الخيال فيها قبعة الصحراء .. تدمر .. لؤلؤة تغتسل بوهج الشمس ..

الخيال فيها قبعة الصحراء .. تدمر .. لؤلؤة تغتسل بوهج الشمس ..

بقلم : خالد عواد الأحمد

15665980_741272916030452_202206296_nعلى مبعدة 240 كم من العاصمة السورية تقع أطلال تدمر، واحة النخيل وعروس الصحراء تلك الحاضرة الرائعة التي تتوسط قلب البادية السورية، وتشكل نقطة من أبرز نقاط التجارة الدولية القديمة بين الشرق والغرب على الطريق المتعارف على تسميته بطريق الحرير وكان موقع هذه المملكة منذ أقدم الأزمنة ملائماً جداً لقيام تجمعات بشرية مهمة، فقد دلت التحريات والتنقيبات التي أجريت على تجمع الناس حول هذه الواحة منذ العصر الحجري القديم( الباليولتيك) ففي الملاجىء الصخرية المجاورة كجرف العجلة وثنية البيضاء وكهوف الدوارة ومنطقة الكوم وجدت الكثير من البقايا العضوية والصناعية الحجرية “موستيرية ” و”لالفلوازية ” كما يرجح علماء الآثار بأن العصر الحجري الحديث (النيولتيك ) نحو الألف السابع قبل الميلاد قد شهد أول مساكن أقامها الإنسان في تلك المنطقة.

15644502_741274526030291_1548138305_nيرجع أقدم ذكر لتدمر إلى القرن العشرين قبل الميلاد مقترناً بذكر أحد التدمريين “وكانوا آنئذ من الآموريين أو إخوانهم الكنعانيين على الأرجح ) في أحد الرُقم الآشورية القديمة المكتشفة في منطقة كبادوكيا في الأناضول ( موقع كولبته كانيش ) والنص يذكر( بوزرالتدمري ) تدمريم” -كما يقول الباحثان عدنان البني وخالد الأسعد في كتابهما_ تدمر أثرياً – تاريخياً– سياحياً) وذُكر التدمريون ومدينتهم تدمر بعد ذلك في رُقمين من مدينة ماري ( تل حريري على الفرات) يعودان إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وذكرت تدمر كذلك في رقيم كشف منذ سنوات في مسكنة ايمار على الفرات في نص يعود إلى القرن الرابع عشر أو الثالث عشر قبل الميلاد وفيه أول طبعة ختم تدمري معروفة حتى الآن، ونوهت بتدمر حوليات الملك الآشوري تفلات فلاصر الأول ( القرن الحادي عشر قبل الميلاد ) وعلى أية حال يرد بعض العلماء اسم تدمر إلى زمن أقدم من هجرات شعوب الجزيرة العربية دون دليل كما حاول آخرون تقريبه من التمر مستندين إلى أن اسم Palmyra الذي عرفت به في المصادر الكلاسيكية قد يكون مشتقاً من النخيل palm وهو شجر التمر وقد اشتق المتنبي اسم تدمر اشتقاقاً بديعياً من الدمارعندما قال :

وليس بغير تدمر مستغاث                       وتدمر كاسمها لهم دمار

وقال النابغة الذبياني فيها :

وخيس الجن أني قد أذنت لهم                يبنون تدمر بالصفاح والعمد

15645185_741276562696754_2102804687_n

لا تثير مدينة تدمر الحديثة المتوضعة إلى الشرق من الأطلال في نفس القادم شيئا خاصاً فتلك العمارات الحديثة نصف المكتملة المنتشرة بصورة عشوائية في كل مكان توحي بحالة ازدياد السكان في تدمر ازديادا كبيرا وفي الوقت نفسه فالبناء شبه الفوضوي فيها يؤكد غياب حس مديني لدى سكانها أبناء تدمر المعاصرين الذين ورثوا أعظم نموذج للعمارة الأصيلة في الشرق القديم هندسة وتنظيماً وأبهة وقوة … إلا أن منظر الأوابد الأثرية الرائعة التي تقبل جبهة الشمس وتلتمع كألماسة ثمينة وسط هذه الصحراء المترامية الأطراف تخفف كثيراً من تلك الانطباعات الأولى، ألم يقل (غاستون باشلار) في كتابه جمالية المكان: “إن الانطباع الأول عن العالم والأشياء مضلل على الدوام” ، تلك الأوابد تشيع في نفس الزائر شلالاً من المناخات الأسطورية وتبدو أعمدتها وأقواسها ومدافنها وحجارتها الضخمة الملقاة على طول الشارع المستقيم وكأنها سيمفونية جميلة متناسقة قُدت مفاتيحها وحركاتها الإيقاعية ومدارجها وآلالاتها وعازفوها من الصخر الوردي، ففي الصحراء لا تملك إلا أن تتخيل، ألم يقل أحدهم (الخيال قبعة الصحراء).

15666329_741274956030248_2094438540_nتخطيط شطرنجي ..

