عـلـي الـعـائــــد
يبدو داعش كفاصل إعلاني في فيلم “ميزوبوتاميا”، أو “سوراقيا”، على الرغم من ضجر متابعي التلفزيون من الفواصل الإعلانية أثناء عرض الأفلام. لكن المنصفين يقرون بفائدة الإعلانات التي تموِّل عرض هذه الأفلام، كونها توفر على المتابعين الوقت، والمال، حين يشاهدون هذه الأفلام في بيوتهم بدلاً من صالات السينما .
المشهور أن داعش لا يدفع مالاً للمخرج الأمريكي وأتباعه في سوريا، وفي العراق، ولا يقبض مالاً، بعد أن “خلص حقه” من التابع والمتبوع، واستخلص النفط لنفسه، كأهم مورد اقتصادي في البلدين. لكن الحقيقة تحتاج إلى وقت كي يخبرنا بها واش من مقام “ويكيليكس”، أو تكشفها لنا وثاثق مخابرات “محترمة” : من أين أتى داعش، ومن أين يمول “دولته” ؟
في الرقة، اليوم، والآن، مصادر المعلومات الشحيحة للسكان هناك هي الشائعات، بعد أن قضى داعش على آخر التلفزيونات في المدينة قبل شهر . ومنذ السبت، لا أخبار خاصة تردنا من المدينة .
الأحد، فقط، أعلنت ناطقة باسم “قوات سوريا الديمقراطية” عن بدء معركة (غضب الفرات)، لكن الأهالي لا يعلمون بذلك إلا كونه إشاعة من ضمن ما يعتاشون عليه من القيل والقال من أعلى مستويات الديبلوماسية العالمية التي تحب داعش وتكرهه .
في العادة، يكون السلاح قد بدأ فعلاً عمله عند الإعلان عن معركة تحمل هذا الاسم الشاعري . الشاعرية ، بالطبع ، من الفرات ، و ليس من الغضب ، فنهر الفرات مرتبط بالشعر في ذهن أبنائها ، و بكل الخير ، في مدينة شبه صحراوية ذات تربة جيدة الخصوبة يقتلها العطش إذا ابتعدت عن النهر عشرين كيلومتراً فقط .
استبق داعش النوايا الديبلوماسية، وبيان “الماجدة” الكردية التي بشرت الرقة بـ”التحرير” من براثن داعش، بتشديد قبضته على حدود المدينة، فقبض على عدد من المهربين وأعدمهم بالسيف، ليس فقط بدعوى تهريب المؤمنين إلى بلاد الكفر، بل بالاحتساب، للنهي عن المنكر، واحتساب مزيد من الحسنات في كفة ميزان الأمر بالمعروف الخاص بـ”خليفة المسلمين” وعماله في ولاية الرقة .
والمهربون هؤلاء امتهنوا تهريب سكان المدينة إلى خارج حدود المحافظة، في اتجاه الحسكة، أو حماة. وفي حال كان الهروب إلى شمال حلب وإدلب، سيستلمهم مهرب آخر في الطريق إلى تركيا .
احتساب داعش في الرقة خاصة، وظاهرة المهربين، لا يقارن بما يجري في الموصل، فمحتسبو داعش يهددون السكان هناك باستيراد محتسبي الرقة إن لم يلتزموا بالتعاليم “الشرعية” طوعاً .
في الرقة، التزم جزء من السكان بقاعدة “رجالها لمن غلب”. وهذا الجزء في الأصل هم أصوليون في تدينهم في محيط شيعي المزاج والتراث، سني المذهب، وباعتدال أقرب للكفر حسب مقاييس داعش .
و هنالك من انخرط في التنظيم ممن كانوا في خدمة النظام السوري ، و استزلموا للفروع الأمنية التي كانت فوق أي سلطة مدنية ، أو أي عرف عشائري .
الرقة الآن محاصرة من حسبة داعش، وحسبة قوات الماجدة الكردية، بالبروباغندا المملة التي عرفناها عن قوات حماية الشعب الكردي، وقوات حماية المرأة، منذ معركة عين العرب – كوباني، عندما صدرت صورة الشابة الجميلة المسلحة، والأم التي ترضع طفلها وهي تستند إلى الكلاشينكوف .
ليست مشكلة أن تكون المرأة في جيش، أو في ثورة مسلحة، تتدرج مهامها بين الإدارة والدعم اللوجيستي، وصولاً إلى القيادة حتى منصب “فيلد مارشال”، حسب التسميات الأمريكية. المشكلة هي في فقدان الثقة المتبادل ما بين الأكراد ومواطنيهم السوريين من العرب. فقدان ثقة متبادل، بل وقاتل، حسب ما نتابعه على صفحات فيس بوك، فالعرب هم “بواقون الدجاج” (سارقو الدجاج) في خيال بعض الأكراد، و”مستوطنون” (كذا) في نظر آخرين، والكردي انفصالي يريد أن يقتطع جزءاً من الجغرافيا السورية غير المتعينة أصلاً ضمن حدود سايكس بيكو الرسمية .
صور المقاتلات الشابات الكرديات الجميلات بـ “الهبرية الموصلية” الجميلة ، التي تكاد تنقرض في عصر الحجاب ، والجينز ، وبرقع داعش ، فكرة جميلة للتذكير بجوهر المدينة المعتدلة في إسلامها السني ، و للتذكير بتواقت معركتي الموصل و الرقة ، المدينتين الأسيرتين في سجن داعش، لكن ذلك لن يغطي على وضوح البروباغندا في الصور التي بدأت تنتشر، فأصدقاء أكراد، حقيقيون و افتراضيون ، دخلوا في جدل في ما بينهم عن جدوى أن يدفع الأكراد دماً في منطقة لا تنتمي إلى “روج آفا – كردستان الغربية” ، مقابل قلة منهم تعتبر ذلك واجباً إلى جانب مقاتلين من العرب والتركمان لتحرير جزء من سوريا من داعش ، الذي يناصب جميع السوريين العداء . و هنالك فئة ثالثة تنظر إلى اشتراك الأكراد في تحرير الرقة كخطيئة ستزيد من سوء التفاهم القائم بين الكرد و العرب .
أما عن مزاج العرب ، و الرقيين خاصة ، فإنهم يرون أن الأكراد سيكونون غزاة للرقة، ولن يختلف الأمر على سكان الرقة عند استبدال داعش بالأكراد ، و الحالة ستكون مجرد تبديل سيطرة مدمرة للمدينة ، و ليس تحريراً .
في النتيجة ، الأمور ستجري دون إرادة من سكان الرقة المحاصرين الآن بقوتين غير مرغوب فيهما، ومن غير إرادة الأكراد، ورغماً عن أنف تركيا، على الرغم من تأكيد الماجدة أن قوات تركمانية ستكون في عداد “المحررين” .

Social Links: