ياسين الحاج صالح- سميرة ورزان والحجاب،ــ خطيب بدلة

ياسين الحاج صالح- سميرة ورزان والحجاب،ــ خطيب بدلة

نحو أحياء الذكرى السادسة للثورة السورية

نحو أحياء الذكرى السادسة للثورة السورية

 

“القدس العربي”، 8 آذار ‏‏2017)

كان ثمة اختلاف يُفرد سميرة عن رفيقتها رزان، وعن رفيقيهما وائل وناظم: ‏المنبت العلوي للمعتقلة السياسية السابقة. لم يكن هذا الاختلاف شيئاً ظاهراً، ‏مثل سُفُور المرأتين. فليس للعلويين مظهر خاص يُفردهم عن غيرهم من ‏السوريين، ولذلك اقتضى الأمر تطوع مخبر رخيص كي يحرض على سميرة ‏علانية، دون أن يكون لديه ضدها غير ما لم يخطر ببالها يوماً أنه سرٌّ ‏يُخفى أو يُفشى: أنها علوية! فإذا كان حكم البابا، وهذا اسم المخبر الطائفي، ‏قد حرص على التحريض العلني، وكان يمكنه الاكتفاء بتقرير سرّي يناسب ‏مواهبه في الوشاية، فلأن لديه موهبة إضافية: الكراهية الطائفية الشديدة لغير ‏الطائفيين ممن لهم تاريخ في معارضة النظام، مثل سميرة وأحبابها ‏وأصدقائها. كان حريصاً على أن يصل لفْح كراهيته إلى وجوههم.‏

المذكور، وهو صحفي وشاعر وسيناريست، كان قبل أسبوعين من جريمة ‏الخطف نشر على صفحته على فيسبوك عن “العلوية” التي “تسرح وتمرح في ‏الغوطة تحت اسم ناشطة”، وتجاسر على قول شيء عن “حرب الجواسيس” ‏في تحريضه. أترك جانباً حقيقة أنه وقت كانت سميرة معتقلة لأربع سنوات ‏عند نظام حافظ الأسد كان هذا المخبر الهمام يعمل في صحف النظام، وظل ‏كذلك حتى سنوات قليلة قبل الثورة. وأنه وقت كان يحرض على سميرة من ‏مقامه الآمن في الإمارات كانت سميرة تشارك المحاصرين في الغوطة ‏حياتهم، وتكتب أن سنوات سجنها (في سجن النساء في دوما نفسها) كانت ‏‏”مزحة” بالمقارنة مع الحصار الذي شاركت الأهالي المعاناة منه. أترك جانباً ‏أيضاً أن سميرة لم تنتحل قناع ناشطة في أي وقت، فعدا أنها معتقلة سياسية ‏سابقة، وعدا أنه لم يكن لديها يوماً جواز سفر خلافاً للمخبر الطائفي الموتور، ‏لم تأت إلى الغوطة إلا لأنها صارت مطلوبة من جديد للنظام، وكي تنضم ‏إلى زوجها، كاتب هذه السطور، الذي مثلها لم يكن لديه جواز سفر يوماً (ولا ‏يزال). ‏

ما لا يُترك جانباً هو بناء حُكم سياسي وأمني على سميرة بناء على منبتها ‏العلوي، رغم معرفة المخبر الشخصية بها وبزوجها وبتاريخهما. وهو ما يُسبغ ‏طابعاً كيدياً بالغ الدناءة على واقعة الوشاية بالمرأة المخطوفة والمغيّبة، مع ‏رفقائها رزان زيتونة ووائل حمادة وناظم حمادي، منذ أكثر من ثلاث سنوات ‏وثلاثة أشهر. هذا فوق أن في الوشاية بسميرة كعلوية أمام من يعرف المخبر ‏المذكور أنهم طائفيون مثله مسلك عنصري لا يختلف في شيء عن اتهام ‏مسلم بأنه إرهابي في أميركا اليوم مثلاً بناء على واقعة كونه مسلماً فحسب، ‏أو اتهام سوري بأنه ثائر يعمل ضد النظام اليوم. لكن وشاية المخبر البابا ‏أسوأ من ذلك بعد، فهي تحريض لتشكيل سلفي على امرأة يعرف المُخبر أنها ‏عزلاء، وأنها مقيمة اضطرارياً ومؤقتاً في الغوطة، وأن كتاباتها على الفيسبوك، ‏وهو لم يعرف بوجودها في الغوطة إلا من هذه الكتابات، كانت منحازة إلى ‏السكان المحليين وشاركتهم الحصار والجوع والانكشاف الأمني. كتابات سميرة ‏في الغوطة، وقد نشرت قبل شهور قليلة في كتاب (“يوميات الحصار في دوما ‏‏2013”)، لا تظهر جذرية موقفها من النظام الأسدي فقط، ولا أنها لم تَرْتَبْ ‏في أي خطر قد يتهددها من طرف غير النظام فقط، ولا حِسّها الإنساني ‏النادر الخالي من الكراهية لكن المفعم بالغضب العادل فقط، وإنما كذلك ‏شراكتها لمن عاشت بينهم في المعاناة وفي الصراع. بالمقابل، لم يتعرض ‏المخبر المحرض الطائفي الموتور يوماً لاعتقال أو تعذيب أو حرمان من ‏السفر، أو حصار أو جوع أو برد أو انقطاع أثر. وكان في وسعه قبل الثورة ‏تأمين واسطة تشبهه من الموالين للنظام، دريد لحام مثلاً، عند ضباط ‏مخابرات يشبهونه بدورهم مثل علي مملوك، هذا حين يتملكه الحنين للشام، ولا ‏يستطيع إشباعه دون نيل رضا قتلة المخابرات عنه.‏

ومن غير المحتمل أن المخبر الجبان هدأ واكتفى بما هداه إليه ضميره، بعد ‏التحريض العلني المشار إليه. هل يُحتمل، على سبيل المثال، أنه اتصل قبل ‏يوم أو يومين من واقعة الخطف بأحدٍ ما في الغوطة الشرقية، لائماً إياه على ‏ترك سميرة، ورزان ووائل وناظم، طلقاء؟ أو ربما ليشد أزره على خطف ‏الأربعة؟ لا سبيل لأن نتوثق من ذلك 100%. يلزم تحقيق مستقل، لا يقوم به ‏أمثال دريد لحام وعلي مملوك‎.‎

يصعب أن يجد المرءُ واقعة معلومة على هذه الدرجة من الخِسّة قام بها كاتب ‏ضد ثائرين في تاريخ سورية منذ تكون كيانها المعاصر (ولعل مثيلاتها نادرة ‏في تاريخ العالم). لا تضاهيها في النذالة إلا جريمة الخطف نفسها التي قام ‏بها من حرضهم المخبر الطائفي الرخيص. لا أشك في أن من شأن انكشاف ‏سجلات المخابرات الأسدية أن يظهر قصصاً خسيسة من صنف قصة ‏مخبرنا الرخيص، ولا يبعد أن يكون هو بالذات بطلاً لبعضها. إلى ذلك الحين ‏المأمول، يبقى الصحفي المخبر المحرض الطائفي لفصيل سلفي مسلح على ‏امرأة عزلاء في الغوطة الشرقية أمثولة للنذالة، جديرة بأن تذكر طويلاً في ‏التاريخ، وهذا بقدر ما إن الفصيل السلفي المسلح الذي اختطف سميرة ‏ورفيقتها ورفيقيهما أمثولة للنذالة في القضية نفسها، وبقدر ما إن الدولة ‏الأسدية التي كانت سميرة ورزان شاهدتين على اقترافها المذبحة الكيماوية في ‏الغوطة هي الأمثولة الجامعة للنذالات كلها.‏

ومثلما ينتمي المحرض الطائفي إلى فئة يشاركه الانتماء إليها مخبرو النظام ‏ووشاته وجلادوه الرمزيون، ينتمي التشكيل الخاطف بسجونه العلنية والسرية ‏وعبادته للسلطة إلى فئة الدولة الأسدية. هذا ظهر بوضوح كاف في الأيام ‏الأخيرة، حين جرى التحريض على ثائرين قدماء عزل في الغوطة الشرقية، ‏من قبل من سبق أن حرضهم المخبر الطائفي المشار إليه.‏

في انخراطها في الثورة مارست سميرة الخليل فعل حرية مضاعفاً. شاركت مع ‏مواطنيها في أنشطة الاحتجاج السلمي منذ اعتصام وزارة الداخلية يوم 16 ‏آذار 2011، وثابرت متحدية أي قي طائفي على المساعدة في ما تستطيع، ‏وهذا حتى وقت اختطافها بهمة المخبر البابا بعد عامين وتسعة شهور. وخلال ‏ذلك لم يكن غاب عن بالها ما حضر في بال المخبر الطائفي الرخيص من ‏أنها علوية، لكن لم يخطر في بالها أن هذا يمكن أن يكون اتهاماً. وما لا ‏يعرفه المخبر أن نساء دوما اللاتي عملت “العلوية” معهن أحببنها أكثر لأنها، ‏وهي الغريبة، شاركتهن حياتهن الشاقة وآلامهن، وحكاياتهن التي روت بعضاً ‏منها في كتابها. لكن المخبر الطائفي عرَف أن يحرض في “البوست”/ التقرير ‏نفسه على سمر يزبك، الكاتبة التي قدمِت إلى سراقب ومناطق من شمال ‏سورية، وحاولت بدورها مساعدة مواطنيها فيما تستطيع، ونشرت كتاباً فيما بعد ‏عن ذلك: “بوابات العدم”. سمر نجت، سميرة لم تنجُ.‏

في شخصها، وفي عملها طوال أكثر من ثلاثين عاماً، سميرة تجسد مقاومة ‏اختزال صراعنا إلى صراع سني علوي، أو سلفي “نصيري”، وهو رفض لا ‏يقتضي بحال التعامي عن وقائع الطائفية وهياكلها وممارساتها وخطاباتها. ‏لكنه كان يقتضي من أي وطني ذي ضمير اهتماماً ودعماً أكبر، لا تحريضاً ‏إجرامياً أثمر فعلاً ما اشتهاه المخبر المحرض من جريمة بحجم خياله ‏المسموم بالحقد والضغينة. نساء دوما فعلن ذلك، رحبن بالعلوية الغريبة ‏ودعمنها، ووجدنها واحدة منهن. أما المخبر فلا يفعل غير ما يفعله مخبرو ‏الأسدية من التحريض على الكراهية وتحطيم حياة مكروهيهم، والتسبب بدمار ‏بلد بأكمله. وهو في تحريضه الدنيء قدم خدمة كبيرة للنظام الذي كانت ‏المرأتان شاهدتين محترمتين موثوقتين على جرائمه في الغوطة، وأسهم في ‏توجيه أكبر طعنة للثورة حتى ذلك الحين.‏

القصة لم تنته، ولن تنتهي. لدينا جريمة كبيرة جداً، ولدينا قضية سياسية ‏وأخلاقية وثقافية، وحقوقية طبعاً، لا يحمي المخبر الطائفي من تحمل جريرة ‏شراكته فيها غير ما يحمي الدولة الأسدية ومجرميها: تطبيع الجريمة ‏والمجرمين.‏

بعد تجاهل طويل، أضع هذه الواقعة النادرة المثال في متناول عموم المهتمين ‏لأني أشعر بأنها توضح الأمثولة (وفرز الأمثولات الواضحة جانب مهم من ‏صراعنا اليوم)، ولمساهمتها كذلك في رسم خطوط تمايز واضحة ضمن ‏الطيف المختلط للثورة، بما يظهر ما في داخله ممن يخدمون أعداءنا ‏بصَغَارهم أو بغبائهم بما هو أسوأ مما لا نعلم.‏

ثم أن الواقعة مهمة في تصوري من زاوية بيان مسؤولية الكاتب الاجتماعية ‏والسياسية والأخلاقية، وهي مسؤولية تتعارض مع التحريض الطائفي وإشاعة ‏الكراهية بقدر لا يقل عن تعارضها مع “كتابة التقارير”. وماذا يكون التحريض ‏العلني، والسرّي، على سميرة غير “تقرير” مكتوب إلى جهة أمنية، طائفية ‏ورعناء، مثلها مثل المخابرات الأسدية؟ ‏

أتناول الواقعة اليوم أيضاً من باب إبراز المسؤولية القانونية للمخبر المحرض ‏من وجهة نظر أي عملية قضائية بخصوص قضية الأربعة يوماً. سميرة ‏ورزان ووائل وناظم مغيبون قسرياً منذ ما يقترب من أربعين شهراً، وهو ما ‏يتحمل مسؤوليته الجناة والمحرضون على حد سواء. سميرة امرأتي، وأنا ‏‏”صهر العلويين”، على ما وصفني بعد عامين من خطف امرأتي بتحريض ‏منه المخبر المحرض الطائفي إياه، الذي يشكل نسخة طبق الأصل من ‏مخبري الدولة الأسدية، وتتكثف فيه خصائصهم كلها، من وقاحة ورقاعة ‏وإسفاف وكراهية، وحب للأذى. ووحده تحقيق قضائي مستقل، أتطلع إلى أن ‏يصير ممكناً في أقرب وقت، هو ما يمكن أن يستند إليه لكشف مصير ‏المخطوفة وشركائها، ومعرفة المحرّضين وتفاصيل علاقتهم بالجناة‎.‎

يبقى أني أتحمل شخصياّ كامل المسؤولية القانونية والسياسة والأخلاقية عن ‏اتهامي للمخبر المذكور بالضلوع في جريمة خطف زوجتي سميرة الخليل، ‏وأصدقائي رزان زيتونة ووائل حمادة وناظم حمادي. وهذا مثلما أتحمل كامل ‏المسؤولية عن اتهام قيادات “جيش الإسلام” بارتكاب الجريمة.‏

 

  • Social Links:

Leave a Reply