يبدو تخطيط مدينة تدمر صورة طبق الأصل عن تخطيط المدن السورية في العصرين الهيلينستي والروماني ، وهذه الأسس تقوم على التخطيط الشطرنجي القديم أو تقسم المدينة إلى شارعين متقاطعين تتفرع عنهما شوارع فرعية متعامدة مع الشارعين الرئيسيين بزوايا قائمة ، وتتشكل بين الشوارع الفرعية جزر واسعة تستخدم لبناء أهم المباني الرسمية والمعابد وتتقاطع الشوارع الرئيسية مع الفرعية مشكلة ما يشبه رقعة الشطرنج، و”هذا الأسلوب في التخطيط يعود بجذوره إلى الحضارة البابلية إذ نتعرف من خلال الوصف الذي وضعه المؤرخ الإغريقي هيرودوت لمدينة بابل أن هذه المدينة كانت منظمة وفق هذا الأسلوب” ( المصدر: كتاب تاريخ العمارة – العمارة الكلاسيكية، تأليف د. عبد المعطي خضر) ومدينة تدمر تضم شارعاً رئيسياً يؤدي إلى المباني الهامة مثل المسرح والميدان العام ( الآغورا ) ومعبد بعل شمين ويحف بالشارع من جانبيه رواق محمول على أعمدة ذات تيجان كورنثية وخلفه تنتشر المحلات العامة على جانبي الشارع أما الرواق فيتظلل به الناس من حرارة الشمس وهطول المطر.

15645648_741274459363631_270880843_n

قبل الدخول إلى الشارع الطويل أو (المستقيم) يمر الزائر من تحت قوس النصر الذي يتألف من مدخل رئيسي ومدخلين فرعيين والمداخل الثلاثة معقودة ولكن أوسعها وأكثرها ارتفاعاً المدخل الأوسط الرئيسي، ويعلو قوس النصر تتويجة حجرية على شكل شبه منحرف استخدمها المعمار لتحقيق فكرته في المحافظة على استقامة الشارع الرئيسي بعد ربطه بمعبد بل الضخم ، كما زين المعمار القوس بحليات زخرفية رائعة جعلت منه قطعة معمارية وفنية تتوج الشارع وتخلق الإحساس بجمال الشارع وروعته، وتنتشر المباني والمنشآت المعمارية في مدينة تدمر القديمة على رقعة مساحتها حوالي 6 كيلومترات مربعة وتأخذ المعابد والمدافن إضافة إلى المسرح والشارع الرئيسي الأهمية الأولى بين المباني التي يقصدها الزوار والسياح .

ومن المنشآت الهامة في تدمر( معبد بل) الذي كان يسمى خطأ في المراجع القديمة باسم هيكل الشمس . شيد هذا المعبد فوق تل ركامي على أنقاض معبد آخر يعود للعهد الهيلينستي في جوف التل وتحت أنقاض المعبد الأقدم معالم أثرية تعود للألف الثاني قبل الميلاد كُشف بعضها على عمق ستة أمتار من السطح الحالي .

وكان هذا المعبد مكرَّسا للرب “بل” بصورة أساسية وكذلك للثالوث الذي يضم الرب “بل” ويرحبول “رب الشمس” وعجلبول”رب القمر” كما أنه كان يعتبر مقراً لمجمع الأرباب التدمريين، وهناك (معبد نبو) الذي يقع غربي قوس النصر في بداية الشارع الرئيسي وقد بني هذا المعبد في القرن الأول الميلادي ويتشابه بناؤه مع باقي المعابد في بلاد الشام ( سورية ) فهو عبارة عن سور خارجي داخله باحة وفي وسطه حرم ، السور الخارجي له شكل شبه منحرف غير منتظم، ومن أقسام المعبد الحرم وهو مبني على قاعدة مرتفعة يحيط به رواق محمول على أعمدة كورنثية عددها 32 عموداً ويتم الدخول إلى الحرم بدرج عريض، وفي صدر الحرم بقايا محراب لتمثال الإله الذي كان يعبد فيه، وبجانب هذه البقايا فتحة تدل على وجود درج يصعد عبره إلى السطح كما هو الحال في معبد بل كما أن الجدران الخارجية للحرم كانت تزينها الشرافات المسننة .

15673563_741276516030092_1243693952_n

ومن المعابد التدمرية الأخرى معبد بعلشمين الذي يقع في الحي الشمالي لمدينة تدمر القديمة ويعود بناؤه إلى القرن الثاني الميلادي فوق أنقاض معبد أقدم كما هو شأن معبد بل وتتألف أطلال المعبد من حرم ” سيلا ” وباحتين شمالية وجنوبية بهما أروقة وأمام الحرم عتبة تحمل ستة أعمدة وجبهة مثلثة وعلى حاملة العمود الثاني كتابة تدمرية مؤرخة عام 130 / 131 م تذكر أن : ماليء بن يرحاي ( الذي نظم استقبال الإمبراطور هادريان عند زيارته واستضافه في تدمر عام 129 م ) قد أقام هذا الحرم لبعلشمين ( سيد السموات وإله المطر والخصب في تدمر. وهناك معابد أخرى اقل أهمية كمعبد اللات و عبد بلحمون و مناة و عبد أرصو.

أما مسرح تدمر الذي يُعد من أهم معالم المدينة الأثرية فستكون لنا وقفة في مقالة لاحقة ..

  • Social Links:

Leave a Reply