التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية المنعقد في 18 أيلول 2016

التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية المنعقد في 18 أيلول 2016

التقرير السياسي الذي قدمه الرفيق الأمين العام إلى اجتماع اللجنة المركزية المنعقد بتاريخ ١٨ أيلول ووافقت اللجنة المركزية بعد المناقشة وتقديم التعديلات التي أقرتها المركزية :

الشعارات الأساسية التي كنا ولا زلنا نعمل على تحقيقها :

١- العمل على فك الحصار عن المناطق المحاصرة تنفيذاً لقرارات مجلس الأمن .

٢- وقف القصف على جميع المدن ، والمناطق السورية الآهلة بالسكان .

٣- إطلاق سراح المعتقلين السياسيين من السجون ، والكشف عن المقابر الجماعية للشهداء الذين سقطوا تحت التعذيب .

٤- التأكيد على بناء الدولة المدنية الديمقراطية التي يتساوى فيها الجميع في الحقوق ، والواجبات ، والتي تحمي التعددية ، و الحريات السياسية ، و تحمي دور العبادة ،و تضمن الحقوق المشروعة لكل السوريين ضمن وحدة سورية أراضاً و شعباً .

٥- محاربة التطرف بكل أشكاله ، وألوانه ، و إبعاد الغرباء عن سورية بدءاً من داعش وصولاً إلى حزب الله ، و الروس ، والأمريكان ، والفرنسيين ، والإيرانيين ، والأكراد الوافدين من تركيا ..

٦- تنفيذ مقررات جنيف ، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة ، وتشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحية لنقل السلطة ، ورحيل الأسد .

٧- العمل على إعادة القرار للثورة السورية .

٨- حددنا نقاط الضعف في الثورة السورية ،والتي تتلخص ببعثرة القوى السياسية ، والعسكرية ،وهيمنة دول الإقليم ،والدول الكبرى على القرار السياسي ، والعسكري .

٩- طالبنا بوحدة قوى ، ومكونات الثورة السورية ،عن طريق عقد مؤتمر وطني يشارك فيه الجميع ، من أحزاب ، وتيارات سياسية ، و فكرية ، وقوى عسكرية ، و لجان مجتمع مدني ، وممثلين عن المجالس المحلية ، بالإضافة لشخصيات عامة متفق عليها . يتفق المؤتمر على وثيقة سياسية ، و قيادة معترف بها تعمل على تنفيذ مقررات المؤتمر، وتتخلص شيئا فشيئا من الهيمنة على القرار السوري من قبل الدول المختلفة ، بعد ما تأكد أن هذه الدول تعمل على زيادة نفوذها في الداخل السوري حتى ، ولو أدى نشاطها إلى التقسيم . و حتى يتم ذلك يجب أن ننهي التفرقة بين الداخل ، والخارج ، ونعيد الدور الأساسي للداخل ضمن نشاط سياسي موحد مرتبط ، ومدعوم من تجمعات السوريين في الخارج ،ومدعوماً من القوى الوطنية ، و الديمقراطية ، لنشكل نسيج موحد قادر على تنفيذ السياسات المتفق عليها، بالإضافة إلى التخلص من الهيمنة وحتى الآن فإن الوضع ضاغط باتجاه عدم تنفيذ هذه التوجهات ، ويمكن أن نضع بعض الأمثلة :

١- الاتفاق الروسي الأمريكي المفضي في النهاية إلى دعم نظام الأسد، و إلى تقاسم النفوذ في سورية عن طريق استمرار هيمنة الروس ،والأمريكان على مناطق نفوذهما ، الروس غرب سورية ، و الأمريكان شرق سورية، والصراع على حلب .

٢- عدم دعم المقاتلين السوريين ( الجيش الحر ) بالأسلحة والذخائر اللازمة ، مقابل دعم جوي ،و بري ، و مادي ، و اقتصادي للنظام من أصدقائه، و يعتقد أن عدد القوات الأجنبية في سورية الداعمة للنظام ، و القادمة من كافة المناطق ، أصبحت تساوي أو تزيد عن قوات النظام نفسه .

