ملفات الأسد …..

ملفات الأسد …..

عن يونادم يونادم:

عملية انقاذ الوثائق شديدة السرية التي تربط نظام الأسد بالتعذيب والقتل الجماعي

1-3

لقد قام ذلك المحقق بنفس الرحلة مئات المرات، ودائًما في نفس الشاحنة البالية التي لم تكن تحمل أي بضائع أبًدا. كانت الحدود على بعد أربعين ميًلا يعبر خلالها 11 حاجز تفتيش أمني في المناطق الخاضعة للثوار٬ حيث كان الجنود يعتبرون أنه أحد السكان المحليين، لقد جلب له سوء حظه كمحام في الحرب، كل هذا التنقًل على الطرقات التي تمر في تلك المنطقة، كان يجلب معه أحياناً الوجبات الخفيفة والمياه، وكان يحرص على ان يشكرهم لحماية المدنيين من أمثاله. أما في رحلته هذه التي يقوم بها بعد ظهر هذا اليوم الصيفي فقد حمّل شاحنته بأكثر من 100,000 وثيقة حكومية سورية تم الاستيلاء عليها كان قد جرى دفنها في حفر وإخفاؤها في كهوف وبيوت مهجورة.

 

انطلق مع الغروب، وبالنسبة للمقاتلين الذي يحرسون الحاجز كان بمثابة شخص مجهول لم يراه أحد. ها قد مرت أمامه حتى الآن ثلاث مركبات استطلاع وأكدت إحداها عبر الراديو ما كان المحقق يتلهف لسماعه: لا نقاط تفتيش بعد. كالعادة كانت الحدود مغلقة ولكن الجنود من الدولة المجاورة سمحوا له بالمرور. تابع الرحلة بشاحنته حتى وصل أخيراً الى موقع احدى السفارات الغربية حيث أوصل البضاعة بأمان إلى محامٍ أمريكي يدعى (كريس إنجلز) الذي كان يتوقع أن تتضمن الأوراق أدلة تربط مسؤولين سوريين كباًر بارتكاب جرائم جماعية. بعد قيامه، ولمدة تزيد عن عقد من الزمن، ، بتدريب عناصر سيمارسون في المستقبل مهمة (القضاء الجنائي) في دول البلقان وأفغانستان وكمبوديا، ها هو اليوم يقود وحدة تعقب جرائم النظام ضمن (لجنة العدالة والمساءلة الدولية – the Commission for International Justice and Accountability) وهي جهة تحقيق مستقلة أسُست في 2012 كرد على الحرب السورية.

 

قام العاملون في (لجنة العدالة) خلال السنوات الأربع الماضية بتهريب أكثر من 600,000 وثيقة حكومية خارج سورية ٬ والكثير منها تسرب من داخل منشآت استخباراتية شديدة السرية. كانت يتم جلب شحنة الأوراق إلى مقر المجموعة في إحدى الدول الغربية ٬ وأحياناً تحت غطاء دبلوماسي، حيث يتم هناك مسح كل ورقة ضوئياًّ وتحديد (بار كود) ورقم خاص بها وتخزينها تحت الأرض. ويوجد داخل غرفة الأدلة جهاز مزيل الرطوبة والذي يصدر طنيناً من أجل التنبيه، كما يوجد خارج الغرفة مباشرة صندوق صغير به سم فئران.

 

في أعلى الغرفة المجهزة بباب معدني والتي تغطي جدرانها خرائط لقرى سورية ولوائح تتضمّن الأدوار التي قام بها متهمون عديدون في الحكومة السورية ، وكانت أقوال الشهود والوثائق المترجمة تملأ عشرات الملفات الموضوعة داخل خزانة مضادة للحريق تبقى مغلقة أثناء الليل. يقوم (إنجلز) البالغ من العمر واحًدا وأربعين عاًماً، الأصلع الرياضي وصاحب السلوك المتحفظ، بالاشراف على العملية ٬ ويرفع المحللون والمترجمون تقاريرهم إليه مباشرة. لقد توج عمل لجنة العدالة مؤخًرا بمذكرة قانونية تبلغ 400 صفحة تربط التعذيب والقتل الممنهج لعشرات الآلاف من السوريين بسياسة موثقة ومدونة ووافق عليها الرئيس بشار الأسد، ويجري تنسيق العمليات والاجراءات بين الأجهزة الأمنيه والاستخباراتية ٬ ويطبقها عملاء النظام الذين يرفعون تقاريرهم عن مدى نجاح حملاتهم إلى رؤسائهم في دمشق. تسرد المذكرة الأحداث اليومية في سورية عبر عيون الأسد وشركائه وضحاياهم ٬ وتقدم سجًّلا للتعذيب المدعوم من الدولة يكاد لا يصدق في مداه وقسوته. لقد تكلم الناجون من السجون قبل ذلك عن القتل وأعمال التعذيب والاحتجاز غير الإنساني في سورية ٬ ولكن لم يتم حتى الآن تتبع ذلك إلى أوامر جرى التوقيع عليها بشكل رسمي على المستوى الرئاسي. (ستيفن راب- Stephen Rapp) الذي قاد فرق الادعاء في المحاكم الجنائية الدولية في رواندا وسيراليون قبل أن يخدم لست سنوات كسفير الولايات المتحدة لقضايا جرائم الحرب قال لي إن توثيق لجنة العدالة “أغنى بكثير من أي شيء رأيته وأي شيء قمت فيه كممثل للادعاء في هذا المجال”.

 

هذه القضية هي أول تحقيق دولي حول جرائم حرب تقوم به وكالة مستقلة مثل (لجنة العدالة والمساءلة الدولية) والتي تمولها عدة حكومات.

 

ان مؤسس لجنة العدالة (بيل ويلي – Bill Wiley) هو محقق كندي متخصص في جرائم الحرب وعمل مع عدة محاكم دولية بارزة وأصابه الإحباط بعد ان اصطدم بكثرة الصعوبات والعراقيل والخطوط الحمراء الجيوسياسية التي تقف في طريق السعي لتحقيق العدالة. ولكون عملية جمع الأدلة وترتيبها وتصنيفها الى مجموعة قضايا هي عملية تنفيذية صرفه، لذا فقد توصل إلى استنتاج منطقي يقول إنه من الممكن السير في القضية والقيام بها حتى قبل ان توجود الإرادة السياسية لتنفيذها حالياً.

 

مجلس الأمن في الأمم المتحدة هو وحده القادر على إحالة الأزمة في سورية إلى (المحكمة الجنائية الدولية): في مايو 2014 اعترضت كل من روسيا والصين على مشروع قرار كان سيعطي المحكمة الجنائية الدولية السلطة القضائية للنظر في جرائم الحرب التي ارتكبتها كل أطراف الصراع. مع ذلك قال لي (ويلي) إن اللجنة عليها أيضًا تحديد عدًدا من “الجناة الخطرين المتسربين من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية” الذين تمكنوا من الدخول إلى أوروبا، وأضاف ان “لجنة العدالة ملتزمة بشدة بمساعدة السلطات المحلية في الادعاء”.

 

لقد أصبح من المستحيل تقريباً حصر القتلى في سورية- توقفت الأمم المتحدة عن محاولة التعداد منذ أكثر من عامين- ولكن مجموعات حقوق الإنسان التي تراقب الأزمة قدرت أن العدد يصل إلى نصف مليون تقريبا، أي بمعدل قتل يتصاعد كل عام. لقد أفرغت الحرب البلاد من حوالي خمسة ملايين سوري استطاعوا الفرار إلى الدول المجاورة وأوروبا ٬ مما ينهك إمكانيات نفس تلك البلاد المستعدة لتوفير اللجوء والمساعدة الإنسانية. لعبت الفوضى أيضًا دوًرا أساسياًّ في صعود (داعش) وهي أكثر الجماعات الجهادية دموية والتي استخدمت سورية كقاعدة لتوسيع مدى الإرهاب.

 

في الخريف الماضي دعاني (ويلي) لفحص وضع لجنة العدالة داخل مقرها بشرط ألا أكشف عن موقع المكتب والحكومات التي تساعد في استخلاص الوثائق وأسماء العاملين مع استثناءات قليلة.

 

الانتفاضة

في ديسمبر 2010 قام بائع فاكهة في الريف التونسي ٬ كان قد ضجر من حياة مليئة بالتحرش والابتزاز من مسؤولي الحكومة المرتشين ٬ بإغراق نفسه بالجازولين ثم اولع عود ثقاب ليشعل الربيع العربي. وهبّ مئات الآلاف من المواطنين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضد تشكيلة من الأنظمة الحاكمة للمتسلطين والملوك. طالب هؤلاء بإصلاحات ديمقراطية وفرص اقتصادية ووضع حدّ للفساد معبرين عن سخط بائع الفاكهة ويأسه. في نهاية يناير 2011 قال بشار الأسد ل (وول ستريت جورنال-(Wall Street Journal “ما ترونه في المنطقة هو نوع من الوباء”. أما لماذا بقيت سورية تتمتع بالاستقرار فقد أرجعه الأسد لمدى انتباهه الشخصي إلى أهمية “معتقدات الناس” مضيفاً ان “تلك قضية محورية، فعندما يكون هناك انفصال بين سياستك ومعتقدات الناس ومصالحهم ٬ سيتكون لديك ذلك الفراغ الذي يخلق الاضطراب”.

كانت ثقة الأسد قوية بل ومطلقة في فاعلية أجهزة الأمن والاستخبارات السورية التي أبقته وعائلته في السلطة منذ 1971.

سلام لاجساد في سجون الظلم تعذبت

لقد وضع المتسلطون الآخرون في المنطقة ثقة مماثلة في قوات أمنهم، غير انه رغم ذلك سقطت الديكتاتورية في مصر ٬ كما صوت مجلس الأمن لإحالة الموقف في ليبيا، حيث تربع معمر القذافي على كرسي السلطة لمدة اثنين وأربعين عاًما ٬ إلى المحكمة الجنائية الدولية. وفي شهر آذار شنت قوات الناتو حملة لقصف ليبيا. في سورية بدأ الناس في مطالبة الحكومة بتقديم تنازلات، وكان مثل هذا النشاط يشوبه الخوف في البداية، اذ كان قد انقضى على البلاد ثمانية وأربعين عاًما وهي تعيش وتموت تحت قانون الطوارئ ولم تكن فكرة المظاهرات العامة مألوفة، لقد قوبلت الاحتجاجات بالقنابل المسيلة للدموع والرصاص ٬ ولكنها جذبت اليها سريعاً عشرات الآلاف من الأشخاص.

 

في 30 آذار2011 خاطب الأسد الأمة من الغرفة الدائرية في مبنى البرلمان السوري، بعد ان صرف وزارته وتوقع العديد من الناس أن يعلن عن إصلاحات ليبرالية، ولكن بدًلا من ذلك أعلن عن نيته في الانقضاض على المعارضة ٬ على طريقة ونهج والده حافظ الأسد قائلاً “ان سورية تواجه مؤامرة كبيرة تمتد أذرعها” إلى قوى خارجية تخطط لتدمير البلاد. وتابع: “لا توجد نظرية مؤامرة” ثم أضاف: “هناك مؤامرة”. وأنهى كلامه بتوجيهات منذرة “إن دفن التحريض على العصيان واجب وطني وأخلاقي وديني ٬ وكل من يستطيع المساهمة في دفنه ولا يفعل هو جزء منه” وأكد: “لا توجد تسوية أو طريق وسطي في ذلك”.

 

بعد يومين أخذت الاحتجاجات تمتد وتتوسع داخل البلاد. وكان الأسد قد شكل لهذا الغرض لجنة أمن سرية تسُمى الخلية المركزية لإدارة الأزمة ولتقوم بتنسيق الحملة القمعية ضد الشعب المحتج. كان رئيس تلك اللجنة (محمد سعيد بخيتان) أكبر مسؤول في حزب البعث الحاكم بعد الأسد ٬ وكان الأعضاء الآخرون جميًعا مقربين من قبيلة الأسد. وكان يتم تدوير مناصب هؤلاء المسؤولين بين المناصب الأكبر في القوات المسلحة والوزارات والأجهزة الأمنية والاستخباراتية.

 

كانت خلية الأزمة تلتقي كل ليلة في مكتب باهت في الدور الأول من القيادة الإقليمية لحزب البعث في وسط دمشق لمناقشة استراتيجيات سحق التمرد. وكان ذلك يتطلب معلومات مفصلة عن كل احتجاج ٬ لذا كانت الخلية بحاجة الى تقارير من اللجان الأمنية والعملاء الاستخباراتيين في أكثر المقاطعات تمرًدا، فقررت المجموعة توظيف شخص يقوم بكل تلك الاعمال الكتابية.

 

كان أحد المتقدمين (عبد المجيد بركات) البالغ من العمر أربعة وعشرين عاًما ٬ وصاحب الشعر المصفوف بعناية للخلف. كان بركات قد أنهى لتوه درجة الماجستير في العلاقات الدولية وكان يعمل في وزارة التعليم. وعند اجراء مقابلته في أبريل فحص مسؤول كبير يدعى (صلاح الدين النعيمي) سيرته المهنية وسأله إن كان قادًرا على استخدام الكمبيوتر. ثم سأله النعيمي كيف سيحل الأزمة التي تفاقمت، فرد بركات إنه لتفادي رد فعل عسكري يجب على الحكومة أن تقدم بعض التنازلات وتقوم بإصلاحات حديثة.

 

فوجئ بركات أنه قد تم توظيفه. وكان قد جرى استجوابه في الكلية من قبل عملاء المخابرات الحربية لوجود شكوك أنه وزملاءه متورطون في أنشطة سياسية مضادة للحكومة. اذ كان قد انضم في وقت مبكر من الاضطرابات إلى واحدة من أوائل المنظمات الثورية. والآن وإثر عملية مستعجلة لتحويل خلية الأزمة نفسها الى جهة أكثر فاعلية، فقامت بتوظيف عضو في المعارضة لتسيير مذكرات أمنية سرية من جميع أنحاء البلاد. كانت تصل إلى مكتب بركات، في أغلب الأيام، أكثر من مائة وخمسين صفحة تتعلق بتصنيف دقيق للتهديدات المتصورة والمتوقعة لحكم الأسد —وتشمل تلك الصفحات جرافيتي (كتابات وصور على الجدران)، منشورات الفيسبوك، واحتجاجات، وأخيًرا تهديدات فعلية مثل وجود مجموعات مسلحة. قرأ بركات كل ذلك وكتب عنها ملخصات أوصلها النعيمي إلى أعضاء خلية الأزمة واستخدامها في توجيه كل اجتماع.

 

لم يسمح لبركات أبًدا بدخول غرفة الاجتماعات ٬ ولكنه رأى الأعضاء يدخلون إليها واحتفظ النعيمي بالمحاضر التفصيلية المدونة على أوراق تحمل شعار حزب البعث. وتضمن ضيوف المجموعة أحياناً مسؤولين بعثيين كباًرا ونائب الرئيس السوري وشقيق الرئيس الأسد الأصغر(ماهر) وهو قائد عسكري عصبي المزاج، كان الاتحاد الأوروبي قد وصفه ضمن قائمة العقوبات بأنه “المشرف الرئيسي على العنف ضد المتظاهرين”.

 

في نهاية كل اجتماع كانت خلية الأزمة تتفق على خطة لكل مسألة أمنية. ثم كان الرئيس بخيتان يوقع على محضر الاجتماع الذي سيحمله أحد المراسلين إلى الأسد في القصر الرئاسي. وعلم بركات أن الأسد يراجع الاقتراحات ويوقعها ويعيدها إلى خلية الأزمة من أجل التنفيذ. وكان الأسد يجري المراجعات بشطب توجيهات وإضافة أخرى. كما كان يصدر قرارات بدون مراجعة خلية الأزمة. لقد كان بركات واثقاً أن أي قرار أمني مهما كان صغيًرا ٬ لا يتم بدون موافقة الأسد.

 

وبعد بداية عمل بركات في خلية الأزمة بفترة قصيرة بدأ في عملية تسريب الوثائق. ومع أن النظام كان قد ادعى علناً أنه سيسمح بالمظاهرات السلمية ٬ إلا أن المذكرات الأمنية أوضحت أن عملاء المخابرات كانوا يستهدفون المحتجين ونشطاء الإعلام ويطلقون النار عليهم بلا تمييز. كان بركات يقوم بتصوير الوثائق في الحمام ثم يرسل الصور إلى صلاته في المعارضة السورية الذين نقلوها بدورهم إلى مؤسسات إعلامية عربية. كانت خطته أن يسرق أكبر قدر ممكن من المعلومات ثم يهرب. ولكن التسريبات زادت من الشكوك داخل المكتب وكان يعرف أنه عاجًلا أم آجًلا سيكتشف النظام أنه هو الواشي.

 

المحققون

يوم 19 أكتوبر 2005 وبينما كان (ويلي ) يجلس داخل حظيرة طائرة في قاعدة جوية في عَّمان بالأردن منتظًرا نقله إلى بغداد ٬ ظهر على التلفزيون صدام حسين في مناقشة حادة مع القاضي وهو يصرّ على أنه لا يزال رئيساً للعراق. كان ذلك في أول أيام محاكمة الديكتاتور السابق “لم أعر الأمر أي اهتمام مطلقاً” كما يتذكر (ويلي). كان التحالف الدولي قد أنشأ محكمة خاصة يعمل بها قضاة وممثلو ادعاء عراقيون للقيام بالإجراءات القانونية التي تتفق مع المعايير الدولية. ولكن الحكومة العراقية استبدلت القضاة الذين رأت أنهم يتعاطفون مع محامي الدفاع، وبعد أيام من ظهور محامي صدام حسين في نشرات الأخبار تم اغتيال اثنين منهم.

 

في بداية 2006 وظف التحالف (ويلي) لكي يقوم بتقديم استشارات للمحامين الذين كان دفاعهم الأساسي عن صدام يستند على أن المحكمة نفسها غير قانونية ٬ فقاموا بشكل دوري بمقاطعة الإجراءات، ثم غادروا العراق وتابعوا الجلسات على شاشة التلفزيون.

 

بالنسبة لويلي لم تكن هذه المحاكمة عن “صدام في حد ذاته” بل كانت “لإرسال إشارات الى مجتمع وقع ضحية للصراع على أنه اعتبارا من ذلك الوقت سيستند الحكم في هذه الدولة على أساس من القانون” ثم حث المحامين على العودة إلى العراق والدفاع عن موكلهم. في النهاية عاد محامو صدام حسين إلى المحكمة ٬ ولكن قبل نهاية الجلسات بوقت قصير تم اختطاف محامٍ ثالث ٬ وفي اليوم التالي وجدوه جثته مشوهة. ألقى الأعضاء المتبقون من الفريق باللوم على الحكومة العراقية ولم يظهروا لإلقاء المرافعة النهائية. صاغ (ويلي) كلمة محامي الدفاع عن صدام وقرأه محامٍ عراقي عينته المحكمة. واعترض صدام بالقول: “لقد كتب المرافعة النهائية كندي. أنا أعرف أنه جاسوس”. كان من الواضح أن المحكمة ستدين صدام٬ ولكن وجهة نظر (ويلي) كانت أن حياته يجب ألا تهدر. بدًلا من ذلك، وبعد سبعة أسابيع في قاعدة عسكرية تسمى (معسكر العدالة) تم شنق صدام حسين ٬ بينما كان الحراس الشيعة يستهزئون به. وبعدها تم إيصال جثمانه إلى منزل رئيس الوزراء من أجل عرضه ضمن احتفال

 

وبقي (ويلي) في بغداد عامين آخرين قام خلالهما بملء مذكرات الدفاع لأعضاء سابقين في نظام صدام. وقد قال لي أحد مسؤولي العدالة الأمريكيين إن مجهودات (ويلي) لجلب الإجراءات الواجبة إلى المحكمة “بطولية”. عندما غادر (ويلي) العراق عام 2008 قام بإنشاء مكتب خاص للاستشارات اسمه (تساموتا) ليساعد الحكومات الغربية ووكالات الأمم المتحدة في منع جرائم الحرب داخل الدول التي قد تتعرض للاضطرابات، وذلك من خلال تدريب الشرطة بالإضافة إلى أعضاء في القوات المسلحة والأمن والخدمات الاستخباراتية ليتمكنوا من التصرف بشكل مطابق للقانون الدولي.

 

في نوفمبر 2011 سافر (ويلي) إلى إسطنبول مع اثنين من زملائه في مكتب (تساموتا) لتدريب السوريين على جمع أدلة ستكون مفيدة للادعاء. وكان هناك مستشار أمني يعرفه قد قام باختيار بعض النشطاء السوريين الشباب والمحامين الذين تمت دعوتهم لترشيح أصدقاء موثوق بهم، وقد انبهر (ويلي) بشجاعتهم ٬ وان كان يعتقد أن أساليبهم غير فعالة، اذ “كانوا يميلون في تلك الأيام إلى التجوال حاملين كاميرات فوتوغرافية وكاميرات فيديو وهواتف ذكية ليصوروا هجمات النظام على المناطق الحضرية ثم يضعون مادتهم على اليوتيوب” وقد ذكر لي “ان أول شيء فعلناه هو أننا شرحنا لهم أن هذا يكاد يكون بلا قيمة كدليل جنائي” بدون إثباتات “إنكم تخوضون مخاطرات كبيرة – وبالفعل كان العديد من الشباب يقتلون أو يصابون وهم ينتجون فيديوهات أو صوًرا- بلاجدوى”. على سبيل المثال فإن تصوير قصف جوي لمستشفى على سبيل المثال لا يوفر أي دليل على أن الهجمة كانت مخططة من قبل المسؤولين الكبار الذين هم موضع اهتمام نظام العدالة الدولي. يقول (ويلي): “يحتاج الشخص أن يثبت ان عليهم مسؤولية جنائية فردية”.

 

بحلول ذلك الوقت كانت الآلاف من القوات الحكومية قد هربت من الخدمة وانضمت إلى الكتائب الرثة المكونة من الفلاحين المحليين والعمال البسطاء. بعض المقاتلين صنعوا مفجراتهم بأنفسهم وأطلقوا قذائف من مقاليع عملاقة. قصفت القوات السورية المساحات الضئيلة التي كان هؤلاء المتمردون يسيطرون عليها. كان العديد من النشطاء الذين يحضرون جلسات التدريب في إسطنبول يعيشون في مناطق محاصرة. علمهم (ويلي) كيف يلتقطون الصور وكيفية تقدير مقياس فوهات المدافع ومقدار زوايا الصدمات٬ واستعمال الشظايا لتحديد نوع السلاح المستخدم وحساب نقطة الانطلاق. ولكنه قال : “الشيء الأكبر الذي أردنا أن يركزوا عليه هو توثيق البيانات والوثائق الصادرة عن الحكومة” والذي وصفه انه بمثابة “ملك أو ملكة الأدلة في الإجراءات الجنائية الدولية”.

 

بعد جلسات التدريب القليلة الأولى دعا (ويلي) (ستيفن راب) الذي كان في ذلك الوقت السفير الأمريكي لشؤون جرائم الحرب للتحدث مع السوريين الذين كان عددهم قد وصل إلى بضعة عشرات. كان الرجلان قد التقيا قبل عقد من الزمن بينما كانا يعملان في محكمة رواندا ٬ ناقش (ويلي) (وراب) وهما يحتسيان المشروبات في إسطنبول إمكانيات إنشاء مركز توضع به الوثائق التي يتم الاستحواذ عليها والتي يمكن أن تستخدم في يوم من الأيام في تلك المحاكمات. كانت الأمم المتحدة قد أطلقت لجنة للمساءلة والتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في سورية ٬ ولكن سلطتها لم تمتد إلى الادعاء وبدًلا من التعامل مع الوثائق فإن الأمم المتحدة اعتمدت في الأغلب على مقابلات مع شهود أجريت في معسكرات اللاجئين وعبر السكايب. قال لي (راب) “أغلب الأدلة التي جمعوها لن تكون متاحة للادعاء” ٬ لأن الأمم المتحدة عاهدت الشهود على السرية التي ليست لها مدة محددة، وان المحاكمات ستكون علنية.

 

عندما عاد النشطاء والمحامون — بعد ان تحولوا الى محققين — إلى سورية، صاغ (ويلي) خطة لإنشاء لجنة العدالة والمساءلة الدولية، فوضع لها ميزانية. ومع أن بريطانيا استمرت في دعمها إلا أنه قد ثبت أنه من الصعب العثور على متبرعين آخرين. تخصص الحكومات الغربية مئات الملايين من الدولارات سنوياًّ لمشاريع حقوق الإنسان ٬ ولكن ويلي قال لي إن ردهم المعتاد كان ” مشروعك هو شيء تفعله الحكومات أو تفعله الأمم المتحدة وتفعله المحكمة الجنائية الدولية”. في النهاية استطاعت لجنة العدالة والمساءلة الدولية بمساندة من (راب) أن تؤمن ثلاثة ملايين يورو من الاتحاد الأوروبي. لاحقاً تعهدت ألمانيا وسويسرا والنرويج والدنمارك وكندا بالإستمرار في التمويل .

  • Social Links:

Leave a Reply