صنع بشر أم صنع جن ! معلولا … مملكة السحر والأسطورة ..

صنع بشر أم صنع جن ! معلولا … مملكة السحر والأسطورة ..

بقلم : خالد عواد الأحمد

 

15218331_724510301040047_1173332681_nعلى بعد 57 كم إلى الشمال الشرقي من دمشق وبعد تسلق 150كم من الهضاب الكلسية العالية عبر الطريق العام أولاً ثم عبر طريق كلسي مغبر صغير يرى الزائر سفح سلسلة من الجروف التي يبلغ ارتفاعها 1600 م عن سطح البحر دون أن يلمح شجرة واحدة وحدها الكروم المعترشة المتناثرة هنا وهناك تضفي شيئاً من الحياة على هذه اللوحة الطبيعية الغارقة في نور الشمس وفجأة ينتصب تل كبير ينفرج شيئاً فشيئاً ليصبح وادياً منخفضاً يمتد في التربة الكثيرة الحصى فتظهر للعيان مساحات خضراء واسعة عندها تظهر بلدة معلولا الساحرة التي تبدو بيوتها كقفير نحل في مشهد جمالي لا مثيل له في العالم .. عشرات من البيوت تبدو من بعيد كمكعبات مبنية على بعضها البعض متمسكة بنتوءات الجرف متدرجة حتى أسفل جنب عمودي وفي خلفية اللوحة– الحلم يبرز الملاط الأصفر أو الأزرق في الغالب البنفسجي أحياناً على اللون المغري للصخر المتصدع ذي الأخاديد القاتمة ، كما تبرز نوافذ وفتحات صغيرة وأروقة ترتكز على عضادات خشبية نحيلة كبقع سوداء وسط هذا التشكيل الغريب التكوين الذي يبدو وكأنه رسم خصيصاً بريشة أحد الفنانين التكعيبيين .

15174530_724510754373335_1111999463_n

 

تحدث عنها القدماء والمعاصرون من مؤرخين وجغرافيين وزارها الرحالة والحجاج وأفواج السياح وتغنى بها الشعراء وخلدها المصورون وذهب الباحثون في سبب تسميتها– معلولا– مذاهب شتى فمنهم من قال أنها سميت بذلك للطافة هوائها “العليل” وهناك من قال أن لفظ (معلولي) يفيد في المعاجم السريانية معنى (المضيق) وذلك لضيق الطريق المؤدية إليها أو معنى (المدخل) .

ويخبرنا التاريخ أن عمر معلولا يعود إلى 30 ألف سنة مضت ومما يدل على ذلك اكتشاف آثار لإنسان العصور الحجرية فيها وتمثل هذه الآثار أدوات صوانية، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن معلولا استُوطنت منذ تلك العصور الساحقة في القدم حيث توافرت أهم شروط الحياة البشرية كالماء والغذاء والملجأ الصخري والبلدة متشبثة بالصخور حتى ارتفاع 1612 م فوق سطح البحر وتحيط بها مغاور أثرية حفرت أونُقرت في عمق الصخور الصلبة بأشكال هندسية بارعة، وكانت هذه المغاور إما مساكن لبشرعاشوا في هذه المنطقة أو مقابر لعائلات حاكمة أو معابد وثنية كان الناس يمارسون فيها طقوسهم الدينية ، وقد عاش هؤلاء الناس قرب نبع عذب يجري ماؤه في جدول إلى أسفل البلدة ليروي الأراضي المنبسطة أسفل المنحدر في جنوب شرقي البلدة وقد أوحت أشكال الصخور المنتشرة في كل مكان من معلولا لأبناء البلدة القدامى والحديثين على حد 15211627_724510471040030_1369279262_nسواء بمختلف الأفكار الخيالية والقصص الميثولوجية ، ويُخيل لمن يعبر المضيق الجبلي العميق ليصل إلى معلولا وكأنه يجتاز مملكة السحر والأسطورة أو كأنه يعيش قصة من قصص ألف ليلة وليلة، ويبدو الخيال نفسه فيها طبيعياً وهذا ما دعى الشاعر البحتري لأن يقول فيها :

لست تدري أصُنع أنسٍ لجنٍّ تركوه أم صنع جنٍ لأنس

مــتــحــف حــــي ..

من يتجول في أزقة معلولا وأوابدها وبيوتها المتعمشقة على خاصرة الجبل يخيل إليه وكأن هذه المدينة هي متحف حي مفتوح يقدم صورة حية عن طريقة حياة وسكن الإنسان القديم ويؤكد المؤرخون أن هذه المنطقة مع كهوف يبرود المجاورة هي أحد أماكن السكن الأول للإنسان القديم .

 

15151104_724510311040046_1506643973_n

في العهد الآرامي كانت معلولا تتبع مملكة حمص حتى العهد الروماني الذي سميت فيه باسم (سليوكوبوليس) وبقيت كذلك حتى العهد البيزنطي حيث لعبت دوراً دينياً هاماً عندما أصبحت في بداية القرن الرابع الميلادي مركزاً لأسقفية استمرت حتى القرن التاسع عشر الميلادي حيث ضمت أبرشية حمص ويبرود ولذلك كان من الطبيعي أن يكون لمعلولا أساطيرها الطريفة وحكاياتها المشوقة الغارقة في الزمن والتي تدور حول مبانيها وصخورها ومياهها ومعالمها وسكانها ومن أهمها تلك المرتبطة بقصة بناء دير (مار سركيس) ودير (مار تقلا) وكنيسة (التوبة) وقصة (الفج الصخري) العجيب المرتبط باسم الفتاة تقلا تلميذة القديس بولص التي حمل الدير اسمها ويعتبر من أهم وأقدم الأديرة في العالم ويقع هذا الدير شرقي معلولا و هو يعتبر من اشهر اديرة القلمون مما يميزه وجود مغارة يرشح الماء من سقفها الصخري الطبيعي وقد أوحت هذه المغارة للأجيال المتعاقبة بقصص عجائبية متعلقة بخصائص مائها الراشح في الشفاء من الأمراض وبجانب مار تقلا إلى اليسار يفضي درب صغير إلى شق ضيق يلمس الزائر جوانبه بيديه وقد تشكل هذا الشق بفعل سيلان مياه الهضبة وكان هذا الشق الضيق المسمى (الفج) المنفذ الوحيد لدير مار سركيس وينصح المرشدون الزوار بعدم التوغل فيه خصوصاً إذا كان الجوعاصفاً أو ممطراً .

15218650_724510707706673_1629190999_n

لــغــة الــسـيـــد الــمـــسـيـــح (ع) ..

في أسفل بلدة معلولا تنتصب مئذنة مسجدها المربعة الشكل ولكن سكان هذه البلدة بمعظمهم من طائفة الروم الكاثوليك وهم يتكلمون مع بعضهم البعض واحدة من أقدم اللغات في العالم وهي اللغة السريانية التي يسميها فقهاء اللغة (الآرامية الغربية) وهي لغة قديمة في الشرق الأدنى كانت محكية منذ أكثر من 3500 سنة وهذه اللغة هي لغة السيد المسيح عليه السلام وفيها دُوِّن كتابان من التوراة لدانيال وعزرا ويشارك معلولا في هذه اللغة قريتا جبعدين وبخعة وتعتبر هذه البلدات هي الوحيدة في العالم التي حافظت على إرث الآراميين وخلدت لغتهم الأم آلاف السنين . وقد اكتشف هذه اللغة السريانية الخاصة مصري وهو الأنبا (مخايل القبطي) مطران دمياط في القرن الثاني عشر وأكد ذلك (سعد الله بن جرجس بن مسعود) في مخطوطه الوحيد (الكنائس والديارات) وجاء في المخطوطة التي حصل عليها المؤرخ السوري (حبيب الزيات) حرفياً “وجدت بخط أنبا مخايل مطران دمياط في الثاني والعشرين من برمودة سنة تسعمائة كنائسية (17 نيسان 1184) نصاً يتضمن أن شرقي دمشق على مسيرة نصف وربع نهار بلدة يقال لها معلولا لسان أهلها سرياني”.

 

15151391_724510507706693_253724697_n

وأثارت هذه اللغة القديمة اهتمام الرحالة الغربيين فقد قال (نيبوهر) في كتابه (رحلة إلى البلاد العربية عام 1779 حرفياً “حسبما بلغني بدمشق لا يزال في ولاية الباشا بعض الضياع التي أهلها لا يتكلمون إلا بالسريانية” كما ذكر ذلك فولني في كتابه (رحلة في سورية ومصر ) عام 1787 ودرس الموضوع أيضاً العالم الألماني (كارل ريتر) الذي قال عنها “وفي هذا القسم وحده من سورية حفظت اللغة السريانية لهجة بلدية في بعض القرى الجبلية ومنها معلولا”. ويُرجع الباحثون احتفاظ معلولا وجبعدين وبخعة (الصرخة) بلغة السيد المسيح إلى اليوم إلى ارتفاع هذه البلدات ووعورتها وانعزالها طوال قرون ماضية وعدم اختلاطها بغيرها من اللغات وقد لفت ذلك أنظار الباحثين الأوربيين فقام بعضهم بزيارة معلولا ودراسة لغتها وتأليف كتب في صرفها ونحوها ومفرداتها ونصوصها.

  • Social Links:

Leave a Reply