حين يجلس المرء مع نفسه يفكر بالسنوات التي ذهبت من عمره وهو يعمل مخلصاً في الثورة، هل أخطأنا حين تركنا دراستنا ومستقبلنا وأعمالنا وتفرغنا نهائياً لنصرة الثورة، بينما كان غيرنا يدرس ويعمل ويجمع الأموال؟! هل كنا أغبياء حين شاركنا في الثورة وكان هو شخصاً ذكياً حين أكمل دراسته؟ هل دمرنا مستقبلنا بخروجنا في الثورة ومقاطعتنا للدراسة ؟
ليس خافياً أحد أن جميع الشباب الذين خرجوا في الثورة توقفت دراستهم وتجمد مستقبلهم، وحين اضطروا للخروج من سورية إلى دور الجوار أتتهم الصدمة من الواقع، فجميع المؤسسات التي وجدت بعد انطلاقة الثورة بدعم وتبعية خارجية لم تحترم تاريخهم ونضالهم، ولم تأخذ بعين الاعتبار تضحياتهم، فمثلاً حين يتقدم المرء لوظيفة ما في أحدى هذه المؤسسات فإنها تطلب عدة شهادات وخبرات لا يمكن للشاب الثائر أن يمتلكها، فهو ضحى بدراسته في سبيل التفرغ للعمل الثوري والملاحقات الأمنية، ومن يمتلكها لم يشارك بأعمال الثورة على الأغلب، بل تفرغ للدراسة واستطاع الحصول على هذه الشهادات والخبرات المطلوبة بسبب ابتعاده عن العمل الثوري وتفرغه للدراسة.
وعلى صعيد التجربة الشخصية فقد التقيت منذ فترة ليست بالبعيدة بشخصِ أتِ من سوريا، وكنت سعيداً بلقائه والجلوس معه، فهو قادم جديد من بلدي الذي أحبه وأعشقه ويحمل رائحة هذا البلد الذي نفيت منه، وبدأنا الدردشة عن سوريا والأوضاع المعيشية الحالية، وفوجئت حين سألته عن سبب خروجه من الوطن، بجوابه، فهو لم يخرج بسبب الثورة أو الملاحقة الأمنية أو القصف، إنما خرج خوفاً من استدعائه للخدمة العسكرية في قوات النظام، وأخبرني أنه لم يشارك بأي عمل سواء أكان عملاً إنسانياً أو ثورياً خلال السنوات الخمس التي مضت، وبعد النقاش معه علمت أنه من رمادي سوريا أو كما أسميهم (جماعة الله يطفيها بنوره .. نحنا ما دخلنا بشيء)، وقد تخرج حديثاً من فرع الجامعة الذي كان يدرس به، وأكد لي أنه وجد عملاً في منظمة ما من المنظمات التي ظهرت بعد انطلاقة الثورة السورية، وتذكرت أن لي صديقاً تقدم بوظيفة في نفس هذه المنظمة ولم يستطع الحصول عليها رغم دراسته لعامين في الجامعة بالمجال الذي تقدم للعمل به، لأنه لا يحمل شهادة جامعية في هذا المجال كونه ترك الدراسة منذ السنة الثانية في الكلية بسبب المشاركة بأنشطة الثورة والملاحقة الامنية.
القضية واضحة، شخص اضطر لترك كليته ودراسته الجامعية في السنة الثانية بسبب مشاركته بأنشطة الثورة، وقدم الغالي والنفيس في سبيل هذه الثورة، لم يستطع الحصول على وظيفة في منظمة وجدت بسبب الثورة، وشخص رمادي لم يشارك في أي نشاط ثوري ووظف في هذه المنظمة لأنه استطاع اكمال دراسته الجامعية وجد عملاً في هذه المنظمة على حساب من قدم للثورة الغالي والرخيص وأهم ما هو في حياته (مستقبله) و(دراسته)..
فهل بدأت الثورة في أكل أبنائها، ومن ساعدها على النهوض من الظلام إلى النور، أم فترة وتمر، وهل نحن مظلومين أو مخطئين؟ تبقى هذه التساؤلات تدور في عقل أي سوري ثار ضد الظلم وطالب بالحرية لجميع السوريين، وإلى الآن هو بلا عمل، وبلا مستقبل، ولا يملك حتى حاضراً يهيئ له الحياة الكريمة.
طبعاً من حق المنظمات والمؤسسات أن تعين أصحاب الخبرات والشهادات .. ولكن يجب عليها أن تأخذ بعين الاعتبار ظروف الشباب الثائر وأنهم لم يكملوا الدراسة بسبب الملاحقة الأمنية وبسبب نشاطهم الثوري، وأن تحاول تأهيلهم للعمل.
ولكن بالرغم من كل هذا فقد كسبنا حريتنا وكرامتنا، وأمجاداً نقصها على أحفادنا في المستقبل، ونعتز بهذه القصص كوننا جزء منها القصص .. أما الرمادي فلم يروث أحفاده إلا الجبن وقصص العار، فعندما يسألوه ماذا قدمت للثورة؟ سيحني رأسه آسفاً ويقول لم أقدم شيء.


Social Links: