قدري جميل.. المافيا والمال والسلاح

قدري جميل.. المافيا والمال والسلاح

 

العرب إبراهيم الجبين

ارتبط قدري جميل بشبكة علاقات تمتد من أبناء ضباط النظام إلى المخابرات الروسية

إذا ذكرت إسم “الآغا” فسيعرف أهل حي ركن الدين في دمشق من تقصد، والآغا هو لقب أطلقه على نفسه تاجر سلاح شهير، توفي في السنوات الأخيرة، وقد ظهرت بعد وفاته أسرارٌ كثيرة ارتبطت بنشاطه السابق، وعثر الأمن الجنائي على نماذج من الأسلحة التي كان يقوم ببيعها على نطاق واسع في دول الجوار المحيطة بسوريا، وكان قد حصل على تكليف مباشر من المخابرات السورية باحتضان القائد الكردي اللاجئ إلى دمشق “عبدالله أوجلان” زعيم حزب العمال الكردستاني، وترتيب شؤونه كافّة، وإصدار مجلة حملت إسم “آوج” من قلب دمشق، بالتنسيق مع شخصية كردية أخرى، تشابكت فيها خطوطٌ هامة ومعقدة وحساسة ونشطت أيضاً في دمشق ودول الجوار وعبرت إلى ما هو أبعد، كانت تلك الشخصية هي قدري جميل باشا، نائب رئيس الوزراء السوري “المقال” مؤخراً، والذي انطلق في الحياة السياسية السورية بانياً على إرث والده “الإقطاعي” الكردي فؤاد جميل باشا، الذارع الاقتصادية لخالد بكداش الأمين العام والقائد التاريخي للحزب الشيوعي السوري، والذي كان قد أوكل مهمة توظيف أموال الحزب وتشغيلها واستثمارها إلى الوالد “جميل” الوكيل الحصري لمؤسسة “تكنوإكسبورت” السوفييتية في سوريا على مدار عشرات السنوات، الأمر الذي جعل من الشيوعي جميل باشا أكبر محتكر لتجارة السيارات السوفييتية في سوريا والمنطقة.

مصاهرة والتقاء للمال بالنضال

ولتوطيد تلك الشراكة، كان على خالد بكداش أن يصاهر جميل باشا بتزويج ابنته الدكتورة سلام إلى نجله قدري المولود في دمشق في العام 1952، والحاصل على شهادة الدكتوراة في الاقتصاد من جامعة موسكو في العام 1984 والأستاذ المحاضر في معهد تخطيط التنمية الاقتصادية الاجتماعية في دمشق، وعضو الحزب الشيوعي السوري القديم، فقد انتسب إليه وسنّه ما تزال أربعة عشر عاماً فقط في العام 1966، وكان المسؤول الأول عن صحيفة الحزب الشيوعي السوري المركزية “نضال الشعب” منذ أيار ـ مايو العام 1991 وحتى أيلول سبتمبر من العام 2000، ولكن زواجه بابنة بكداش لم يستمر، بسبب تعارض طموحاته في وراثة الأب خالد بكداش شخصياً مع طبيعة الأسرة، التي قبلت بالمصاهرة لتكون تجلياً للالتصاق الشديد ما بين المال والإيديولوجيا في التصورات البكداشية التي لم تمانع في عقد الصفقات ذاتها مع حافظ الأسد على طول الخط، والدخول في شراكة حقيقية معه، وتقاسم للسلطة رضي بها بكداش بالفتات على حساب صمته على سلسلة جرائم حافظ الأسد واستبداده وفساد نظامه.

وبعد وفاة جميل باشا، كان قدري قد أصبح خبيراً اقتصادياً مسلّحاً بالمعرفة الاقتصادية الماركسية التي تلقاها في موسكو، وكان لا بد من أن يكون قدري هو المستأمن على “المال الأحمر”، فدخل هو الآخر في شراكات مع رجالات النظام، وأسس عدة شركات واستثمارات بالتعاون مع أبناء كبار ضباط المخابرات من أمثال اللواء محمد ناصيف، وتوسّعت أعماله وأعمال الأسرة، ولكن قدري جميل لم يكن يبحث عن هذا وحده، بل إن الولع المستمر بالزعامة دفعه إلى الانشقاق بعد أن تم إبعاده عن الحزب الشيوعي للحفاظ على مستقبل الوريث “عمّار خالد بكداش” لأنه كان الشخصية الأقوى بعد انتقال قيادة الحزب إلى وصال بكداش أرملة خالد بكداش، والتي خشيت من سطوة قدري ومكانته ودهائه، فقررت التخلص منه، الأمر الذي لم يدفعه للاستسلام بل قام بتأسيس تجمّع أطلق عليه إسم “اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين” التي أسست في دمشق بتاريخ 18 تشرين الأول ـ أكتوبر 2002 بعد انعقاد الاجتماع الوطني المكرس من أجل وحدة جميع الشيوعيين السوريين، وكان الهدف منها سحب الشيوعيين البكداشيين تحت إسم الوحدة، للانضواء تحت لواء قدري جميل، الممول والمحلّل الأمني، الذي استطاع أن يجري اتفاقات مع أجهزة المخابرات السورية، بحيث تشجّع نشاطه وتدعم توجّهاته، التي هي في الحقيقة تصبّ في صلب مصلحة النظام القائم في سوريا، باتجاه المزيد من التفكيك في كل التكتلات والتجمعات السياسية، وسمحت المخابرات السورية لقدري جميل بإصدار وطباعة جريدته ” قاسيون” “دون ترخيص رسمي” وسمحت له بافتتاح مكاتب لها في العاصمة دمشق وفي المحافظات، وأصبح قدري جميل أباً جديداً لكثير من الشباب والمتقاعدين اليساريين الذين بعثرتهم يد الأسد الأب وتمزّق الحزب الشيوعي وانشقاقاته على مدى السنوات.

قبل ذلك كان النشاط الاقتصادي لقدري جميل وتركة الوالد، ما يزال فعالاً في الخلفية المعتمة، فدخلت شركاته في شراكة مع منتجي الأقمار الصناعية في روسيا، قبل انهيار الاتحاد السوفييتي وبعده، وكان لقدري جميل القدرة على أن يكون رجل المخابرات السوفييتة بجدارة في سوريا والإقليم، من خلال كونه “مسؤول التنظيم” أي مسؤول المعلومات والتفاصيل الدقيقة في الحزب الشيوعي في الثمانينات، مما سهّل له فيما بعد فتح العلاقات مع الحلقات التي نتجت عن انهيار مؤسسات الاتحاد السوفييتي والتي سيطرت عليها المافيا الروسية، فكان تلاقي مصالح حزب العمال الكردستاني الذي احتاج طويلاً إلى السلاح عبر سوريا وقدري جميل والآغا، مع أركان نظام حافظ الأسد وضباط مخابراته، ومع الأجنحة المحيطة بسوريا من الأحزاب اليسارية، فكثيراً ما تباهى قدري جميل بشراكته مع فخري كريم زنكنة، وأنه منحه بيت أمّه في ركن الدين لتأسيس مشروع مجلة ودار المدى التي أصبحت مشروعاً عملاقاً ساهمت فيه أطراف غير متوقعة كالرئيس اليمني الجنوبي الأسبق علي ناصر محمد، فنشأ تحالف شيطاني ما بين المصالح رغم اختلاف العقائد، ما بين اليسار والاستبداد كانت إحدى واجهاته قدري جميل.

قدري جميل يؤمن بالمالتوسية ونظرية المليار الذهبي مما سهّل عليه قبول إبادة مئات الآلاف من السوريين وتشريد ملايين اللاجئين داخل سوريا وخارجها.

المؤامرة ونظريات قدري جميل كثيراً ما انتقد قدري

  • Social Links:

Leave a Reply