيضاً نشاطها من أجل تأسيس بديل مجتمعي ينطلق ليس من مصالحها فقط، بل من مصالح المجتمع ككل كذلك .
جـ) يؤكد على الثقافة والوعي، وبالتالي على دراسة الماركسية لبناء القدرات المنهجية، ودراسة الواقع من أجل فهمه وتأسيس التصوّرات الضرورية لتغييره. لكن يؤكد في الوقت ذاته على «العملية» والنشاط، لهذا فهو يجمع بين الخبرات النظرية والمعرفية العالية والقدرات العملية والتنظيمية والتخطيطية الكبيرة. حيث أن أهمية الوعي والمعرفة يتحدّدان في قيمتهما العملية، أي في إضاءتهما الواقع بما يفضي إلى تغييره، وفي مساعدتهما على تحديد الممارسة والتكتيك الصحيحين. وبالتالي فإن الوعي هو الذي يسهم في المقدرة العملية، لأنه يؤسِّس لفهم الواقع وفهم صيرورته وتحوّلاته وطبيعة القوى فيه، وبالتالي العمل الضروري انطلاقاً من هذا الواقع للوصول إلى تحقيق الأهداف الممكنة والضرورية في آن من أجل التطوّر .
و إذا كان الواقع يفرز تناقضاته، ويُنتج انفعالات الطبقات المفقرة، فإن الوعي هو الذي يؤسّس لآليات وتكتيكات ضرورية من أجل أن يتحوّل النشاط العفوي إلى فِعل منظّم، انطلاقاً من تحديد الأهداف العامة واختيار التكتيك المناسب. وهنا الوعي لا يطال المفاهيم والبرامج والتحليل السياسي فقط، بل يطال العمل ذاته. لهذا فإن الوعي الأعلى يقود إلى عمل أكثر إنتاجية وتأثيراً ودقة .
د) لهذا فهو ليس دوغمائياً، يرى الواقع كما يرى تحوّلات الواقع، فهو لا ينطلق من أفكار مسبقة بل من مبادئ عامة ومنهجية هدفها تحليل الواقع. الأمر الذي يجعله دائم النظر إلى الواقع نظرة نقدية فاحصة لكي يستكشف التغيّرات فيه، ولكي يحدّد الخطوات الضرورية على ضوء ذلك .
و إذا كان يتمسّك بالمبادئ وبأهداف الطبقات التي يسعى للتعبير عنها، فإنه يسعى لتتبّع حركة الواقع ومتغيّراته من أجل أن يحدِّد التكتيك الضروري في كلّ لحظة .
إضافة إلى أنه دائم النظر إلى تجربته ونشاطاته بعين نقدية فاحصة ومدقِّقة، من أجل أن لا يقع في الأخطاء القاتلة .
إن رفض الدوغما يعني أن يظلّ النقد أساس المعرفة، وأيضاً أساس العمل. وأن يظلّ الشكّ عنصراً جوهرياً في المعرفة والممارسة. لأن اليقين نسبي، ولا يمكن أن يتحقّق إلا من خلال الشكّ ذاته .
ذ) يعرف أن التحوّلات الواقعية تفرض تحوّلات في الأولويات والتحالفات، بمعنى أن تكتيك العمل تفرضه تحوّلات الواقع انطلاقاً من المبادئ العامة والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها. ولهذا فهو يزاوج بين الرؤية التي تمثّل تصوّراً راهناً وبعيد المدى، وبين الخطوة العملية في لحظة محدّدة .
وينحكم للرؤية وليس للحظة، وإلا أصبحت «الحركة هي كلّ شيء أما الرؤية فلاشيء»، وبات ينحكم للعفوية وردود الفعل وليس للفعل . ولحركة الآخرين وليس لحركته الذاتية .
وهنا للوعي أهمية هائلة لأنها أساس معرفة متحوّلات الواقع والتكتيك الضروري المناسب في اللحظة المحدّدة .
ر) أن ينطلق من برنامج واقعيّ، يجيب على مشكلات الواقع. حيث يجب أن نلحظ أثر الأيديولوجيا في رسم الواقع في إطارات مسبقة التحديد، لهذا يجب أن يكون الواقع هو أساس الرؤية لأنه أساس العمل، وما تقدّمه الماركسية هو طريقة في التفكير وليس تصوّرات جاهزة. الأمر الذي يفرض أن تنبع البرامج من الواقع وانطلاقاً من مشكلاته .
وإذا كان الحزب يسعى لتحقيق الاشتراكية انطلاقاً من تعبيره عن الحلم الأساس للطبقة العاملة وللفلاحين الفقراء وكلّ المهمّشين، وانطلاقاً من كونه ماركسياً كذلك، فإنه الآن يسعى لتحقيق المهمات الديمقراطية الضرورية من أجل تحقيق التطوّر وتشكيل مجتمع مدنيٍّ حديث هو الأساس في أن تصبح الاشتراكية خياراً ممكناً، وبالتالي تحقيق الانتقال إلى الاشتراكية من خلال الديمقراطية .
لكن يجب أن نلحظ بأن ذلك لن يتحقّق وفق المسار الذي تحقّقت فيه الثورة الديمقراطية في أوروبا. لأن الواقع مختلف، وهو ما يفرض صيغة أخرى لم تعُدْ البرجوازية قادرة عليها، نتيجة عالمية النمط الرأسمالي بالذات. لهذا يجب تحقيق المهمات الديمقراطية في إطار طبقي مختلف ولمصالح طبقية مختلفة، لأن ذلك هو ما يحقِّق هذه المهمات. وحيث ليس من الممكن الانتقال إلى الاشتراكية دون إنجاز المهمات الديمقراطية المتعلّقة بتطوير قوى الإنتاج من خلال بناء الصناعة وتحديث الزراعة وتطوير البنية التحتية، وتحديث التعليم والثقافة والعلم، وتشكيل المجتمع القائم على مبدأ المواطنة والدولة الديمقراطية، وإنجاز المسألة القومية. وإذا كان دور الحزب الماركسي المعبّر عن الطبقات آنفة الذكر يسعى لتحقيق مصالحها، فقد بات معنياً في تحقيق كلّ تلك المهمات من أجل ذلك .
ز) والحزب هنا يحدِّد مهمات هي أوسع من أن تقتصر عليه، لأنها حلم طبقات أخرى كذلك، وبالتالي هدف تيارات سياسية عديدة، وإنْ انطلاقاً من مصالح طبقية مختلفة. الأمر الذي يفرض التحالف مع كلّ القوى التي تتوافق على تلك المهمات. وهو تحالف طبقي مع الفئات الوسطى، وعبر أشكال متعددة، وسياسي مع القوى التي تعبّر عن هذه الفئات .
و هنا يجب أن نلحظ التوافق والتناقض بين هذه القوى التي يجب أن تتحالف من أجل تحقيق المهمات الديمقراطية، وأن تتصارع في إطار ديمقراطي، وأيضاً أن يسعى كلّ منها لأن يكون القوّة الأساسية في التحالف. لكن دون تحالف ليس من الممكن تحقيق تلك المهمات، وهذه مسألة يجب أن تكون واضحة ومحدّدة .
و لاشكّ في أن التوافق على المهمات العامة ( أي التي تتعلّق بالمجتمع)، لا يلغي التناقض في المصالح الطبقية، وبالتالي حول طبيعة النظام الاقتصادي الضروري من أجل تحقيق التطوّر، وشكل السلطة التي تحقّق هذا التطوّر أو تخدم المصالح الخاصة لهذه الطبقة أو تلك. وفي هذا الإطار يجب التأكيد على تحقيق النظام الديمقراطي العلماني .
س) حزب ديمقراطي، ينطلق من التنوّع وتعدّد الآراء ومن الاختلاف. ويشكّل هيكليته انطلاقاً من ذلك. وإذا كان من الضروري أن يجري التوافق على مبادئ أساسية وبرنامج محدَّد، فإن كلّ القضايا النظرية والمتعلّقة بالواقع وبالنشاط التي تعترض العمل، تبقى مجال حوار واختلاف وتصارع ديمقراطي .
لهذا فهو ينطلق من أن التنوّع سمة أساسية للحزب الطامح لأن يصبح قوّة تغيير. وإذا كان يسعى لتحقيق الديمقراطية في المجتمع، ويؤسِّس دولة ديمقراطية، فيجب أن يكون هو أوّلاً ديمقراطيّ .
و انطلاقاً من ذلك يمكن صياغة الهيكلية المناسبة، التي تسمح بتوحيد «الاتجاه» والعمل دون أن تمنع الحوار والانتقاد والتنوّع. ودون أن تلغي التكتلات والمحاور التي يمكن أن تنتج عن الاختلاف .
ش) وهو مرن، ويعمل بأشكال مختلفة، علنية وسرّية. سياسية ونقابية واجتماعية. وعلى برنامج يعبّر عن الطبقات التي يسعى لتمثيلها، ونقاط توافق مع تحالف عريض. كما على نشاطات اجتماعية تقوم على مطلب واحد لفئات محدَّدة، أي قضايا مطلبية ونوعية (العمال، الفلاحون، المرأة، المهنيون، وقضايا الديمقراطية والحريات عموماً) .
لهذا فهو يؤسِّس لتحالفات متنوّعة ونشاطات مشتركة متعدِّدة. كما يمارس وفق آليات متنوّعة وفق الظرف الموضوعي، دون قسر مسبق لآليات العمل، ودون التزام شكل محدّد يمكن أن يكون قاصراً. الأمر الذي يفرض العمل في مستويات متعدِّدة وفق الأشكال الممكنة. وهو هنا يجمع بين العمل السياسي والعمل النقابي المطلبي، وكلّ الأشكال الضرورية التي يفرضها الواقع .
ص) يكون جزءاً من حركة ماركسية عربية، وينطلق من أنه معنيّ بالمشكلات الأساسية في الوطن العربي انطلاقاً من أن العرب أمة يجب أن تتوحد، وأن المشروع الصهيوني هو مشروع ضد العرب عموماً وبالتالي يجب أن يواجه في إطار عربيّ، وأن الاحتلال الأميركي للعراق والسيطرة الأميركية على الوطن العربي يجب أن تواجه في إطار مقاومة عربية شاملة. وأن التطوّر الاقتصادي والاجتماعي لن يتحققا إلا في إطار عربي .
و بهذا فهو يعمل لتحقيق الثورة القومية الديمقراطية في الوطن العربي، التي تحلّ المسألة القومية العربية، ومسألة القوميات المتداخلة مع العرب (الأكراد)، وكذلك مسألة الأقليات القومية (الأكراد في سوريا والتركمان والأرمن وجنوب السودان)، وأيضاً مسألة المجموعات البشرية التي كانت في أصول العرب ( الأشوريون والسريان والآراميون والكلدان والأمازيغ) .

Social Links: