جـولــــة فــي مــــخ الـقـنــاص :

جـولــــة فــي مــــخ الـقـنــاص :

بقلم : عمران كيالي 

تعال معي، دعنا نسير قليلا بهذا الإتجاه، انظر إلى هذا الصدأ إلى يمينك، يميل لونه إلى البني و الأسود معا، انظر هنا إلى هذا العفن الأخضر الغامق، جميع الخلايا التي أمامنا تشبه كتلا من المخاط الدبق اللزج، بداخل كل كتلة نقطة سوداء … دعنا من هذا الدرب المقرف، ربما الدرب الثاني أفضل منه، خذ اليمين، لنر، ألا تشم هذا؟ إنه شيء يجرح الأنف، و كأنه طبقات من الروائح اليابسة المكدسة فوق بعضها، يا إلهي، ما الذي يجبرنا على الدخول هنا ؟ هذا الفضول فينا يقتلنا، كما تفعل هذه الروائح تماما، ربما هي صادرة عن هذه الخلايا المتعفنة، ألا تذكرك برائحة مومياء الفراعنة عندما كشفوا عنها ؟… تابع معي، كل هذا الإشمئزاز الذي أصابنا سببه روح ميتة نحن فيها، لا تدع منظر هذه الخلايا يغشك، أنها خلايا فيزيائية، أي أنها خالية من المشاعر. غاز النشادر و حمض البول و أنواع من الروث اجتمعت فيها و شكلت جوقة من القرف و الخبث و الصديد، لن تجد هنا أثرا بشريا، بل سلاسل صدئة من الحقد و اللؤم و الكراهية … لا، لا تنظر إلى هذه الجهة، فالخلايا فيها تغتصب بعضها البعض بنهم و شراهة، رباه، ما الذي يحدث ؟ عائلة كاملة تفتك بنفسها دون رحمة، أراهن على أن أفرادها من نسل الأبالسة … هيا بنا نأخذ اتجاه اليسار هذه المرة، قد تكون خلاياه أقل قسوة، ثم دعنا نقفز معا إلى المخيخ … ما زالت هذه الروائح اللعينة تؤذي أنفك، أليس كذلك ؟ يبدو أننا أمام حالة من البراز المتراكم منذ أيام حرب البسوس، ربما هي مزيج من الجثث المتفسخة مع مياه مستنقع آسن و أفكار عنصرية حاقدة و قيح وفير … ها قد وصلنا أخيرا إلى المخيخ، هل سيكون إستقباله لنا أفضل ؟ لنر، أمامنا سواد أسود برائحة نافذة تثقب الرأس و تلتصق بالذاكرة، مخزنة هنا منذ آلاف السنين، ربما من عصر الديناصورات. لا تجزع، إصبر قليلا، سنغادر فورا هذه الأماكن الموبوءة و المسكونة بالشر و القبح، إن مضيفنا لا يعرف شيئا عن النظافة و الطيبة و اللباقة، إنه كائن فيزيائي أحقر من الروبوت، كل مفرداته أتت من قاموس القتل و الإغتصاب و القذارة و المسميات النتنة الأخرى، و لا يشعر بالسعادة و النشوة إلا في لحظة ضغطه على الزناد … رجائي منك، و نحن نغادر، أن لا تروي ما جرى في جولتنا هذه لأحد من الأهل و الأصدقاء، فلا نريد لهم أن تتعكر ذاكرتهم بقباحة و رداءة الجانب المظلم من الإنسان

  • Social Links:

Leave a Reply