كان عمري أكثر من عشر سنوات، عندما دخلت إلى المدرسة الجديدة، و صفي الجديد، بعد انتقال أسرتي إلى هذا الحي، و قبل ذلك انتقل أبي إلى نفس المدرسة الإبتدائية التي سجلني فيها، و طلب من المدير أن أكون في شعبة غير التي يدرسها …
جرت العادة، و في الأسبوع الأول من الدوام، أن يقوم الأستاذ بالتعرف على أسماء تلاميذه، و قد يسأل عن مهنة آبائهم، ريثما ينجز موجه المدرسة، أو مديرها، جدول الحصص …
في اليوم الرابع من الدوام، دق الجرس، و كنا في الإستراحة الأخيرة (الفرصة)، فكان علينا، نحن التلاميذ، التوجه إلى صفوفنا، لحضور الحصة الخامسة . لاحظت، بعد أن جلست في مقعدي، أن عدد زملائي في الصف قد انخفض إلى النصف تقريبا، إستغربت لذلك، و تساءلت بيني و بين نفسي (أين ذهب هؤلاء ؟. لقد كانوا هنا في الحصة السابقة !) …
بعد دقائق قليلة، دخل مدرس جديد، طويل القامة، أبيض البشرة، بسمة واضحة على شفتيه، شعر رأسه أسود و كثيف، ذقنه حليقة، يلبس طقما أنيقا و نظيفا مع ربطة عنق سوداء منقطة باللون العسلي، أي، كما يقول أهلي، تبدو عليه النعمة …
قال لنا الأستاذ، بكل وقار : أعزائي التلاميذ، سأبدأ الآن بالتعرف على أسمائكم، و سوف أبدأ من هنا.
و أشار إلى أول تلميذ جالس يمين قاعة الصف في الرحلة الأولى (المقعد الخشبي).
وقف التلميذ و قال : أنطوان …
التلميذ الثاني، وقف و قال : بيير …
الثالث : موريس …
الرابع : فادي …
الخامس : سركيس … سمعان … جرجس …
إلى أن جاء دوري، فوقفت و قلت : محمد عمر … هنا جمد الأستاذ مكانه، صامتا للحظات، لم يبد عليه الإرتباك بقدر ما بدت الحيرة على وجهه، لكنه أخيرا قال بهدوء : يا ابني يا محمد، يجب عليك أن تذهب إلى غرفة المدير، لتقول له إن اسمك محمد عمر …
نفذت أنا طلبه بحركات ميكانيكية، لملمت كتبي و دفاتري، و لحقني سمعان إلى باب الصف ليناولني قلمي الرصاص الذي وقع مني أثناء (عبطتي هذه) … بدأ التشوش في دماغي الصغير لحظة إغلاق باب الصف خلفي، تذكرت أنني، و منذ الصف الأول، لم أضطر يوما للدخول إلى غرفة المدير، و غالبا لم أكن أعرف شكل وجه المدير .
بقيت واقفا مكاني، بدأت عيناي تزداد سخونة، فكأنني سأبكي بعد لحظة، تابعت التذكر : منذ الصف الأول لم يحدث أن أخرجني أستاذ من قاعة الصف، أنا الآن في ورطة كبيرة، قد تكون كارثة، أين أنت الآن يا أبي ؟ أنا لا أعرف صفك الذي تدرس فيه، لماذا وضعتني في شعبة أخرى يا أبي ؟. لن أذهب إلى المدير، أصلا لا أعرف أين تقع غرفته، فالمدرسة واسعة و عدد الغرف كبير، أبي، نعم يجب أن أراك لتنقذني، سأقول لك إن الأستاذ الأنيق أخرجني من الصف، و طلب مني الذهاب إلى المدير، لأقول له إن اسمي محمد عمر … بس … أين المشكلة ؟. لماذا أنا خائف إلى هذه الدرجة ؟…
طأطأت رأسي، و بدأت السير متثاقلا، كمن اتسخت ثيابه الداخلية و ملأته رائحة تميزها الأمهات جيدا .
سأعود إلى البيت، نعم، جاءت هذه الفكرة لوحدها، سأعود إلى البيت، و أنتظر عودة أبي من المدرسة لأحكي له القصة …
تابعت جرجرة روحي الممغوصة بنفس التثاقل و التلكؤ … عندما دخل أبي المنزل، ركضت إليه مباشرة، و حكيت له، بصوتي المكركب، و جملي المفككة، و كل ثانيتين (أشرق مخطتي) و كأنني عائد من مناحة، أو كأنني أحكي له عن خراب البصرة . لا أعرف كيف استوعب القصة، لكنه أدهشني بضحكة قوية، أعتقد أن الجيران سمعوها . أتضحك يا أبي على مأساتي ؟. حسنا، لمن ألجأ إذا ؟. إن كنت لا تهتم بما حصل معي ؟… خفف أبي قليلا من ضحكته و قال لي : أعد علي أسماء التلاميذ الذين كانوا في الحصة الخامسة . فقلت له : كان أنطوان و بيير و موريس و فادي و سركيس و … قاطعني أبي : ألم تلاحظ أن أسماءهم أسماء مسيحية ؟. سكتت هنيهة، فكرت ثم قلت :
ليش أنا مو مسيحي !!!


Social Links: