فالح عبد الجبار
3ـ درس ماركس المكونات القطاعية للرأسمالية على اساس ثنائي:
القطاع الاول (انتاج وسائل المعيشة).
القطاع الثاني (انتاج وسائل الانتاج).
تطورت هذه البنية القطاعية في عدة اشكال تبعا لمستوى تطور القوى المنتجة. فكلما ازدادت القوة المنتجة تعاظما، قل العمل الضروري اللازم لانتاج وسائل المعيشة ووسائل الانتاج اللازمة لها. وزاد العمل الفائض المكرّس للحاجات الاخرى. ويلاحظ ان لدينا في الاقل ثلاث بنى قطاعية، حاليا :
3ـ أ ـ الرأسمالية المتطورة ـ تحركت على النحو التالي:
بلغ التصنيع والانتاجية الرأسمالية شأنا عظيما اليوم بحيث ان قطاع “صناعة الثقافةculture Industry ” يستوعب اليوم 40% من قوى العمل في الولايات المتحدة مثلا.
3ـ ب ـ رأسمالية الدولة الاجتماعية (البلدان الاشتراكية):
لم تستطع دول التجربة الاجتماعية الوصول الى قطاع خدمات متطور، او قطاع خامس اكثر تطورا. وبقيت عواصم مثل موسكو ووارشو، تفتقر الى جهاز استنساخ، او فاكس، حتى الثمانينات!
3ـ ج ـ رأسمالية الدولة الخليطة
يفتقر هذا النموذج الى القطاع الثاني، الذي تقرر الانتاجية فيه مستوى تطوير ما يليه من قطاعات. كما يتميز بضعف القطاع الاول (انتاج وسائل المعيشة)، ولما كان الريع المستمد من الصناعات الاستخراجية (النفط) او بيع الخدمات السياسية والامنية والعسكرية للدول الغنية، عرضة للتقلب، فان التطور السريع لقطاع الخدمات يقف على رمال رخوة.
الخلاصة : المكونات القطاعية في تغير وتحول مستمرين، وان هذه التحولات مقبلة على ثورة كبرى، في حال تعميم الاتمتة.
4 ـ يتميز النظام الرأسمالي العالمي اليوم بتداخل واسع ومتشعب، يزج شعوب الارض قاطبة. ولم يعد هذا النظام معتمدا على دولة ضامنة (انجلترا في القرن التاسع عشر، واميركا حتى عام 1973، عام سقوط اتفاقية “بريتون وودز” الضامنة للمبادلات العالمية بالدولار).
ويتسم الوضع الحالي بأن التأثيرات المتبادلة للانتاجات القومية (كوحدات مؤلفة للبنية الكلية) يخلق وضعا خارج سيطرة أي وحدة منفردة فيه، مما يدفع باتجاه العمل الجماعي (الاتحاد الاوربي، مجموعة السبعة ـ صارت ثمانية ـ الكبار).
لاحظ مثلا التدخل الهائل لمعالجة الانهيار المالي في المكسيك (ضخ عشرات المليارات)، او معالجة الوضع الكوري الجنوبي (احد النمور الآسيوية)، او معالجة الوضع الاندونيسي. لقد ضخت الرأسمالية العالمية، عبر قنواتها الناظمة (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي) ما يقارب 200 مليار دولار لمعالجة أزمات ثلاثة بلدان ليست متطورة ولا اساسية في المنظومة.
والاستنتاج الاولي، ان المنظومة الكونية للرأسمالية لا تستطيع العمل بصورة متسقة، سلسلة، خالية من الأزمات، الا بسير كل اجزائها سيرا “طبيعيا”! بتعبير آخر ان منابع الأزمة في الرأسمالية عممت على سائر مكونات المنظومة، بدرجات متفاوتة الشدة بالطبع. كما ان الجهد التدخلي التنظيمي بات اكبر وأوسع. ولكن ماذا سيحصل، ومن سيضخ لمن، اذا اندلعت الأزمة في اكثر من موقع، وفي آن واحد!
بودي الاسترسال حول تحويرات بنية الانتاج (حلول الآلات محل العمل الفكري)، وتحويرات قانون القيمة الماركسي (الخاص بسلع الصناعات التحويلية) الى مظاهر جديدة لقوانين سلع صناعة الثقافة (دقيقة اعلان بخمسة ملايين جنيه، او سعر لاعب كرة قدم بـ55 مليون جنيه، او سعر صورة او صوت لمغن شهير… الخ).
ان “موت” الماركسية “المعلن” سيثبت زيفه في اول أزمة واسعة، آتية. والغريب، كما تقول احدى الصحف الليبرالية البريطانية، ان “اتباع” ماركس، يهجرونه، اما المنظمون الرأسماليون فيعيدون اكتشافه! ويعلنون بدهشة: ان توقعات ماركس حول سيطرة الاقتصاد على السياسة صائبة، وتتحقق الآن امام ناظرينا، وان الأزمات المصاحبة للنمو، جزء من التكوين البنيوي للرأسمالية.
هذه المفارقة مفهومة. فـ”الاتباع” يهجرون الماركسية بصيغتها الميتة، أي التي عرفوها ناقصة مشوهة، اما الرأسماليون فقد تحرروا من عقدة العداء لماركس، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وصاروا يرونه بتوازن اكبر. ما احوجنا الى ان نصاب بعدوى رؤيته بتوازن اكبر، ووضوح اشد.
خامسا : الماركسية والدولة ..
بعد الرأسمالية، او الرأسمال، تأتي الدولة في التسلسل التالي لمشروع دراسة ماركس، وهو المشروع الذي لم يتحقق، لسوء حظنا.
شدد انجلز على الطابع القمعي كوظيفة اولى واساسية للدولة الحديثة في العهد الرأسمالي. وفعل ذلك بصورة مطلقة. كما شدد انجلز (كتاب اصل العائلة والملكية الخاصة والدولة) على ربط نشوء الدولة بالصراع الطبقي اساسا. وفعل ذلك صورة مطلقة.
اما ماركس فانه قبل بهذا التحديد، ولكنه اضاف عليه ابعادا كثيرة منها: علاقة الدولة بالمجتمع المدني، علاقة الدولة بالطبقات، استقلال الطبقة السياسية (القائمة على اجهزة الدولة) استقلالا نسبيا عن الطبقات المالكة، التمايز البنيوي للدولة من حيث مؤسساتها. لكن ملاحظات ماركس، للأسف، لم تحظ بالاهتمام الكافي قبل ان يتحرك العقل الماركسي رالف ميليباند، الذي نبه الى هذه المسائل وغيرها.
اوردت الدراسات الانتروبولوجية للحضارات القديمة، ان الدولة نشأت كجهاز حماية لدولة ـ المدينة (اثينا، روما، بابل، الانكا، الصين، مصر القديمة) ضد البوادي، أي ليس لقمع جزء اجتماعي داخلي، بل لصد جماعات خارجية. بتعبير آخر ان نشوء الدولة يرجع الى التضاد بين الشكل المستقر للمجتمعات البشرية (المحمية بالاسوار) والشكل المترحل (البدو بلغة العرب والبرابرة بلغة الاغريق)، كما يرجع، لاحقا، الى التضاد بين مراكز الحضارة نفسها. فلم يكن عبيد هذه المدن بحاجة الى ادوات لجم مادية، ذلك ان الدين والاعراف، وانغلاق الطبقات القديمة، وحرمة الاتصال فيما بينها، كانت جزءا من التقاليد والعبادات الكفيلة بالضبط المجتمعي. ولم تقم الدولة بوظيفة قمعية ضد العبيد إلا بعد فترة طويلة من نشوئها وتطورها، وبعد نقل العبيد من الانتاج المنزلي، الى الانتاج الزراعي والمنجمي. ولم يحصل هذا التحول إلا بعد قرابة 3 آلاف عام من نشوء دولة المدينة!
اهمل الماركسيون ملاحظات ماركس عن الدولة كما اهملوا تحليل الدولة الحديثة من حيث :
انها ممثل لجماعة قومية محددة (الاهتمام بنشر الثقافة القومية، وتوحيد اللغة عبر اجهزة التعليم).
انها لبنة في المعمار الرأسمالي العالمي.
انها تتولى وظائف انتاجية وثقافية.
انها تمتاز بتكوين بنيوي متباين من حيث المؤسسات ودرجة تمايزها.
انها تحتاج دوما الى مصادر شرعية (الدين، الايديولوجيا، التعاقد الاجتماعي… الخ).
انها ذات علاقات متباينة بالمجتمع المدني… الخ.
هذا التذكير مفيد لنبذ الفكرة التبسيطية عن الدولة الحديثة كنتاج للرأسمالية وحسب!
فاذا كانت الرأسمالية واحدة، فما الذي يفسر لنا نشوء عدة اشكال من الدول داخل نمط الانتاج الرأسمالي، بل داخل بلد واحد، ولماذا تبرز دولة الملكية المطلقة، او دولة الملكية الليبرالية المقيدة، او الدولة البونابرتية، او الدولة الفاشية، او الدولة التقليدية القرابية، وهلمجرا كلها داخل التشكيلة الرأسمالية الواحدة.
قلت في مبحث مطول (ماركس والدولة ـ النظرية الناقصة) (5) ان ماركس ترك لنا الحقل فارغا، وان “هذا الحال يستثير تعاسة الدوغما بلا ريب، ولكن من أين نأتي لها باستقرار الاشياء وهنائه في عالم التنوع المناكد؟(6).”
اقول هذا لأننا بحاجة الى دراسة الدولة في عالم اليوم بوجه عام، ودراسة الدولة في عالمنا العربي، وفي العراق تحديدا، اضافة الى حشد من الدراسات التطبيقية. وبودي اقتراح عدد منها للاطلاع، وبخاصة ما يتعلق منها بالتطور الديمقراطي، المفتاح نحو مجتمع يدير صراعاته بصورة قانونية، مؤسساتية، سلمية، مع ادراكي ان هذا الافق بحاجة الى مدى تاريخي كامل كي يتحقق في بلد مثل العراق انحطت فيه الروابط المدنية الحديثة الى ادنى مستوى من السقوط(7).
ان الديمقراطية الرأسمالية، هي الممهد التاريخي الحضاري، نحو أي افق ما بعد رأسمالي يمكن تخيله، ولا يشفع لنا ان العالم يتقدم الى ما بعدها.
سادسا: الماركسية والقومية
تعتبر الدولة القومية (nation – state) شكلا جديدا للتنظيم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي، ملازم للعهد الصناعي الرأسمالي. فالجماعات البشرية التي كانت تتحدد بالانتماء الى قبائل وعشائر، او دول مدينة، ومقسمة الى احياء وبيوتات واصناف، صارت تعيش في مجال واحد موحد، محدد سياسيا بالدولة المركزية ذات التخوم الجغرافية المثبتة، ومحدد ثقافيا باللغة (او مزيج الدين واللغة، او مزيج اللغة والعرق)، ومحدد اقتصاديا بالسوق القومي، ومحددا اجتماعيا بالمؤسسات المجتمعية.
ان عمر هذا التنظيم الجديد للبناءات المجتمعة لا يزيد عن 3 قرون.
اعتبر هذا الشكل الجديد (الدولة القومية)، في اطار الماركسية، بمثابة ثمرة للتطور الرأسمالي بما فيه من (أ) نظم اتصال مادية (سكك حديد، سفن بخارية وخطوط تلغراف) تسهل التبادل التجاري وتسند تقسيم العمل المتشعب. وبودي ان اضيف معمارين هما: (ب) نظم اتصال ثقافية: لغة موحدة، وسائل طباعة (صحيفة… الخ)، تشكل اداة التفاعل. (ج) نظم ادارة سياسة مركزية – جهاز اداري موحد، نظام قضائي موحد، جيش دائم… الخ.
اعتبر ماركس تطور الدولة القومية نتاج عملية ارتقاء تطوري مديد، وانتقال من مستوى انتاج ما قبل رأسمالي الى رأسمالي حديث.
ونلاحظ هنا ان اولى الدول القومية نشأت عفوا، أي بدون وجود “حركات قومية” او “ايديولوجية قومية”. لكن دول الموجة الثانية قلبت التسلسل: ابتداء من حركات وايديولوجيا قومية، وصولا الى دولة قومية مركزية حديثة.
لاحظ احد المفكرين ان ماركس، الذي امتاز بعين ثاقبة لكل ما هو جديد، طرح بديله الأممي (العالمية ما فوق القومية) في القرن التاسع عشر تحديدا، وهو قرن الموجة الثانية للقومية (المانيا، ايطاليا، ثم بولندا والشعوب السلافية لاحقا).
ورث ماركس، شأن اوغست كونت، وسان سيمون، النظرة الارتقائية لمفكري اواخر القرن الثامن عشر، وهي النظرة القائلة بأن الدولة المركزية (= الدولة القومية) هي لحظة عابرة في التطور، وان تجاوزها الى رحاب العالمية (الاممية) ضرورة واتجاه محتوم للتطور.
هذا الاستنتاج اغفل واقعة ان الرأسمالية اذ ترسي الاساس للعالمية، فانها انما ترسيه بتوسط الدولة القومية. وبالفعل فان التطور العالمي سار في اتجاه توطيد الدولة القومية على امتداد القرن التاسع عشر (بوتيرة بطيئة) ثم القرن العشرين، بوتيرة متسارعة، كان آخر موجاتها تفكك يوغسلافيا الى مكوناتها القومية، وقبلها تفكك باكستان (الى بنغلاديش وباكستان)، وتفكك جيكوسلوفاكيا، والاتحاد السوفييتي نفسه، الى مكوناته القومية.
وبينما يحث التطور العالمي توطيد الأسس لتجاوز الاطار القومي (الاتحاد الاوربي)، فانه ما يزال يواصل بقايا العملية الاخرى: ونشوء دول قومية (فلسطين الآن، والاكراد مستقبلا).
واليوم فان العالمية التي توقع لها ماركس ان تتحقق وتتجاوز الدولة القومية بسرعة (خلال حياته؟ ربما) خرجت من اطار الدولة القومية الى الكونية، أي اقتربت من النموذج النظري، الذي استبق الواقع. ماذا حصل للحركات الاشتراكية والشيوعية خلال هذه الفترة.
1 ـ في الطور الاول (ماركس، روزا لوكسمبرغ، كاوتسكي، ولنين ايضا) – ازدراء النزعة القومية، واعتبار الدولة القومية لحظة عابرة، يتم تجاوزها بفضل الاممية التي ترسي الرأسمالية ركائزها المادية والثقافية.
2 ـ في الطور الثاني (لينين ـ ستالين) قيام الحركات المنتصرة ببناء دول قومية، والاعتراف بها كلبنة من لبنات معمار العالم المعاصر، لبنة ضرورة باطلاق.
لقد انحبست كل الحركات العمالية في اطرها القومية، الى حد التطابق.
3 ـ واليوم، اذ تبدأ عملية الخروج من الأطر القومية الى العالمية (الكونية، العولمة) يقف اليسار مرتعبا من ذلك، متشبثا بالماضي، بعد ان عاش جل القرن العشرين داخل الاطار القديم، بتعبير آخر بينما يبرز اساس متين للأممية، تبقى اشكال الفكر والممارسة حبيسة الاقفاص المحلية.
سابعا : الماركسية والعولمة ..
ينبغي ابتداء التمييز بين العولمة globalization كعمليات موضوعية، ومذهب (او مذاهب) العولمة globalism، أي التفسير الايديولوجي لهذه العمليات، والبرامج السياسية المشتقة منها.
ان اغلب الدراسات الجادة (الماركسية وسواها) يشير الى ان العولمة هو الاصطلاح الذي يطلق على كل العمليات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي تجري خارج سيطرة الدولة القومية بوصفها وحدة للتحكم، بعد ان كانت هذه العمليات تنطلق اساسا من الدولة القومية باعتبارها المرجع والاطار المقرر، أي أداة التحكم والفعل.
ان قصر العولمة على الجانب الاقتصادي وحده (فتح الاسواق، اسواق السلع والمال، وفتح عمليات الاستثمار والتبادل بتجاوز أي سلطة سياسية قومية) هو قسر فكري، اختزالي وضار الى أبعد حد.
ان نظم الاتصال عبر الاقمار الصناعية، وتدفق المعلومات، والتسخين الكوني، واوضاع البيئة، الفقر، الاوبئة، الانفجار السكاني، الجريمة المنظمة، الهجرة المتبادلة هي جزء من عمليات العولمة، شأن تدفق السلع والرساميل والخدمات، وايضا (بحدود مقيدة) حركة قوى العمل.
وتنشط في العالم جملة هائلة من المؤسسات والآليات فوق القومية، من الأمم المتحدة، الى محكمة العدل الدولية، الى صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومحكمة العدل الاوربية، مرورا بعشرات الآلاف من المنظمات الاجتماعية، والمعاهد والجامعات (بحدود ما هي مستقلة).
تطرح العولمة كاطار موضوعي عام لتطور المجتمعات الحديثة باشكالها الرأسمالية المتنوعة، جملة تناقضات منها:
أ ـ ان خروج هذه العمليات عن سيطرة الدولة القومية، يعطي للشركات العملاقة، باعتبارها قوى اقتصادية ناشطة، سلطة وسطوة فوق سلطة الدولة.