٣ – التدخل الإقليمي والدولي في النشاط العسكري للجيش الحر ، ويؤكد على ذلك تقدم الجيش الحر في حلب ثم توقفه ، ولا ندري اذا كان سيتراجع ٤- صمت مدان للجبهة الجنوبية ….. الخ وأيضا فإن التجاهل الأمريكي المريب للثورة السورية ، وللوفد المفاوض كان قاسياً جداً ،وخصوصاً أن الأمريكان ( أصدقاء الثورة السورية ) لم يطلعوا الوفد المفاوض على فحوى الاتفاق مع الروس ، بل أمروهم بتنفيذ هذا الاتفاق …. و العشرات من الشواهد الأخرى الواضحة . كل هذه الأمور والكثير غيرها فرضت و ضع يتطلب المعالجة .. فمن جهة يمكن ملاحظة زيادة تمادي النظام بدليل انتقاله من الحصار إلى التهجير ، واستمراره في قصف غازات الكلور على المدن المختلفة، فحصيلة ضحايا مجزرة ادلب في يوم وقفة عرفة ، التي نفذها الطيران الروسي ، والسوري على سوق شعبية تجاوزت المائة قتيل ، و ثلاثمائة جريج ، و هكذا . العنصر الجديد الذي يجب مناقشته هو التدخل التركي في الشمال السوري ، والذي بدأ يتسع جغرافياً ، في محاولة لتحقيق ما تريده تركيا من منطقة آمنة ، و قد أتى هذا التدخل نتيجة دور أمريكا في الانقلاب الأخير على تركيا ، مما أدى إلى اندفاع تركيا لتحقيق تحالف مع روسيا ، و إيران . هذا الواقع فرض على أمريكا السماح لتركيا بتحقيق منطقة آمنة ، وبدخول تركيا للأرض السورية ، تحققت مجموعة من القضايا :

١- أبعدت تنظيم ال BYD إلى شرق نهر الفرات ، وفصلت بين مناطق ما يسمى الإدارة الذاتية .

2 – إيجاد منطقة آمنة سيكون لها تأثيرها السياسي اللاحق ، إذا استطاعت المعارضة أن تتواجد فيها ، فسورية موزعة حالياً بين النظام وال BYD وداعش والنصرة ، وجميع هؤلاء يرفضون الرأي الآخر والحراك السياسي ،ويقمعون جميع الآراء، أي أن الاستبداد هو المسيطر في سورية بغض النظر عن اختلاف التسميات ، أي لا يوجد مساحة في سورية للديمقراطيين ، لذلك يعد إيجاد منطقة آمنة ، بإشراف القوى الديمقراطية ، عاملاً أساسياً سيشكل للمعارضة الديمقراطية أرضاً تنطلق منها ، لتحقيق دولتها الديمقراطية ،وبذلك تصبح نموذجاً ، طالما أراده السوريين لدولتهم الجديدة .

٣ – سيكون لتركيا دور في تقرير شكل الحكم في سوريا هذا بغض النظر عن إرادتنا . إذا حقق التدخل التركي حالة جديدة في سورية ، علينا أن نحسن استخدامها ، إننا ندعو كافة الرفاق والأصدقاء للدخول إلى المنطقة ،والعمل فيها ، ليكون لنا دور في هذه المنطقة، كجزء من سورية الموحدة والديمقراطية . بعد كل ما ذكر يمكن أن نلاحظ ، أن دور السوريين في التدخل لبناء سورية الجديدة معدوم ،إن كان من جانب النظام حيث أصبح الأسد الممثل والناطق الرسمي للروس ، خصوصاً بعد تراجع الدور الإيراني ، وأصبحت المعارضة تنفذ ،وبإملاء وقح كما ذكرنا ، الاتفاقيات التي يقررها الأميركان مع الروس .. أمام هذا الوضع كيف يجب أن نعمل كحزب وكسوريين ؟؟؟ كنا قد دعونا لعقد مؤتمر وطني يعمل على مناقشة شكل العمل في المرحلة السابقة ، والعمل على تحديد مهام المرحلة القادمة ، ونحن نرى أن النقاط التي يجب العمل حولها هي :

١- وحدة عمل المعارضة السورية بكل أجنحتها السياسية والعسكرية .

٢- إيجاد إعلام موحد يعكس مواقف القوى الوطنية ، ويعبر عن الثورة السورية .

٣- الاعتماد على عودة الثقل للداخل ، وإعادة تنشيط العمل السياسي السلمي بكل أشكاله ، والضغط من أجل اتخاذ قرار دولي يمنع النظام ، والقوى الأخرى من التصدي للنشاطات السلمية ، على أن يكون الخطاب وطني جامع ينسجم مع شعار الدولة المدنية ، التي ينتفي فيها أي شكل من أشكال الصراع القومي ، والديني ، والطائفي ، والمناطقي .

٤- إعادة النظر بشكل العمل العسكري ، والانتقال من حرب المواقع التي سببت تدمير المدن، إلى حرب وطنية تعمل على إنهاك النظام ، وأصدقائه العاملين معه ، في كل مناطق تواجدهم العسكرية ، بعد اتفاق القوى العسكرية وتوحدها . وأننا بهذه المناسبة ، وحفاظاً على ما تبقى من إدلب، وغيرها ، ندعو إلى حل منظمات النصرة، وغيرها من الفصائل المسلحة الإسلامية المتطرفة ، والالتحاق بالجيش الحر…. إن هذا الحل ينقذ المواطنين ، والمدن ، وينطلق من فهم سوري وطني يعمل على تحقيق الانتقال إلى النظام التعددي ، وينهي الاستبداد في سورية، بكل أشكاله ، ويبعد الغرباء عن بلادنا ، ويؤسس لسورية الجديدة…. أمام هذا الواقع كيف يجب أن نعمل نحن كحزب هيئات ومناضلين وأصدقاء وحلفاء ؟ بغض النظر عن نتائج المرحلة المقبلة ، فإن عملنا كحزب يجب أن يستمر من أجل تحقيق الوصول ، إلى دولة مدنية ديمقراطية تتحقق فيها المساواة بين السوريين بالحقوق ، والواجبات ، ويتحقق فيها الأسس اللازمة لبناء نظام العدالة الاجتماعية علينا ، وحتى يزداد تأثيرنا أن نعمل ضمن الإمكانيات المتاحة أمامنا ، وهي ليست كثيرة ، وأقترح أن نعمل على الشكل التالي :

1- التحالف : رغم الجهود المبذولة فإن الوصول لأعمال مشتركة ، أو تحالفات على المستوى الوطني تبدو صعبة جداً ، رغم اعتراف الجميع بأهميتها وبحاجة سورية إليها ، وطبعاً نحن نتحدث عن العمل المشترك مع القوى اليسارية ، والتحالف مع القوى الديمقراطية المدنية، وكل من يؤمن بالدولة الديمقراطية المدنية ، لذلك أرى أنه ، ومع استمرارنا بالعمل السابق علينا إجادة استخدام شكل جديد من التكتيك ..أي أن نحدد القوى والشخصيات العامة ، وممثلي التيارات المختلفة في كل منطقة ، ومدينة ، وبلد في الشتات، ونعمل على إقامة أشكال مختلفة من التحالفات تنطلق أساساً من المهام التي كتبت في بداية التقرير، ونعتقد أن مثل هذا العمل ممكن أن يكون ناجحا إذا استطعنا التواصل مع هؤلاء ، وتقديم ما هو مشترك ، والابتعاد عن الخلافات، فلتكن هذه واحدة من المهمات المطروحة أمامنا، وأن نبدأ بتنفيذها فور إنجاز أعمال اللجنة المركزية .

2- العمل الجماهيري : يحتل العمل الجماهيري أهمية كبرى في عمل الأحزاب فوصولنا إلى الجماهير، لا يتم عبر تسييسها فقط ، بل عبر مشاركتها بالنضال من أجل تحقيق مطالبها المشروعة في النقابات المختلفة ، وسيقدم الرفيق سامر تقريراً مفصلاً حول هذا الأمر .

3- الأحزاب :

