نتابع معا الجزء الثاني من دراسة مركز حرمون حول دستور سورية الديمقراطية
رابعًا: الأصل وسياق التطور
في حين إن فكرة (القواعد فوق الدستورية) وتعبيرها حديثة العهد وغير مستخدمة إلا في نطاق ضيق، إلا أن القوانين الراسخة أو غير القابلة للتعديل متجذرة في الفقه الدستوري. وقد جاء في متن ميثاق الامتيازات في بنسلفانيا عام 1701 أن حرية الضمير غير قابلة للتغيير. وقد منع الدستور الاتحادي للولايات المتحدة الأميركية إلغاء تجارة الرقيق الأفريقي قبل عام 1808، ويحظر حظرًا مطلقًا حرمان الولايات من التمثيل المتساوي في مجلس الشيوخ من دون موافقتها.
وفي 14 آب /أغسطس 1884 اجتمع البرلمان الفرنسي من أجل تعديل القانون الدستوري لعام 1875 الذي عبر عن الجمهورية الثالثة، إذ أعلن نهاية البونابرتية والملكية. ومنذ ذلك الحين، بات واضحًا أن فرنسا قد اختارت الجمهورية، إذ عدل القانون الدستوري لعام 1875، بحيث باتت المادة (83) تنص على أنه لا يمكن أن يكون الحكم الجمهوري موضعًا للمراجعة، الأمر الذي مثل انتصارًا للجمهوريين على الملكيين، ومنع تدمير الجمهورية بالوسائل الدستورية. وقد تكررت هذه الصيغة لاحقًا في دستور عام 1946 (المادة 95)، ودستور 1958 (المادة 89) التي نصت على ألا يكون الشكل الجمهوري للحكومة موضعًا لأي تعديل.
وهنالك المادة 112 من الدستور النرويجي لعام 1814 التي تشترط ألا تتناقض التعديلات أبدًا مع المبادئ الواردة في الدستور، وألا يكون إجراء أي تعديلات مساسًا بالدستور. وبموجب المادة 3 من دستور المكسيك لعام 1824 فإن المذهب الكاثوليكي هو دين الأمة المكسيكية، والأحكام التي تنص على ضمان حرية الأمة المكسيكية واستقلالها، ودينها، وشكل الحكومة، وحرية الصحافة، وتقسيم السلطات العليا بين الكونفدرالية والدول المكونة لها؛ لا يمكن إصلاحها أو تعديلها مطلقًا.
أما في فرنسا، فقد ورد في ديباجة دستور عام 1791 أن الجمعية الوطنية تستطيع إلغاء المؤسسات التي كانت تنتهك مبادئ الحرية والمساواة إلغاء لا رجعة فيه. وعلاوة على ذلك، ينص الباب السابع من الدستور على مبدأ أن يُقسِم أعضاء الجمعية الوطنية قسمًا فرديًا على الالتزام بالمحافظة على الدستور بكل ما لدى العضو من قوة. وجاء في الدستور الذي فرضه الفرنسيون على الجمهورية السويسرية عام 1798 الذي جسد مبادئ الثورة الفرنسية أن الحكومة -أيًا كان شكلها وأيًا كانت التعديلات التي قد تخضع لها- ينبغي أن تكون في الأحوال جميعها ديمقراطية تمثيلية.
خامسًا: التجارب العالمية
في ما يأتي عرض لتطور القيود الموضوعة على التعديلات الدستورية في بعض الدول:
1- أفغانستان (1964-2004)
لا يمكن تعديل أحكام التقيد بأسس الدين الإسلامي المقدس ونظام الجمهورية الإسلامية.
لا يجوز لأي قانون أن يتنافى مع مبادئ الدين المقدس للإسلام والقيم الأخرى المكرسة في هذا الدستور (المادة 2).
إن الالتزام بالمبادئ الأساسية للإسلام المنصوص عليها في هذا الدستور لا يخضع للتعديل.
لا يسمح بتعديل الحقوق الأساسية للشعب إلا بهدف جعلها أكثر فاعلية.
لا يسمج بتعديل الدستور في حالات الطوارئ (المادة 141).
إن الالتزام بالمبادئ الأساسية للعاهل الدستوري وفقًا لأحكام هذا الدستور، والقيم المجسدة في المادة 8 (حقوق وواجبات الملك) لا تخضع للتعديل.
الشكل الجمهوري فقط للحكومة لا يخضع للتعديل.
2- ألبانيا (1928 – 1998)
إن ألبانيا ملكية ديمقراطية وبرلمانية وراثية (المادة 1).
ألبانيا مستقلة وغير قابلة للتجزئة، ولا يمكن انتهاك حرمة وسلامة أراضيها، وهي غير قابلة للتصرف (المادة 2).
عاصمة ألبانيا هي تيرانا (المادة 6).
ملك الألبان هو صاحب الجلالة زوغ الأول، من عائلة ألبانيا اللامعة زوغ. (المادة 50).
يكون وارث العرش هو الابن الأكبر للملك، والخلافة تستمر جيلًا بعد جيل في الخط المباشر للذكور (المادة 51).
لا يمكن توحيد عرش المملكة الألبانية مع عرش أي دولة أخرى (المادة 70).
3- الجزائر (1976- 1989)
لا يجوز أن ينتهك أي تعديل دستوري:
الشكل الجمهوري للحكومة.