وهذا يطرح الاشكال التالي من زاوية التطور الديمقراطي في العالم المتقدم (حيث الديمقراطية تحصيل حاصل): كيف يسع التكنوقراط، وهو غير منتخب وغير مخول ان يقرر ويحسم، في حين ان الطبقة السياسية المنتخبة بالاقتراع والمخولة، لا تستطيع ان تقرر وتحسم. من يحكم؟ هذا السؤال يستثير العقول ويحفز على الآتي:
(1) تشكيل حكومة عالمية.
(2) تشكيل مؤسسات فوق قومية جديدة، ذات طابع ديمقراطي. (بيان ستوكهولم).
ب ـ اتجاه العلاقات الدولية نحو الفوضى الكاملة، بموازاة سعي الولايات المتحدة الى التصرف المنفرد، في الوقت الحاضر، وبموازاة نبتات كارتلات سياسية جديدة (صعود اوربا الموحدة).
ج ـ احتدام التوتر الثقافي، نظرا لانحباس الثقافات في اطر ثلاثة: اطار قومي، (دولة)، ما دون قومي (جزء من بلد)، وما فوق قومي. ويحتدم الصراع بفضل ظاهرتين متعاكستين:
(1) نشاط الثقافات المحلية في ازدياد.
(2) وسائل الاتصال الالكترونية تفتح له المجال للانتشار ما وراء الاطار المحلي.
د ـ ان تطور العولمة يذكي من ناحية انتشار قيم الديمقراطية، والعلم، والشفافية، وحرية المعلومات، ويدفع باتجاه الليبرالية السياسية (= الديمقراطية البرلمانية) من الوجهة الثقافية، لكن انفتاح الاسواق، وانفلات التطور الرأسمالي المفتوح، يستثير حركات احتجاج عارمة، تدفع النخب السياسية الى تشديد الاستبداد او انماط الحكم التسلطي.
بتعبير آخر، ان الليبرالية الاقتصادية، وان كانت (بالمعنى التاريخي العام) الاساس الموضوعي لليبرالية السياسية، تعمل، في ظروف العالم النامي وسط ظروف العولمة، باتجاه كبت الليبرالية السياسية.
هـ ـ اخيرا، ان الحركة المدومة للعولمة، تخلق، رغم نشرها للعلم والتكنولوجيا، حالة من انعدام اليقين تذكي النزعات الصوفية، والغيبية (وهذه احد منابع بروز الدين بقوة في حياة كثرة من البلدان المتقدمة والمتوسطة والمتخلفة ـ باستثناء اوربا الغربية).
بتعبير آخر ان التقدم العلمي التكنولوجي، يذكي “تقدم” اشكال الفكر ما قبل العلمي. هذه بعض اوجه عمليات العولمة.
هناك ثلاثة استجابات ايديولوجية عامة للعولمة، هي :
1 ـ الاتجاه الليبرالي ـ الذي يحيي العولمة باعتبارها انتصارا للعقلانية، الرأسمالية، وانتصار الاقتصاد على السياسة، او فك حركة الرأسمال عن الدولة، كما دعا اليه أباء الليبرالية الكلاسيكيين (آدم سميث). وهو يدفع باتجاه الهجوم على نظم الرفاه الاجتماعي، وتأمين مناخ حرية كامل في ارجاء المعمورة.
2 ـ الاتجاه القومي والماركسي المنغلق، الذي يعيش في الماضي، ويعارض العولمة، جملة وتفصيلا.
3 ـ الاتجاه الماركسي النقدي، وايضا الليبرالي النقدي (سوروش، أتالي) الذي يدعو الى تطوير حكومة عالمية، واشكال لجم عالمية لحركة الاسواق، ومعارضة كل الاوجه السلبية لهذه الظاهرة، دون اغفال الطابع المزدوج للعولمة، وجوانبها الموضوعية.
ان العمليات التاريخية في المرحلة الراهنة، وان كانت تتسم بموضوعية، فان حقل الموضوعية هذا ناجم عن الفعل البشري المنفتح في كل لحظة على امكانات متعددة، وخيارات. فالتاريخ، كما يقول ماركس، عملية من صنع البشر، وان كانوا يصنعونه في شروط معطاة ومنقولة من الماضي.
لندن
كتب بالاصل في 4 ـ 14 ـ أب 2000
Social Links: