عبد السلام أديب
من خصائص سياسات تدبير الأزمة أنها أدت وستؤدي حتما الى تصاعد مقاومة الطبقة العاملة والمضطهدين وأن تشكل قاعدة مادية لنهضة جديدة للصراع الطبقي من أجل التحرر الوطني والاجتماعي والتطور نحو أزمة ثورية عالمية.
من بين النتائج الرئيسية للازمة المالية والاقتصادية العالمية 2008 – 2014 ظهور بطالة كثيفة وسوء تشغيل متزايد بشكل متواصل وتقليص عام في الأجور وزيادة في وثيرة العمل واستغلال متزايد الحدة للطبقة العاملة وأيضا للموارد الطبيعية مرفوق بتفكيك تريجي ومتزايد للمرافق العمومية والمكتسبات الاجتماعية ورفع معدلات تضريب أكثر ثقلا على كاهل الجماهير.
وقد تميزت سياسات تدبير الازمة باعتمادها بشكل متواز مع تعميق استغلال المأجورين، تتمظهر في التدابير التالية:
– مرونة متزايدة في ساعات العمل؛
– زيادة في توتر ومدة العمل؛
– امتداد مدة العمل بالليل وخلال العطل الأسبوعية؛
– تقليص الإعانات الاجتماعية،
– اعتماد الأجور الصغيرة؛
– وأجور الأكثر صغرا،
– فقدان الحقوق الاجتماعية؛
– عدد متزايد من المستخدمين ذوي العقود المؤقتة ذات المدد المحدودة وعبر شركات المناولة، ويهم ذلك على الخصوص النساء والشباب.
ورغم مأساوية هذا الوضع الجديد للطبقة العاملة فإنه يتيح لها في اطار منظمات دفاعها الذاتي رفع سقف صراعها الطبقي من أجل شروط أجرية أفضل وشروط عمل أحسن وشروط حياة أفضل ومن أجل تحررها الاجتماعي، كما توسع مجال التضامن الشعبي والمقاومة.
ويقود الصراع التنافسي بين الامبرياليات وتابعيها حول الأسواق واليد العاملة الرخيصة والمناطق الغنية بالمواد الأولية ودوائر النفوذ، الى تصاعد وثيرة استغلال وقمع أكثر فأكثر شراسة داخل بلدان الاستعمار الجديد، للمحافظة على الشروط التنافسية القائمة. ويدفع هذا الوضع الى تفاقم أزمة الاستعمار الجديد كنتيجة كامنة تسير بالموازاة مع الأزمة المزمنة للمديونية وتقود نحو الإفلاس الاقتصادي والسياسي لعدد متزايد من هذه الدول.
مع التنظيم الجديد للإنتاج العالمي وهيمنة الرأسمال المالي الدولي، فإن الإنتاج والاستهلاك الرأسمالي لا يشتغلان الا على أساس التدمير الكثيف والمتواصل للموارد الطبيعية المختلفة مما يعمق الأزمة الايكولوجية المزمنة ويدمر أساسات الوجود الطبيعي للإنسانية والتوجه نحو كارثة ايكولوجية كوكبية.
على المستوى معالجة الأزمة على حساب رسملة الإنتاج الفلاحي فقد عمد الرأسمال المالي العالمي الى التدمير الكتيف لمئات الملايين من استغلاليات صغار ومتوسطي الفلاحين والاستحواذ على مساحات فلاحية متزايدة من أجل التصنيع الرأسمالي للقطاع الفلاحي في العديد من الدول التبعية للاستعمار الجديد مثلما يحدث قي المغرب عبر ما يسمى بمخطط المغرب الأخضر.
وتبدوا عواقب هذا المسار حتمية في الأفق القريب من خلال حدوث مجاعات وسوء تغذية، وهجرة قروية كثيفة وجيش احتياطي متزايد من العمال المهاجرين.
وتجذر الإشارة الى أن سياسات تدبير الأزمة أدت أيضا الى افلاس مئات الآلاف من المنتجين الصغار والمتوسطين نتيجة قيام الاحتكارات الكبرى بعكس التكاليف المتزايدة للأزمة على كاهل البرجوازية غير الاحتكارية وعلى أطراف رأس المال الاحتكاري التي لا توجد في ملكية رأس المال المالي المهيمن عالميا.
ومن بين انعكاسات سياسات تدبير الأزمة نقل مؤقت لرؤوس أموال ضخمة من البلدان الامبريالية القديمة نحو بلدان امبريالية صاعدة لم تتأثر بشكل مباشر بالازمة وتعرف نموا في استثماراتها ومن بين هذه البلدان مجموعتي البريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب افريقيا) والميست (المكسيك، اندنوسيا، كوريا الجنوبية، تركيا) مضاف اليها العربية السعودية وقطر والامارات العربية المتحدة والكويت. فقد ساهم هذا التدفق المالي الهائل نحو هذه البلدان في تعزيز قوتها الاقتصادية والمالية وتطلعها الامبريالي نحو توسيع مناطق نفوذها على حساب جيرانها بكافة الوسائل الاقتصادية والسياسية والعسكرية وحتى الأيديولوجية ونلاحظ ذلك في حالة العربية السعودية التي ما فتئت تمدد تأثير ايديولوجيتها الوهابية داخل البلدان العربية والإسلامية بل لجأت الى تمويل واسع للإسلام السياسي بمختلف البلدان لضمان استمرارية تأثيرها.
فنتيجة الصادرات الضخمة من رؤوس الأموال من طرف البلدان الامبريالية القديمة الباحثة عن الربح الأقصى منذ بداية الألفية الجديدة، فإن العديد من البلدان التي كانت في الماضي تحت التبعية للاستعمار الجديد تطورت من دول زراعية بالدرجة الأولى نحو بلدان رأسمالية صناعية. وعن طريق تكوين رأسمال احتكاري وبنيات احتكارية للدولة-الأمة انبثقت بلدان امبريالية جديدة مثل الهند والبرازيل وكوريا الجنوبية وافريقيا الجنوبية والعربية السعودية وتركيا. كما تطورت الصين كالإمبريالية اجتماعية نحو قوة اقتصادية وصناعية رئيسية، تصارع الى جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من أجل “الهيمنة” اقتصاديا وسياسيا.
وفي اطار سياسات الامبرياليات لتدبير الأزمة اللاهثة وراء الربح واحتلال مناطق نفوذ جديدة تخضع لقانون المنافسة بين قوى متعددة الأقطاب، تتفاقم التناقضات فيما بين الامبرياليتين القديمة والجديدة وتتعمق، الى درجة تهديدها بحرب امبريالية عالمية.
فتدويل نمط الإنتاج الرأسمالي أصبح يتم عبر ضبط من طرف الدولة-الأمة بشكل أكثر فأكثر تعقيدا، وأكثر فأكثر كلفة وفي نفس الوقت أقل فأقل فاعلية. كما تفاقم التناقض بين هيمنة احتكارات المنظمة على مستوى الدولة-الأمة، والاحتكارات المنظمة على المستوى الدولي، حيث بلغ درجة الخطورة القصوى. بحيث بلغ الصراع التنافسي الدولي درجة التصفية المتبادلة.
وأمام أزمة الأسواق الراكدة لجأت القوى الامبريالية كل منها على حدة الى توسيع الكثل والاتفاقات الاقتصادية الموجودة أو ابرام معاهدات تبادل حر جديدة وانشاء ابناك تنموية دولية متنافسة.
ثم ان حدوث هزات سياسية، ومالية، واقتصادية وإيكولوجية، واستمرارها في العديد من بقاع العالم يؤثر بشكل مباشر أكثر على التطور الاقتصادي مما يفتح المجال أمام خطر متواصل بانفجار جديد للازمة الاقتصادية والمالية العالمة.
وفي هذه الأثناء يخيم تضخم هائل للرأسمال المضارباتي بحيث أصبح ظاهرة أكثر بروزا في الاقتصاد العالمي وتهيمن أكثر فأكثر على الأحداث الاقتصادية والسياسية.
الصراع الطبقي في ظل تفاقم الأزمة ..
رغم قوة الرأسمالية وهيمنتها المطلقة عالميا، عسكريا وسياسيا واقتصاديا واعلاميا، إلا أن تناقضات النظام وأزماته الدورية تعتبر قاتلة، وبسبب هذه التناقضات والحلول المتطرفة التي تعتمدها البرجوازية للمعالجة الجزئية والمؤقتة لأزماتها الدورية تزيد من هشاشة النظام وتفككه اللولبي على كافة الأصعدة، تصبح الثورة البروليتارية العالمية ذات راهنية.
وبعيدا عن الصورة المثالية المنتشرة حول النظام الرأسمالي واعتباره كقضاء وقدر أو كمعطى طبيعي لا يمكن تغييره، فمن ألويات الوعي الطبقي البروليتاري تفكيك هذه الصورة المثالية وفهم تناقضاتها ومكامن ضعفها، مما يفتح المجال أمام الثورة البروليتارية العالمية.
فالرأسمال المالي المهيمن بدون شريك عالميا على قلب النظام الرأسمالي عبارة عن شريحة ضيقة من البرجوازية تهيمن على الاحتكارات العظمى الدولية والتي تقف على رأسها 500 احتكار عالمي الأكثر قوة، وتمارس هذه الشريحة سلطتها من خلال فرض قواعد والتزامات على كل دولة أمة على حدة. ويكمن الضعف الاستراتيجي لهذه الشريحة البرجوازية في مواجهة البروليتاريا الصناعية الدولية ان قوتها لا تقوم على قاعدة سلطة موحدة في ظل الامبريالية متعددة الأقطاب. فحتى تتمكن من المحافظة على هيمنتها وممارسة قمعها للجماهير البروليتارية المستغلة، فإنها في حاجة دائمة لتعاون التحالفات الطبقية المهيمنة على السلطة في مختلف البلدان الامبريالية.
وتجدر الإشارة هنا الى أن محاولات انشاء بنيات سلطوية دولية فشلت نظرا لارتكاز سلطة الاحتكارات الدولية على الدولة الأمة وعلى المصالح المتناقضة للمجموعات الاحتكارية.
وحتى تضمن البرجوازية العالمية والمحلية هيمنتها فانها تلتجأ الى عدة آليات للتلاعب بالرأي العام عبر وسائل الاعلام الحديثة وعبر ثقافة الجماهير البرجوازية الصغرى، وتعتبر البرلمانية والانتخابوية البرجوازية احدى الأساليب لإخفاء سلطة البرجوازية المهيمنة بدون شريك. كما تعمل التحالفات الطبقية البرجوازية عبر أحزابها ومركزياتها النقابية البيروقراطية كمرتكزات رئيسية وكأجهزة للتغليط وظيفتها هي ربط الجماهير العمالية المسحوقة طبقيا بالنظام الرأسمالي.
إن تعميم الديموقراطية البرجوازية ونظامها الانتخابوي التي تستعمل فيها مختلف انزاع التدليس الإعلامي والفساد المالي وفبركة الأغلبيات المصطنعة، تمكن البرجوازية المهيمنة من تغليط الجماهير العمالية والشعبية المسحوقة، كما تمكنها من اللجوء الى القمع والإرهاب السلطوي والقضائي والبوليسي من أجل نشر الرعب وفاشستية أجهزة الدولة وتصفية المعارضة الشعبية.
وتظهر أزمة البرلمانية البرجوازية وأحزابها ومركزياتها النقابية في المقاطعة المتزايدة للانتخابات وفي امتعاض الجماهير في مواجهة الأحزاب السياسية والمركزيات النقابية. ونشهد تجليات ذلك بشكل واضح في المشهد السياسي المغربي حيث تتوالد أحزاب جديدة وحركات إصلاحية يسارية تحريفية وأيضا أحزابا رجعية وظلامية فاشية عند اقتراب الانتخابات البرلمانية. ويستغل التحالف الطبقي الحاكم هذه الواجهة من أجل امتصاص الظروف الموضوعية للاحتجاجات الشعبية واحتواء التثوير الجماهيري.
إن تراكم سلبيات سياسات تدبير الأزمة على الطبقات الشعبية المسحوقة قاد مع مرور الزمن الى انهيار ركائز الأيديولوجية البرجوازية ولمعانها لدى عدد متزايد من شرائح الطبقات الشعبية فانفتح بذلك عهد ازمة الأيديولوجية البرجوازية على مصراعيه. منتقلة بذلك نحو اشكالها الأكثر رجعية، وأصبحت أقل فأقل تأثيرا على الجماهير، بحيث تجلى ذلك في مقاطعة متزايدة للانتخابات البرجوازية التي لا تخدم سوى السياسات البرجوازية العدوانية اتجاه الطبقات الشعبية.
ولمواجه الوعي الطبقي المتنامي وسط الطبقات الشعبية المسحوقة تلجأ البرجوازية المهيمنة من أجل تخريب الوعي الطبقي للطبقة العاملة أو لمنع تطوره الى مستوى أعلى، الى تطوير نظام متكامل من نمط التفكير البرجوازي الصغير بمختلف الوسائل الدعائية كالتلفزة والسينما والاشهار والندوات … الخ. وقد نجح هذا النمط في التفكير، الى حد ما، في تحويل اتجاهات الوعي الطبقي وتفكيك التنظيمات العمالية المناضلة واحباط العديد من المعارك الطبقية البروليتارية. كما نجح نمط التفكير البرجوازي الصغير من وجهة نظر سياسية في تقبل الطبقات الشعبية لسلطة الاحتكارات واسلوبها في ممارسة السلطة حكوميا، رغم لا شعبيتها. أنظر مثلا كيف نجحت حكومة بنكيران في تمرير العديد من القرارات اللاشعبية كإلغاء صندوق المقاصة وتدمير نظام التقاعد وخوصصة التعليم والصحة دون معارضة شعبية حقيقية.
ويتحايل نمط التفكير البرجوازي الصغير للالتفاف على الوعي الطبقي الجماهيري بوقوفه موقفا نقديا من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية متظاهرا بدفاعه عن مصالح الطبقات الشعبية المسحوقة كما تفعل ذلك كافة قيادات الأحزاب السياسية المغربية، بينما هو في الواقع يتخذ ذلك ذريعة لتمرير مواقف الدفاع عن الرأسمالية ضد كل بديل اجتماعي تحرري.
يتبع ..

Social Links: