أبطال الأساطير يعيشون في أسماء المدن والبلدات السورية ..

أبطال الأساطير يعيشون في أسماء المدن والبلدات السورية ..

 ( بانياس ) شاعر أسطوري كان أول من جمع أسطورة الإله الزراعي الممزق أدونيس .

 ( قدموس ) علَّم الإغريق الأبجدية الفينيقية في رحلة بحثه عن أخته أوربا .

 ( عليان ) أهم لقب لبعل اله الأمطار والصواعق

 ( اريتوزا ) حورية شابة هربت من اله النهر فتحولت إلى ينبوع ماء .

بقلم : خالد عواد الأحمد

صورة لللقى اثرية في احد المتاحف السورية التي تعبر عن الأساطير في الحضارات السورية القديمة

صورة لللقى اثرية في احد المتاحف السورية التي تعبر عن الأساطير في الحضارات السورية القديمة .

رغم أن سورية لم تكن في يوم من الأيام مسرحاً للأساطير والميثولوجيات المعروفة في التاريخ الإنساني، إلا أن هذه الأساطير بمختلف انتماءاتها الثقافية والجغرافية حاضرة في أسماء بلداتها وقُراها ومدنها، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن سورية كانت في جميع مراحل تاريخها الحضاري، وبحسب موقعها الجغرافي، على اتصال دائم مع العالم المحيط بها، واللافت للنظر أن أغلب الأسماء الأسطورية أُطلقت على بلداتٍ وأماكن تقع على الشريط الساحلي، وفي هذا دلالة واضحة على أن البحر المتوسط كان منذ القدم صلة الوصل بين شواطىء العالم المتمدن، وهذا أدى بدوره إلى ازدهار حضارات متلاحقة، تفاعلت فيما بينها، وتبادلت التأثير بسبب تشابه الظروف الطبيعية وسهولة الاتصال، وبتغير الأزمان والأحداث التي طالت المنطقة في القرون الماضية بقيت أسماء بعض هذه البلدات والأماكن على حالها وتغير بعضها الآخر، أو أضيفت إليه لواحق لفظية أو اجتُزأت منها بعض الحروف ، و”لعل اللغة التي تسمت بها الأمكنة في سورية هي أشد دلالة وأوضح برهاناً على الأحوال السابقة من الكتابة عينها، فالكتابات باللغة اللاتينية، وقس عليها اليونانية إنما تدل على أن تلك اللغة التي سادت هي المعوَّل عليها في الأحكام الشرعية وليست اللغة الشائعة بين الشعب ، وعلى عكس ذلك أسماء المواضع ، فإن الشعب لا يضعها إلا في لغة يفهم معناها ، فينتقي في لغته اسماً يطابق المسمى بدلالاته على مميزات ذلك المكان المأهول حديثاً ، وقد يتفق أن يَخْلُف شعبٌ شعباً آخر فيغير الاسم القديم باسم أحدث يدرك معناه ” ( كتاب : لغة السوريين لغات ، سمير عبده منشورات دار حسن ملص دمشق / ط1 2003 ) .

 

مدينة القدموس

مدينة القدموس

بانياس وقدموس

من المدن السورية التي أخذت اسمها من الأسطورة ” بانياس ” وهي مدينة ومرفأ على الساحل السوري القريب من طرطوس، وعلى بعد / 38 / كلم منها، يرجع تاريخها إلى أيام الكنعانيين، وكانت تابعة لمملكة أرواد الكنعانية، تطورت في العهدين اليوناني والروماني، واشتُهرت باسم (بالانيا) وبعده “بلنياس- أي الحمامات – أما اسمها الحالي فهو مأخوذ من ( بانياس) وهو الشاعر الأسطوري المعاصر لهوميروس منشد الإلياذة وربما كان أسبق منه، وبانياس كان أول من جمع أسطورة الإله الزراعي الممزق أدونيس الذي هو أوجه تنويعات ( أوزريس ) في مصرو(تموز) في وادي الرافدين و(ديونسيوس)عند الهيليين و(ديونسيوس زاجريوس) في كريت . وبالقرب من بانياس تقع مدينة (القدموس) السورية التي تمتاز بموقعها الطبيعي الجميل، فهي تقع في الوسط تقريباً بين مدينة بانياس، ومدينة مصياف وكلمة (قدموس) تعني في القاموس: القديم والملك العظيم الضخم و( القدموسة): الصخرة الضخمة وسُميت (قدموس) لأنها مدينة قديمة اكتشف بالقرب منها في جبل (القضبون ) مسلة الإله بعل البازلتية التي يعود تاريخها إلى القرن العاشر قبل الميلاد، وهي موجودة الآن في متحف طرطوس الذي يشغل الكاتدرائية القديمة وهناك روايات عدة عن سبب تسمية القدموس بهذا الاسم، فهناك من يقول أن بانيها ( قدموس) كان ملكاً ضخماً عظيماً، وفيها صخرة كبيرة عظيمة وطرق وصخور كبيرة و” يُقال أن ( قدموس ) هو الملك الفينيقي كنعان الذي ورد ذكره في الأساطير عندما ذهب إلى بلاد اليونان باحثاً عن شقيقته ( أوربا ) وبعد أن وصل إلى (بيوتي) أنشأ مدينة ( طيبة )شمال أثينا، وقام هناك بتعليم الناس أبجدية الكنعانيين واستمرت هذه الأبجدية مستعملة مع بعض التحوير وحاملة نفس التسميات الكنعانية القديمة ثم انتشرت هذه الأبجدية في جميع الكتابات الغربية بعد أن تبناها الرومان ” ( كتاب: الحضارة ماذا أعطت للغرب تأليف قتيبة الشهابي– الناشر غير معروف ) وقد عُثر على نقد برونزي من عهد الإمبراطور(غاليان ) يحمل في أحد وجهيه صورة ” قدموس” يعلم أهل طيبة الأحرف الأبجدية الفينيقية، وهذا النقد محفوظ حالياً في المكتبة الوطنية بباريس، وقد كتب (هيرودوت) في القرن الخامس قبل الميلاد أن الفينيقيين القادمين مع قدموس” ابن أجينور ” جلبوا إلى الإغريق معارف كثيرة ومنها الأحرف التي لم يكونوا يعرفونها .

 

البحث عن أوربا

صورة اوروبا شقيقة قدموس التي سُميت القارة باسمها

صورة اوروبا شقيقة قدموس التي سُميت القارة باسمها

قبل أن يقصد اللاجئون السوريون أوروبا هرباً من الحرب وبحثاً عن الأمان قصدها أجدادهم وبنوا فيها حضارات ومدن، وتورد الباحثة أديث هاملتون في كتابها (الميثولوجيا ) قصة قدموس الذي يمم شطر أوروبا بحثاً عن شقيقته التي سُميت القارة بأسمها:”عندما خطف الثور أوربا أرسل والدها إخوتها بحثاً عنها، وأمرهم أن لا يرجعوا ما لم يعثروا عليها، وهناك ذهب تواً إلى “دلفي” ليسأل (أبولو ) أين يجدونها فأخبره الإله بأن لا يتعبوا أنفسهم بالبحث عنها، بل أن يؤسسوا مدينة باسم قدموس قال أبولو إن عليه فور خروجه من ” دلفي “أن يتبع عجلة يراها في طريقه وأن يبني مدينة في المكان الذي تضطجع فيه لتستريح ، وبهذه الطريقة أُسسَّت طيبة والبلاد التي حولها وسميت (بلاد العجلة) وتقول الأسطورة إن ( قدموس ) قام بمصارعة التنين وقتله ، إذ كان يحرس النبع القريب، وكان يقتل أصحاب قدموس عند ورودهم الماء ، لم يكن قادراً وحده على بناء المدينة، ولكن بعد قتل التنين ظهرت أثينا له ، وطلبت منه أن يزرع الأرض بأضراس التنين ، فنفذ الفكرة من غير أن يعرف ماذا سينجم عن ذلك ، وقد دُهش عندما رأى رجالاً ينبثقون من الأخاديد، لم يأبهوا به، بل انقلبوا على بعضهم جرحاً وتقتيلاً إلى أن فُنيوا جميعاً، ولم يبق منهم غير خمسة هم الذين أصبحوا مساعدي قدموس ومعاونيه(كتاب الميثولوجيا ، أديث هاملتون ، ترجمة حنا عبود ، منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ط1 990 ) ومن أساطير وخرافات أوغاريت ( رأس شمرا ) على الساحل السوري قصة (عليان بعل) الذي أخذت بلدة (بيت عليان) الساحلية اسمه، وهو أهم لقلب لبعل اله الأمطار والصواعق، تقول الأسطورة أنه انتصر على التنين واستقر في قصر ملكي ، ثم شن حرباً على الموت ( mot -سيد العالم السفلي– بعد أن قتل على يد أعدائه، وتحت قيض الصيف نزل “عليان” إلى المناطق السفلى التي ترمز كما هو الحال في موضوع تموز إلى موت النبات وجفاف الأرض، عند ذلك قامت زوجته (عنات الآلهة ) بالبحث عنه حتى قابلت “موت” الذي تظاهر بالجهل، فأخذت بتلابيبه وقطعت جسده بمنجل مقدس، وذرته، وأحرقته بعد أن شنّ معارك عديدة على الكثير من الآلهة، ولكن “موت” يبعث هو الآخر فتنذره الآلهة الشمس بالاستسلام وتقلب عرش موت وتحرق صولجان سيطرته، فيضطر للاستسلام والاعتراف بسلطة بعل فيتوقف الجفاف وتعود الخصوبة إلى الأرض .