– أهمية الأحزاب : لا يمكن أن نقوم بتنفيذ جميع هذه الأعمال بدون حزب متفاعل ، ومنتشر، ويتمتع بكوادر واعية ومحترمة، ونحن نعتقد أن هذا العمل ضروري جداً من جهة وصعب من جهة ثانية . فقد سيطر العسكر على غالبية مجتمعاتنا ،وحطموا الحياة السياسية والمؤسسات الدستورية ،واستبدلوها بأفراد واسعي الصلاحية، وأجهزة قامعة لأي رأي ، أو اجتهاد يخالفها ، فانتشرت ظاهرة عبادة الفرد، ودوره الاستثنائي ، وسقطت المؤسسات وأعتقل الفكر، ونحن نحصد الآن نتيجة هذا الشكل الشاذ من أنواع الحكم ، فدولنا تدمر، وشعبنا يقتل بفضل سيادة حكم العسكر على الأوطان. لقد استطاع شعبنا أن يحقق تطوراً هائلاً في الفترة الديمقراطية القصيرة ،واليتيمة التي عاشتها بلادنا ، ولسنا بحاجة أن نذكر بالتطور الهائل ،والمخيف الذي تم في سورية في ظروف النهضة اليتيمة ، التي عاشتها سوريا بين عامي ١٩٥٤-١٩٥٨ في كافة مجالات الحياة الاجتماعية، والسياسية، والإقصادية ، وأهمها الدور الوطني المميز الذي عاشته سورية في تلك الفترة . إن أرقى أشكال التجمعات الإنسانية الموجودة في العالم حتى الآن هي التجمعات السياسية التي حققت تطوراً هائلاً في بناء الدول المدنية ، وفي تقدمها ، ولا نعتقد أنه يوجد بديل ، أو شكل آخر غير الأحزاب في بناء الدول وتقدمها . لقد ساهمت الأنظمة العسكرية عبر أجهزتها الأمنية، ودعايتها في محاربة الأحزاب ، وتكريس الأفراد كقادة للدول في مصر، وليبيا، والجزائر، والسودان، واليمن، والعراق، وسورية ، وما يجري الآن في بلادنا هي نتائج لسيطرة العسكرة ، وتبديل المؤسسات الدستورية بالأفراد ، لقد احترقت هذه الدول ، وتشردت شعوبها ، وتهجرت، هذه النتيجة الواضحة ، كما ذكرنا .

– واقع الأحزاب : ومن ناحية أخرى فإن تأثير الضغط على الأحزاب ، بالإضافة للأحكام العرفية ، وقمع الحريات أثر في تطوير الأحزاب والتيارات ، وأثر أيضا فشل البرامج المختلفة التي طرحتها هذه التيارات مثل المشروع القومي ، أو المشروع الاشتراكي في نسخته السابقة ، وتخلي البرجوازية العربية عن دورها في بناء الدولة الوطنية كل ذلك ، وغيره أدى إلى فقدان الثقة بهذه الأحزاب والتيارات من قبل الجماهير ، وهذا طبيعي، ويضاف إلى كل ذلك عدم قدرة الأحزاب المعارضة في قيادة الاحتجاجات الجماهيرية ، وثورات الربيع العربي ، بالإضافة للفكر الانعزالي الذي سيطر على أقسام منها ، مما أدى إلى فقدان دورها في ظروف الثورة . كل هذه العوامل أدت إلى ابتعاد الجماهير عن الحياة السياسية ، وإلى انتشار الفوضى والتيارات الدينية، وغيرها من السلبيات الكثيرة التي نراها في أوساط الثورة ، والتي ساهمت في عودة العسكر، كما جرى في مصر، وإلى عودة النظام القديم ، كما جرى في تونس ، وإلى الاندفاع لقتال مرير سيطر عليه الخارج ، كما يجري في سوريا والعراق واليمن . ورغم ذلك فإن العمل على إعادة بناء الحياة السياسية ، هو الشرط الوحيد لإعادة الحياة الطبيعية إلى بلادنا وبناء الدولة المدنية الديمقراطية ، وتغيير ذهنية الصراع من ذهنية متخلفة قاتلة ، إلى ذهنيه قادرة على تطوير الوطن ، وإعادة بناء التجمعات البشرية على أساس سياسي ، بدلاً من التجمعات المذهبية ، والطائفية كل ذلك يجعل من عملنا صعباً .. ورغم صعوبة العمل السياسي ، فإن حزبنا يتقدم بمعنى النفوذ السياسي ، وبمعنى زيادة العضوية ، وبمعنى زيادة الأصدقاء ، حيث تتقدم انتساب يومية لصفحة أصدقاء الحزب ،وغالبيتهم هم أصدقاء الحزب فعلاً ، وقسم منهم أصبحوا من النشطاء، ورغم ذلك فإن حزبنا لا زال يفتقد إلى هيئات فاعلة قادرة على جمع الرفاق ،والأصدقاء وتوظيفهم وإشراكهم في العمل السياسي .

مركز كارنيغي : القوة في الضعف.. قدرة الجيش السوري العرَضية على الصمود 1/3 أُعِدّ هذا التحليل الإقيليمي كجزء من مشروع “إعادة النظر في العلاقات العربية المدنية – العسكرية : الحوكمة السياسية والاقتصادية في المرحلة الانتقالية” للعامَين 2014-2015، والذي وضعه مركز كارنيغي للشرق الأوسط. سعى المشروع إلى تعزيز البحث حول القوات المسلحة في الدول العربية، وتحدّيات الانتقال الديمقراطي . خضر خضور : مركز كارنيغي لم يكن الجيش السوري مُهيّأً قتالياً عندما اندلعت الأزمة الحالية في البلاد في ربيع العام 2011. فعقودٌ من الفساد جرّدت الجيش العربي السوري من احترافه القتالي والعملياتي. ومع ذلك، استطاع الجيش أن يصمد بعد خمس سنوات في وجه ثورةٍ شعبيةٍ حاشدة، وحربٍ متعدّدة الجبهات، وعشرات آلاف الانشقاقات . 1 تأتي قدرة الجيش على الإمساك بالأراضي التي تتّسم بأهميةٍ حيويةٍ لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، نتيجة مفارقةٍ غير مُتوقَّعة : العوامل التي سلبت الجيش قدرته القتالية في حقبة السلم، أصبحت قوّته الرئيسة في خضم الحرب. وعلى وجه الخصوص، تحوّلت شبكات الزبائنية والمحسوبية في الجيش، والتي تعود إلى ماقبل الحرب، إلى سلسلةٍ موازيةٍ من القيادة تشدّ عضد النظام. والواقع أن هذا الأخير استطاع، من خلال سحب الجيش من خطوط أمامية محدّدة، أن يعزّز قاعدته الاجتماعية والسياسية والمجتمعية المحلية، بعد أن جنّد ميليشيات مؤقّتة لتلبية احتياجاته من المشاة. سلسلة القيادة الموازية هذه، أتاحت للنظام أن يكيّف استراتيجيته للتفاعل مع ديناميكيات الصراع المتغّيرة بسرعة، وليضمن قبضته على القوات شبه العسكرية الموالية، ويرسّخ نفسه في المناطق ذات الأهمّية. ليس الجيش مجرّد أداة لاستراتيجية النظام؛ فالطرفان يعملان كهيئتَين متمايزتين ولكن معتمدتين على بعضهما البعض، تحتاج إحداهما إلى الأخرى من أجل البقاء. فتحصُّن فرق الجيش في بقاع واسعة من الأراضي السورية، ساعد النظام في الحفاظ على سيطرته على مراكز سكّانية أساسية. كما أن الجيش يشكّل العمود الفقري اللوجستي للميليشيات التي يرعاها النظام، وقناةً مهمةً لداعمتي النظام: روسيا وإيران. وفي حين أن الميليشيات وفّرت معظم احتياجات النظام من المشاة، حافظ الجيش على سيطرته على القوة الجوية واستخدام الأسلحة الثقيلة. نتيجةً لذلك، تراجع عدد الإصابات والانشقاقات، وتعزّزت صورة نظام الأسد كرمزٍ للوحدة الوطنية. وهكذا أتاح تطوّر الجيش السوري وصموده منذ العام 2011 للنظام الصمودَ في الصراع، والتموضع في موقعٍ يجعله جزءاً لايتجزّأ من أي حلّ سياسي تفاوضي قد يجري التوصّل إليه. الجيش السوري: ضعيف لكن ذو هيكل مرن البقاء عبر الفساد تأسّس الجيش في العام 1946، وسرعان مابرز بصفته لاعباً رائداً في التطوّر السياسي لسورية. في ستينيات القرن الماضي، أدّت الانقسامات السياسية والإيديولوجية العميقة في الجيش إلى سلسلةٍ من الانقلابات العسكرية، أوصل آخرُها وزيرَ الدفاع وقائد القوات الجوية آنذاك حافظ الأسد، العضو في حزب البعث، إلى السلطة في العام 1970. وبمساعدة طاقم صغير من الضباط، حيّد الأسد خصومه. بعد ذلك، حافظ النظام على قبضةٍ مُحكَمةٍ على الجيش، جاعلاً جنوده معتمدين على زبائنية النظام من أجل الحصول على الترقيات والمنافع المادية. وعقب المواجهة الأخيرة للجيش مع إسرائيل في لبنان في العام 1982، تخلّى عن مهمته الأساسية المتمثّلة في محاربة الأعداء الخارجيين، لكنه تحوّل إلى دور أكثر رمزية تمثّل في تعميم سردية محلّية تقول أن إسرائيل والبلدان الخارجية الأخرى، تشكّل تهديداً وشيكاً ومتواصلاً. وأصبح التجنيد العام أداةً فعّالةً لإدارة المجتمع السوري وتعبئته، ولاسيما الشباب منه.2 لم تحدث أي تغييرات مهمة في الهيكل التنظيمي الرسمي للجيش، عندما تسلّم بشار الأسد السلطة في العام 2000. فاستمر الضباط في حصد السلطة والموارد بشكلٍ زادَ من الفساد وقلّص القدرة القتالية للجيش. كانت المزايا الاجتماعية والمالية لضباط الجيش أمراً شائعاً. وعلى وجه الخصوص، عزّزت البرامج الاقتصادية النيوليبرالية التي وضعها الأسد طبقةً جديدةً من شخصيات النظام ومستثمري القطاع الخاص، وشجّعت الروابط بينهم، ما أثرى بعض الضباط من ذوي الرتب العالية.3 على سبيل المثال، ابتداءً من العام 2007، أطلقت وزارة الدفاع ومجموعة من رجال الأعمال خطّةً مشتركةً لبيع سيارات فخمة لضباطٍ متقاعدين في الجيش بسعرٍ مُخفَّضٍ مُعفى من الضرائب، على أن يُسدَّد ثمن السيارات مع الوقت من خلال اقتطاعاتٍ من رواتب التقاعد الدورية. هذا البرنامج أضفى مكانة اجتماعية جديدة على هؤلاء الضباط: فالسيارات الفارهة لطالما كانت متاحةً فقط للنخبة بسبب الرسوم العالية على الواردات، والتي بلغت حوالى 200 في المئة، وبسبب القدرة الشرائية المحدودة لمعظم السوريين. فضلاً عن ذلك، استطاع الضباط بيع سياراتهم فوراً، حاصدين ربحاً طائلاً من الوفورات الضريبية وحدها . 4 جدير بالذكر أن الرواتب الأساسية للضباط كانت منخفضة للغاية، وتراوحت مابين 400 و800 دولار في الشهر. لهذا السبب، استخدم الضباط بانتظامٍ نفوذهم المتضخّم طوال عقود لاقتناهم المكاسب المالية الشخصية. فهم يسمحون دوماً للمجنّدين الأثرياء بالتملّص من الخدمة الإلزامية لأشهر طويلة مقابل رشاوى. وقد أصبحت هذه الممارسة شائعةً، إلى حدّ أنها سُمِّيَت بالعامية بـ”التفييش” أو الفيش”، دلالةً على الملف الرسمي الذي يفتحه ضابط في مايتعلّق بشخص معيّن. وغالباً مايعيّن الضباط أيضاً مجنّدين للقيام بأعمال الصيانة والبناء في منازلهم وممتلكاتهم الشخصية، إضافة إلى نقل أولادهم إلى المدرسة بالسيارات العسكرية. كما أنهم يقبلون الهدايا أو الأطعمة المحلية المميّزة من مسقط رأس المجنّدين (في بعض الحالات، العسل من حماة أو الجبنة من دير الزور) مقابل غضّ النظر عن المخالفات .5 ومع أن العمل الإداري النموذجي يمكن نظرياً أن يساعد الضابط على التقدّم، إلا أن المحسوبية والزبائنية كانتا تقليدياً العاملَين الرئيسَين في الترقيات، ولاسيما على مستوى الرتب المتوسطة والعليا.6 فالترقّي لما بعد رتبة عقيد كان ببساطة أمراً مستحيلاً من دون الصلات الضرورية. وفي هذا السياق، تذكّر مجنّد سابق، عُيِّن في وحدة رسم الخرائط في فرقته في الجيش في العام 2002، أنه كان يضطّر إلى القيام بأبسط المهام المهنية لرئيسه العقيد، الذي كان يفتقر حتى إلى المهارات الأوّلية في علم رسم الخرائط. وهذا العقيد بالتحديد، الذي كانت له روابط عائلية في أجهزة الأمن، أصبح عميداً في العام 2005، وتولّى لاحقاً قيادة فوج في درعا في العام 2012. 7 مع الوقت، تراجع الجيش السوري وأصبح يشبه أي بيروقراطية حكومية أخرى، حيث الطموح الأول للعاملين فيه كان تحسين مواقعهم لتحقيق الكسب الشخصي. وقد تذكّر أحد الضباط القدماء أنه من ثمانينيات القرن الماضي وصولاً إلى بداية القرن الحالي، أصبحت التفتيشات السنوية التي يخضع إليها الضباط، والتي تُعرَف بـ”المشروع الحربي”، عبارة عن تقييمات شكلية – إذ يصل المفتّشون إلى القواعد العسكرية، ويستمتعون بوجبة طعام دسمة مع الضباط، ثم يوقّعون الشهادات الضرورية. وكان كلٌّ من النظام والجيش على علمٍ بهذه الممارسة الشائعة، إلا أنهما لم يفعلا شيئاً للحدّ منها. عقب انتفاضة العام 2011، سهّل افتقار الجيش السوري إلى الاحترافية، في الواقع، قدرة النظام على السيطرة وتخطّي أقسام سلك الضباط التي عارضت قمع الجيش للمعارضة. لم يكن لانشقاق أكثر من 3000 ضابط، معظمهم من السنّة، في خلال العام 2011، تأثيرٌ ضارٌّ يُذكَر على تماسك الجيش وقدرته العملياتية،8 بما أن الهياكل الرسمية التي عمل فيها هؤلاء الضباط سابقاً لم تكن أساسيةً لأداء الجيش. وهكذا، برزت شبكات المحسوبية بصفتها سلسلة القيادة غير الرسمية للنظام بحكم الواقع، حالما تعسكرت الأزمة في العام 2012. كان في مقدور النظام أن يصدر الأوامر عبر نظام فعّال قائم على شخصيات موثوقة ترتبط ببعضها البعض بشكلٍ وثيق عبر صلات عائلية وطائفية، وبمصالح تجارية ومالية مشتركة. على سبيل المثال، بدأ ابن خال بشار الأسد والمستثمر البارز، رامي مخلوف، تمويل قوات النمر في العام 2013 تحت قيادة العقيد سهيل الحسن، وهو ضابط مخابرات علوي وشخصية شهيرة لدى العلويين. وقوات النمر هي وحدة نخبوية تتمتّع بتجهيزٍ أفضل من الجيش، وتضمّ ضباطاً معظمهم من العلويين، من الفرقتَين الرابعة والحادية عشرة. كذلك، عمدت إدارة المخابرات الجوية التابعة للنظام إلى تجنيد مدنيين علويين وتدريبهم للالتحاق بهذ القوة الخاصة.9 علاوة على ذلك، استطاع النظام، من خلال التحايل على بيروقراطية الجيش الرسمية، أن يتفاعل سريعاً مع الصراع المتفاقم. رَدُّ النظام على التظاهرات في مدينة حمص المركزية في أيار/مايو 2011، في ظلّ وجود مراقبين دوليين، يُظهِر كيف حصل ذلك. فبغية تضليل مراقبي الأمم المتحدة، زوّد أعضاء في النظام للضباط والجنود المحليين هويات مدنية وبزّات شرطة، ونشرهم إلى جانب المتظاهرين، فاستطاع النظام بذلك أن يتملّص من الاتهامات بأن الجيش قمع الاحتجاجات بشكل عنيف.10 التحصّن في الأرض السورية صمد الجيش في بقاع أساسية من الأراضي في وجه تقدّم المعارضة منذ العام 2012، وذلك جزئياً بفضل تنظيمه المناطقي للفرق القتالية. كانت كل فرقة تعيّن في منطقة محدّدة، وفي قسمٍ من الأراضي المحيطة. قيادة الفرقة تقع في تلك المناطق، كما منشآت التدريب، ومخازن الوقود، ومستودعات الذخيرة والمعدات، والمساكن العسكرية. وتشكّل هذه المنشآت، إلى جانب أي مراكز سكانية ومنشآت مدنية مجاورة تقع ضمن منطقة عمليات الفرقة، وحدةً إداريةً معقّدةً تُعرَف بالقطّاع. من خلال تَحصّن كل فرقة في قطّاع ما، تصبح مهنة الضابط وحياته متشابكتَين مع فرقة الجيش المحدّدة والقطاع حيث يتواجد الضابط والفرقة. وهذا الأمر حال دون انشقاق الضباط. وفي المقابل، يمنح الجيش قائد الفرقة تفويضاً مطلقاً للتصرّف بالمنطقة التي يُشرِف عليها. وقد أُضفي الطابع الرسمي على هذه الصلاحية في باب القانون العسكري السوري المتعلّق بمسؤوليات الضباط، وينصّ على أن “القائد يستطيع التعامل مع أي حَدَثْ ضمن قطاعه، من دون طلب إذن القيادة [وزارة الدفاع في دمشق] إن لم يكن ثمة تواصل أو في الحالات الطارئة”.11 أسّس الرئيس حافظ الأسد نظام القطاع بدايةً في العام 1984 بهدف تحييد الطموحات السياسية لشقيقه رفعت، بعد أن بدا أن مرضاً ألمَّ به لفترة وجيزة وشرّع الأبواب أمام خلافته. وبعد إعادة توكيد سيطرته واستئناف مهامه الاعتيادية، عيّن حافظ الأسد رؤساء عددٍ من فرق الجيش والقوات الخاضعة إلى قيادتهم في قطاعات محدّدة، للحؤول دون حصول أي تحدٍّ لحكمه. هذا الانتقال إلى نظام القطاع مكّن القادة من تشكيل إقطاعيات في مناطق أساسية من البلاد حيث تقع هذه القطاعات. على سبيل المثال، خلال تسعينيات القرن الماضي، سيطر قائد الفرقة الأولى، إبراهيم الصافي، على بلدة الكسوة والمناطق المحيطة بها على مشارف دمشق، حيث تواجد قطاع الفرقة الأولى. ولاستعراض سطوته، بنى بشكل غير شرعي منزلاً صيفياً خارج محيط القطاع، بالقرب من مساكن المدنيين في الكسوة – ولم يلقَ سوى معارضة ضئيلة، هذا إن وُجِدَت.12 في الوقت نفسه، استطاع الرئيس استخدام نظام القطاعات للحدّ من نفوذ قادة الفرق، بتأليب أحدهم على الآخر، وبالتالي تجنّب أي عمل مشترك بينهم من شأنه أن يؤدّي إلى انتزاع السلطة عبر انقلاب عسكري.13 قدرة الجيش على الصمود في آذار/مارس 2011، كان الجيش السوري يتألّف من اثنتي عشرة فرقة، تركّز ثقلُ توزّعها على قطاعاتها بشكل كبير في جنوب البلاد وجنوب غربها الأقرب إلى إسرائيل، ماعكس الاعتبارات الاستراتيجية لسبعينيات وثمانينيات القرن الفائت. كانت الفرقتان الخامسة والتاسعة، ولاتزالان، متمركزتَين في ضواحي مدينة درعا الجنوبية؛ أما الفرقة الخامسة عشرة فتتواجد في السويداء، التي تقع أيضاً في الجنوب؛ وثمة ست فرق حول دمشق؛ وتتمركز الفرقتان الحادية عشرة والثامنة عشرة في حمص؛ أما الفرقة السابعة عشرة فتتواجد في الرقة. مع تقدّم الصراع، احتفظ الجيش السوري بقبضته على الأراضي محقّقاً نجاحاً أكبر بكثير في المناطق التي يقع فيها قطاعٌ متحصّن. ومع أن مساحات واسعة من البلاد سقطت في أيدي قوات المعارضة، بقيت فرق الجيش كلها متماسكة، وهي لاتزال تقود قطاعاتها. الاستثناء الوحيد هو الفرقة السابعة عشرة في الرقة، التي هزمها تنظيم الدولة الإسلامية في صيف العام 2014. والحال أن هذه الفرقة كانت أقلّ تحصّناً في قطاعها من الفرق الأخرى، نظراً إلى أنها كانت أُنشِئَت حديثاً بعد اجتياج العراق بقيادة الولايات المتحدة في العام 2003. في المقابل، نُشِرَت ألوية الجيش في محافظة حلب في المناطق حيث لاتوجد قطاعات عسكرية، ثم انسحبت لاحقاً تحت وطأة تقدّم المعارضة. تلك كانت الحال أيضاً في العام 2012 في محافظة إدلب، حيث أقام الجيش مجمّعاً عسكرياً كبيراً لإيواء الألوية والوحدات التابعة لفرقٍ عدة تعمل في منطقة المسطومة. لم تكن القاعدة العسكرية الواقعة هناك جزءاً من قطاع أُقيم منذ أمد، فسقطت في غضون شهر بعد محاصرتها في نيسان/أبريل 2015 – وانسحب الجيش من دون أن يبذل جهداً جدّياً للحفاظ على موقعه. لكن في قطاعات درعا المُنشَأة منذ وقت طويل، تخضع الفرقتان الخامسة والتاسعة في الجيش إلى حصار أطول مدةً وأشدّ ضراوة من حصار إدلب، ومع ذلك واصلتا السيطرة على المنطقة.14

  • Social Links:

Leave a Reply