الصراع الطبقي في سياق أزمة امبريالية متعددة الأطراف (4/2) ..

الصراع الطبقي في سياق أزمة امبريالية متعددة الأطراف (4/2) ..

عبد السلام أديب

وتستند التحالفات الطبقية البرجوازية المهيمنة على عدة فصائل سياسية برجوازية صغرى تخترق كافة الأحزاب والمركزيات النقابية من أجل تخريب الوعي الطبقي والمحافظة على سلطتها وسط الطبقات الشعبية المسحوقة يتقدمهم الممثلون الرئيسيون لمناهضة الشيوعية الحديثة وهم على العموم اليساريون التسلقيون وقدماء اليساريون البرجوازيون الصغار التائبون عقب انهيار سور برلين، وأيضا الاشتراكيون الرأسماليون البيروقراطيون الذين يبررون خياناتهم للطبقة العاملة باستحالة الثورة البروليتارية. ويمكن أن نضيف الى هؤلاء الدور المشوه للوعي الطبقي لأصناف التحريفية والاصلاحية والتصفوية والتروتسكية والماوية العاملة وسط الطبقة العاملة.

وإذ يشكل هؤلاء نموذجا تستشهد به البرجوازية على فشل الاشتراكية وانقساميتها المزعومة، نلاحظ كيف تعمد البرجوازية الى ترقية أعضاء هذه التيارات بشكل منهجي من طرف التحالف الطبقي الحاكم ومن طرف الرأسمال الاحتكاري بل تأهيلهم حتى باشراكهم في الحكومات. ويزخر الوسط السياسي المغربي بمثل هؤلاء حيث يصبحون قدوة في الانتهازية وخيانة الجماهير العمالية.

إن تحكم البرجوازية المهيمنة في نمط التفكير البرجوازي الصغير وتوظيفه عبر مشاريع وتمويلات هائلة جرائد مجلات قنوات تلفزية دور الشباب مساجد وكنائس ومعابد وجيش من الوعاظ والمرشدين الدينيين وقنوات إذاعية وتلفزيه مخصصة لنشر الفكر الديني 24 ساعة في الوم … الخ في تنميط طريقة التفكير والاحساس والتصرف لدى الجماهير والتلاعب بالرأي العام في جميع الاتجاهات مما يحول دون التحول المفاجئ للأزمة الاقتصادية والسياسية والايكولوجية نحو أزمة ثورية.

ومن وظائف نمط التفكير البرجوازي الصغير، نقل التصور البرجوازي المثالي للعالم الى الحركة العمالية ومن تم نحو الجماهير عبر الهيمنة على العلوم والثقافة.

من خلال هيمنة نمط التفكير البرجوازي الصغير الانتهازي على الطبقة السياسية التي يفرضها التحالف الطبقي الحاكم باستمرار فرضا من خلال البرلمانية البرجوازية والانتخابوية وينتدبها كحكومات شكلية تشكل لجنة لتدبير الشؤون العامة للطبقة البرجوازية بأسرها، يتم استنباط أسس السياسات التعليمية والثقافية والعلمية. وتنحصر وظيفة هذه السياسات في نشر ذهنية التحريم من خلال نشر المحرمات والقيود الفكرية الكثيرة التي تكبل العقل وتجعل من الفكر النقدي مجرد شعار فارغ، حيث بات التعليم بالضرورة دوغمائيا محشوا بالفكر الظلامي الخرافي وتلقينيا وأوامريا ومن ثم لا عقلاني ولا يحث على الابداع والخلق. فالتعليم القائم على هذه السياسات يكرس نمط التفكير البرجوازي الصغير ويحول الفرد الى موضوع سكوني مفعول فيه وبه وعليه. فهو يولد ثقافة القطيع والأوامر والطاعة والتنميط والقبول الأعمى والتسليم بالأمر الواقع.

وينكر هذا النمط في التفكير الدوغمائي ينكر على المعرفة انسانيتها وتاريخيتها، ومن تم يجردها من قيمتها التي لا تضاهى. فالمعرفة تبدو وفقه محدودة وسكونية وفي جوهرها خارج عالم البشر والاجتماع البشري. لذلك فهو يفقد الممارسة المعرفية معناها ومغزاها وحقيقتها، لأنه يحدد المعرفة ويثبتها ويعدها جاهزة ومنتهية في أساسها.

فنمط التفكير البرجوازي الصغير وفقا لهذا النظام التعليمي موجه لطمس الذات المفكرة والحيلولة دون تشكلها، أي الحيلولة دون اكتمال تحول الفرد من موضوع سكوني مفعول فيه وبه وعليه إلى ذات مفكرة فاعلة قادرة على خلق الأفكار والآراء والمواقف والأفعال.

طبق هذا النمط في التفكير والتعليم يتعمق الاغتراب الإنساني للكادحين فتطمس الفرد بوصفه قوة اجتماعية فاعلة تربطها بغيرها روابط متشعبة حرة. ويتكفل بذلك الاستبداد السياسي الخانق، الذي يسود الشعوب المسحوقة. فالاستبداد السياسي يحشر الفرد ضمن قوالب ضيقة آمنة ويحول دون دخوله في تشكيلات اجتماعية تغذي وعيه وفعله، ومن ثم يبقيه معزولا عن غيره من الأفراد وعن مجتمعه، حيث لا يسمح له أن يتفاعل مع غيره إلا عبر مسارب جاهزة ضيقة آمنة. فالاستبداد السياسي يحطم الوعي السياسي لدى غالبية الأفراد وكسر العديد من روابطهم الحيوية مع بعضهم بعضا، الأمر الذي يحد كثيرا من قدراتهم الإبداعية وتفاعلهم الصحي المثمر معا وتشكلهم في فعاليات اجتماعية. وهو بذلك ينمي لديهم الغرائز القبائلية العصبوية الوحشية على حساب الوعي السياسي المؤثر والمثمر.

ان نمط التفكير البرجوازي الصغير المتفاحش يسعى من خلال هذا النظام التربوي الثقافي الإعلامي إلى ترسيخ قيم الاستهلاك على حساب قيم الإنتاج. وتكرس هذه الثقافة مبدأ القبول بما هو كائن باعتباره قضاء وقدر بحيث يتم تغييب الطبيعة والتاريخ والعقل. فالفرد المغترب المكيف بواسطة نمط التفكير البرجوازي الصغير تغيب عنه رؤية الطبيعة بماديتها وعليتها ورؤية صورة واقعية للتاريخ، وإنما يترك ليواجه طبيعة أسطورية وتاريخا أسطوريا ظلاميا لا يمتان للواقع بصلة. فيهيم هذا الفرد في فضاء من المخيال الأسطوري. ويعود ذلك الى تحريم العقل، أداتنا الأساسية في رؤية الواقع الطبيعي والواقع التاريخي.

إن مواجهة هجوم نمط التفكير البرجوازي الصغير ونظامه التعليمي على الحركة العمالية، يتطلب القضاء الواعي على نمط التفكير البرجوازي الصغير بواسطة تعميق نمط التفكير البروليتاري مما يعني عمليا الانتقال الى الهجوم العمالي والذي يشكل شرطا ضروريا لانضاج الثورة الاشتراكية.

خلاصات الوضع في الشرق الأوسط وشمال افريقيا

حدث تحول تدريجي للوضع الثوري في بلدان الشرق الأوسط وشمال افريقيا عما كان سائدا خلال سنتي 2011 و2012، ويمكن ملاحظة هذا التحول منذ نهاية سنة 2013. وهذا التحول مختلف أو معاكس تماما للوضعية السابقة وتتسم بالطابع الرجعي اللاثوري والمطبوع أساسا بالسمات التالية:

– تطور تدريجي لهيمنة ايديولوجية اسلاموية ظلامية لا عقلانية مرتبطة بشكل وثيق بالإيديولوجية البرجوازية المرتكزة على الربح وحيث تتجمع حول هذه الايديولوجية الاسلاموية طوائف متصارعة كالسنة والشيعة والخوارج عدا المذاهب التي تتقاطعها.

– تراجع خطير في الحريات والحقوق الفردية والجماعية جاء متواكبا مع المد الأصولي، وحيث اصبحت حقوق النساء خاصة وحقوق الانسان عامة محاصرة ومهددة؛

– ميل نحو الدكتاتورية السياسية والقمع البوليسي لكل الحركات الاحتجاجية السلمية ومن بينها المعارك النقابية: قمع اجتماعي اقتصادي سياسي مع عودة الاختطافات والتعديب والمحاكمات الصورية … الخ

– وبالموازاة مع هذا الميل نحو الممارسات الدكتاتورية والقمع السياسي للجماهير، فان التحالفات البرجوازية المهيمنة بهذه المنطقة عمقت سياساتها التقنينية للاقتصاد عبر استهداف الغاء كل المكتسبات الاجتماعية مثل مجانية التعليم والصحة العموميتين ودعم اسعار المنتجات الاستهلاكية الاساسية الواسعة وتطبيق الاسعار المرجعية العالمية التي تفوق القدرة الشرائية للطبقة العاملة المسحوقة والزيادة في سن التقاعد مع الزيادة في الاقتطاع من اجل التقاعد وتخفيض رواتب التقاعد وهو ما نسميه في بلادنا بالثلاثي الملعون … الخ.

– وضعية الطبقة العاملة في هذه البلدان تتسم بالهشاشة وعدم الاستقرار نتيجة التسريحات الجماعية والفردية وتفضيل العمل المؤقت وعبر شبكات الوساطة في التشغيل والتي تجعل من وضعية العمال اكثر هشاشة وغير مستقرة.

ب – تراجع الأزمة الاقتصادية عالميا وأهم مميزاتها جهويا :

نتيجة العديد من الاجراءات التي استهدفت القضاء على المكتسبات الاجتماعية للطبقة العاملة والحد من النفقات الاجتماعية للميزانيات العمومية مع استعمال مدخرات ضغط الاجور وخوصصة المرافق العمومية في ضخ اموال هائلة في خزائن الشركات البرجوازية تمكنت الحكومات من ان تتجاوز نسبيا منذ أواسط سنة 2014، ازمتها الاقتصادية والمالية الخانقة، لكن مع خلق وضعية جديدة من ضعف الطلب الداخلي العام نتيجة ضعف القدرة الشرائية وتفاحش البطالة والفقر وارتفاع حجم المديونيتين الداخلية والخارجية والتي ستنعكس على الاجيال المقبلة، مع احتمال تعمق الانكماش الاقتصادي، وكلها مؤشرات تؤكد تشكل عوامل جديدة لأزمة مالية واقتصادية جديدة

ج – ميل عام نحو التسلح لدى الدول العربية والمغاربية مع تزايد بؤر المواجهات العسكرية في مختلف دول المنطقة.

– ان هذا الميل نحو التسلح والتي تؤكد التقارير الدولية على اهميته يسير بشكل متوازي مع حالة عدم الاستقرار التي تعانيها الآلاف من الأسر والملايين من الشباب العاطلين والمهجرين.

– يطال عدم الاستقرار شعوبا كثيرة داخل المنطقة وفي العمق الافريقي وهي اوضاع من عدم الاستقرار نتيجة الظاهرة المتفاقمة “لتفكك العديد من الدول” الخاضعة للاستعمار الجديد.

– وتساهم “الدولة الاسلامية” داعش في انعدام الاستقرار هذا من خلال امتداد تأثيراتها من سوريا والعراق نحو بلدان شمال افريقيا وحتى داخل افريقيا

– البلدان التي تعيش حالة التفكك وعدم الاستقرار الاجتماعي هي تلك الدول التي تعرضت للعمليات الحربية للقوى الامبريالية كبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الامريكية

– تظهر مناطق عدم الاستقرار في سيناء رغم التدخل القمعي القوي للجنرال السيسي في مصر

– ان التحولات الجارية وعدم الاستقرار القائم نتيجة ازمة الامبريالية له عواقب اخرى تمثلت على الخصوص في الهجمات الارهابية في اوروبا وعدم الاستقرار والتسلح بليبيا والبطالة المكتفة في كامل الجهة

– هيمنة الايديولوجية الظلامية كجزء من التفكك العام للمجتمع الرأسمالي فتح قنوات للمجموعات المرتبطة بتنظيم القاعدة مثل بوكو حرام في نيجيريا والشباب الاسلامي في كينيا، ناشرين الرعب والحرب داخل وخارج حدودها.

– وتتمثل الدول التي تعاني من هجمات المنظمات الاسلامية الارهابية هي كل من الصومال وجنوب السودان (حيث توجد فرقا صينية) والكامرون (حيث توجد فرقا جيدة التدريب من طرف اسرائيل مستعدة للقتال) والتشاد (حيث القوى الخاصة المضادة للارهاب توجد في قاعدة فور كارسون وكولورادو وتعمل تحت تدريب بريطاني والقوى الخاصة الفرنسية).

د – ان مثل هذه الوضعية من عدم الاستقرار في هذه المنطقة تعمقت بسبب الحرب المعقدة الجارية في سوريا واليمن:

– عواقب الجهاديين السنيين الممولين من طرف السعودية الوهابية لصد التهديد الشيعي، والمثمتلة على الخصوص في دوامة العنف والتدمير غير المسبوق للشرق الأوسط وبافريقيا.

– وفي مواجهة سياسة الأرض المحروقة والرعب الاسلاموي لداعش تقوم سياسة الارض المحروقة ورعب القوى الامبريالية الغربية وحلفائها في المنطقة. وفي نفس الوقت الذي تدين فيه كل من بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية وفرنسا في الامم المتحدة تدمير الآثار التاريخية والثقافية من طرف داعش لا تتوقف طائراتها نفسها عن احداث المزيد من التدمير والذي انطلق منذ الحرب على العراق.

هـ – ان عدم الاستقرار والهشاشة التفكك المجتمعي وسيادة نمط التفكير البرجوازي الصغير حتى داخل الطبقة العاملة وتراجع الفكر الاشتراكي نتيجة سياسات مناهضة الشيوعية بالاضافة الى القمع الوحشي المسلط على مجموعات الشباب الشيوعي داخل الجامعات ووسط المعطلين وهيمنة الفكر التحريفي على مناضلين شيوعيين سابقين، كان له وقع كبير على خفوت المقاومة الشعبية وعلى آليات تنظيمها الطبقي داخل الهيئات الجماهيرية، وحيث اصبحت ردود الفعل على الازمة الاقتصادية والاجتماعية تتم في الغالب بشكل عفوي مما يعرضها في الغالب الى القمع والتنكيل وخلق المزيد من الهشاشة.

 

  • Social Links:

Leave a Reply