إن كان جارك بخير .. في العلاقات السورية التركية ..

إن كان جارك بخير .. في العلاقات السورية التركية ..

مصطفى الدروبي

منذ استقلال سوريا عن فرنسا مرت العلاقات السورية التركية بحالة من العداء و التّأزم المستمرين لأسباب عديدة لا يتسع المقام للتفصيل بها عبر هذا المقال خصوصاً أن حدوداً طويلة مشتركة تجمع بين البلدين الجارين و تمتد لأكثر من 900 كم طول مزروعة بالألغام والحراسة المشدّدة ( خصوصاً من الجانب التركي ) وكذلك وجود المجرى المشترك لنهر الفرات والتداخل الاثني والإرث الروحي الذي يجمع بين شعوب البلدين .. وازدادت هذه العلاقات توتراً حين هدّد الأتراك باجتياح الأراضي السورية عام 1998 بسبب إيواء النظام السوري آنذاك لزعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان و الذي كان يرى به نظام دمشق أداة ضغط على تركيا .. حينها اضطر حافظ الأسد للانحناء أمام العاصفة والإيعاز لأجهزته الأمنية بإخراج أوجلان من سوريا .. لتطارده أجهزة الأمن التركية فيما بعد وعبر أكثر من بلد وتعتقله بعيد خروجه من مخبأه في السفارة اليونانية بكينيا عام 1999 . بعد ذلك جاءت زيارة الرئيس التركي الأسبق أحمد نجدت سيزر إلى دمشق عام 2000 لتدشّن مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين .

وحين فاز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات التشريعية وشُكّلت أول حكومة برئاسته عام 2002 حدثت استدارة واسعة في علاقات تركيا الخارجية مع دول الجوار استنادا لرؤية المفكر البرفسور أحمد داوود أوغلو وذلك من خلال نظرية تصفير المشاكل وتجسير العلاقات مع الجميع حيث رسم خارطة للسياسة الخارجية التركية والتي عبّر عنها من خلال كتابه ( العمق الاستراتيجي ) والذي أراد القول من خلاله : أن على تركيا أن تكون قريبة في علاقاتها مع الدول التي كانت تخضعلحكم السلطنة العثمانية في العهود السابقة ويجب أن يكون لتركيا دور جديد في العالم ..ومن هنا أخذت العلاقات التركية مع النظام السوري تتطور على صعد متعددة حيث كانت تركيا عليمة بطبيعة هذا النظام وآملة في كسر القشرة السميكة لبنيته الشمولية والدكتاتورية من خلال الرهان على الوريث الشاب الذي بدأ عهده بوعود الانفتاح والتحديث .. وعقدت الآمال على أن تكون سوريا بلداً منفتحاً بنظام سياسي يستوعب المتغيرات الدولية وتكون سوريا بوابة تركيا باتجاه العمق العربي ..

لذا دفع قادة حزب العدالة والتنمية العلاقات السورية التركية نحو مزيد من التفاهم والتعاون فوُقّعت اتفاقيات عديدة كاتفاقية إزالة الألغام من على جانبيّ الحدود وفتح المعابر أمام السوريين والأتراك من دون سمة دخول وإقامة منطقة حرة ومشاريع صناعية و إنمائية وخدماتية متعددة .. وكذلك في الجانب الثقافي تشكّلت جمعيات تهتم بهذا الشأن في كلا البلدين وتم اعتماد تدريس اللغة التركية في جامعتي حلب ودمشق وكذلك تدريس العربية بجامعات أنقرة واستنبول ..وتصدت الحكومة التركية للضغوطات المتعددة من جانب الغرب ولم ترضخ لضغوطات إدارة جورج بوش الابن التي عملت على عزل سوريا وحصارها آنذاك .. بلوأكثر من ذلك راح القادة الأتراك يجسّرون العلاقة بين النظام السوري ومختلف الدول الأوربية.. وهذا ما ساعد النظام على عبور تلك المرحلة القاسية و الصعبة آنذاك ..لكن سنيّ العسل لم تطل حيث تفجّر الربيع العربي كتسونامي وامتدت موجاته نحو الشام فسوريا المتعطشة للحرية والعدالة والكرامة لحقت بشقيقاتها المنتفضات …لكن النظام العائلي المافيوي المستند لأجهزة أمنية متغوّلة كان قد أعد نفسه مسبقاً للانخراط بحلول أمنية عسكرية تدميرية في حال قرر الشعب السوري النزول إلى الميادين لانتزاع حريته واستعادة كرامته المهدورة …مستفيداً من تجربته الدموية إبّان أحداث الثمانينات في صراعه مع الإخوان المسلمين حينها …

ومنذ البداية دخلت تركيا على خط الحدث السوري المزلزل (إنطلاقاًمنقاعدةإنكانجاركبخيرفأنتبخير…) ..آملة أن لا تذهب سوريا نحو المجهول لذاتقدمتبالنصح لنظام لا يسمع و لا يمتثل للحكمة ولا للآراء الصائبة حيث زار حينها العقلاني والدبلوماسي المحنّك أحمد داوود أوغلو دمشق ولأكثر من مرة ناقلاً رأي الحكومة التركية في الاستجابة لأجندة الاصلاح التي يريدها الشارع السوري والابتعاد عن الخيارات الخشنة التي تمظهرت في تصدي النظام للحراك المدني السلمي بالعنف والوحشية …إلا أنه كان يعود عند كل مرة بخفي حنين ..

وحين تأكد الاتراك أن هذا النظام يفتقر للإحساس العالي بالمسؤولية وأن من يقود سوريا ليسوا برجال دولة و ما هم سوىعصابة مافيوية عائلية مريضة ذاهبة دون تردد نحو الخيارات الصعبة و التي تبدّت في وحشيتها ونزعتها الاستئصالية والإلغائية لأي حراك مدني وسلمي .. حينهاقررت الحكومة التركية سحب العاملين في سفارتها وإعلان موقفها الذي تمثّلبنصرة الشعب السوري والوقوف إلى جانب ثورته ..

ومع ارتفاع وتيرة العنف وإجبار النظام المنتفضين السوريين التوجه نحو العسكرة أيقنت حكومة حزب العدالة والتنمية أن المشهد سيزداد تعقيداً فهيأت نفسها لتقديم العون للشعب السوري وثورته المحقة .. فسوريا المستقرة والديمقراطية تمثل مصدر استقرار لتركيا ولأمنها أيضاً في وضع جيوسياسي شديد الحساسية … وهذا ما أكدته مجريات الصراع وتعقيداته بعد خمس سنين من ثورتها التي آلت الأوضاع بعدها إلى استباحة التراب الوطني السوري من قبل قوى شتى إقليمية ودولية استثّمرت في المأساة السورية لصالح أجندات متعددة شكًلت تهديداً للأمن القومي التركي ولاستقرار تركيا النمر الاقتصادي الواعد بالكثير ..

اليوم تركيا تدخلت عسكرياً في الشأن السوري .. وهي آخر المتدخلين حيث المخاطر الجديّة أضّحت تطرق أبوابها بقوّة ولم يعد ثّمة وقت لمزيد من الانتظار ..

ما هي آفاق هذا التدخل ونتائجه … هذا ما ستجيب عليه الأيام القادمة .

  • Social Links:

Leave a Reply