ينبوع اريتوزا

( اريتوزا ) هو الاسم الأسطوري لمدينة الرستن وهي إحدى المدن الأربع الرئيسية التي أسسها السلوقيون ( 213- 64 ق.م ) واكتسبت أهمية استراتيجية خاصة لوقوعها على الطريق الوحيد للقوافل التجارية، وكانت محطة للحجاج بين اسطنبول ومكة المكرمة وقاعد للأمراء العرب في القرن الأول الميلادي، حيث تبوأت زمن أسرة شمس غرام – رئيس أحبار هيكل الشمس مكانة خاصة – .

جانب من تابوت اثري في الرستن نحتت عليه معركة طروادة

جانب من تابوت اثري في الرستن نحتت عليه معركة طروادة

وتقول الأسطورة انه في ( أورتيجا ) جزيرة تشكل قسما من ” سيراكوز ” مدينة صقلية الكبرى – كان هناك ينبوع مقدس يسمى أريتوزا، ولكن في يوم من الأيام لم يكن اريتوزا ماء ، ولا حورية ماء، وإنما كان صيادة شابة جميلة مثل زهرة ارتميس، ومثل سيدتها لم يكن لها شأن مع الرجال، ومثلها أيضا أحبت الصيد وحرية الغابات، في أحد الأيام، وهي متعبة ظمأى من الصيد والطراد وصلت إلى نبع صاف كاللبلور تظلله وتحنو عليه أشجار الصفصاف الفضية، لا يمكن تصور مكان للاستجمام أفضل من هذا، فتعرَّت ( أريتوزا ) ونزلت في المياه العذبة الباردة، سبحت بتراخٍ لفترة جيئةً وذهاباً، في سكينة مطلقة، وعندئذ شعرت بشيء يثير الأعماق تحتها، جزعت وهرعت إلى الضفة، عندما فعلت هذا سمعت صوتاً يقول: “لماذا هربت يا أجمل حورية؟” ومن دون أن تنظر خلفها فرَّت بعيداً عن الينبوع إلى الغابات راكضة بأقصى سرعتها التي يزيدها الخوف، إنها في طراد ويطاردها من هو أقوى منها، إن لم يكن أسرع، دعاها هذا المجهول أن تقف، قال لها إنه إله النهر ( ألفيوس ) وأنه يطاردها لأنه يحبها، لم تعرْه أذناً، همها الوحيد النجاة هرباً، كان السباق طويلاً، لكن النتيجة لا يساورها الشك، إنه يستطيع متابعة الركض أكثر منها، ولما أصاب (أريتوزا ) التعب نادت ربتها، ولم يكن ذلك عبثاً، إذ حولتها ( أرتميس) إلى ينبوع ماء يحفر في الأرض ، حتى حفر نفقاً تحت البحر من اليونان إلى صقلية وغاصت أريتوزا، وظهرت في ( أورتيجا ) حيث يتفجر ماء ينبوعها، وهو مكان مقدس تُعبد فيه ( أرتيميس ) ( مصدر سابق ).

  • Social Links:

Leave a Reply