دين الدولة.
النظام الاشتراكي.
الحقوق والحريات الأساسية للإنسان والمواطن.
الطابع الجمهوري للدولة.
النظام الديمقراطي القائم على تعددية الأحزاب.
الإسلام هو دين الدولة.
اللغة العربية هي اللغة الرسمية والوطنية.
الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين.
وحدة وسلامة التراب الوطني.
الشعار الوطني بوصفه رمزًا للثورة والجمهورية.
4- الأرجنتين (1826 – 1994)
الأمة الأرجنتينية لن تكون أبدًا تراثًا مقتصرًا على أي شخص أو أسرة.
5- أرمينيا (1995)
لا يمكن تعديل المواد 1 و2 و114 من الدستور.
جمهورية أرمينيا دولة ذات سيادة وديمقراطية، تقوم على العدالة الاجتماعية وسيادة القانون (المادة 2).
في جمهورية أرمينيا السلطة للشعب الذي يمارس سلطته من خلال الانتخابات الحرة والاستفتاءات، وكذلك من خلال هيئات الدولة والحكم الذاتي المحلية والموظفين العموميين على النحو المنصوص عليه في الدستور. الاستيلاء على السلطة من قبل أي منظمة أو فرد يعد جريمة.
6- البحرين (1973)
لا يجوز اقتراح أي تعديلات على المادة الثانية من هذا الدستور، ولا يجوز في أي ظرف من الظروف اقتراح تعديل النظام الملكي الدستوري ومبدأ الحكم الموروث في البحرين، فضلًا عن نظام المجلسين ومبادئ الحرية والمساواة المنصوص عليها في هذا الدستور.
دين الدولة هو الإسلام. وتعتبر الشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسيًا للتشريع. اللغة الرسمية هي اللغة العربية (المادة 2).
7- روسيا البيضاء/ بيلوروسيا (دستور 1994)
لا يجوز إعادة النظر في المواد 1 و2 و4 و8 من الدستور إلا من خلال الاستفتاء (مبادئ النظام الدستوري؛ والحقوق الفردية والحريات؛ والرئيس والبرلمان والحكومة والمحاكم وتطبيق الدستور وتعديله).
8- بوليفيا (دستور 2009)
تنص المادة 411 (أ) على أن الإصلاح الكلي للدستور أو الذي يمس بمبانيه الأساس، أو الحقوق والواجبات والضمانات، أو سيادة الدستور أو إصلاحه، يجب أن يتم من خلال جمعية تأسيسية مفوضة وأصيلة، تعمل وفق الإرادة الشعبية، ومن خلال الاستفتاء.
9- البرازيل
(دستور 1988): يعد لاغيًا أي تعديل دستوري مقترح يرمي إلى الآتي:
إلغاء الشكل الاتحادي للحكومة الوطنية.
المساس بالاقتراع المباشر والسري والعام والدوري.
المساس بفصل السلطات.
الحقوق والضمانات للأفراد.
لا يجوز قبول مشاريع القوانين التي تستهدف إلغاء الاتحاد أو الجمهورية أو جعلها موضوع للمناقشة (دستور 1946).
لا يجوز النظر في المقترحات التي تستهدف إلغاء الشكل الاتحادي الجمهوري أو المساواة في تمثيل الولايات في مجلس الشيوخ (دستور 1891).
10- بلغاريا (دستور 1991)
تقوم الجمعية الوطنية الكبرى بما يأتي:
اعتماد دستور جديد.
البت في أي تغييرات في إقليم جمهورية بلغاريا، والتصديق على أي معاهدة دولية تتوخى مثل هذا التغيير.
البت في أي تغييرات في شكل هيكل الدولة أو شكل الحكومة.
حل أي تعديل على المادة (5)، الفقرتان 2 و4، والفقرة (57) الفقرتان 1 و3 من هذا الدستور.
البت في أي تعديل للفصل التاسع من الدستور.
11- كمبوديا
يحظر أي تنقيح أو تعديل من شأنه المساس بنظام الديمقراطية الليبرالية والتعددية، ونظام الملكية الدستورية (دستور 1993).
لا يجوز أن تكون الأحكام المتعلقة بالشكل الملكي للدولة، والطابع التمثيلي للنظام، ومبادئ الحرية والمساواة التي يكفلها هذا الدستور، موضعًا لأي تعديل مقترح (دستور 1947).
لا يجوز إجراء أي تعديل من شأنه أن يحد من الحقوق المكفولة بموجب هذا الدستور (دستور 1947).
12- كندا (دستور عام 1982)
تنص المادتان 38-49 على إجراءات عدة لتعديل بعض أحكام الدستور. وبموجب المادة 38 فإنه:
(1) يجوز إدخال تعديل على دستور كندا بالإعلان الصادر عن الحاكم العام بموجب الختم العظيم لكندا.
قرارات مجلس الشيوخ ومجلس العموم.
القرارات الصادرة عن المجالس التشريعية لما لا يقل عن ثلثي المقاطعات التي يبلغ مجموعها، وفقًا للتعداد العام الأخير الذي أجري في ذلك الوقت، ما لا يقل عن خمسين في المئة من سكان المقاطعات جميعها.
ملاحظة هامشية: أغلبية الأعضاء
(2) يتطلب التعديل الوارد في الفقرة الفرعية (1) الذي ينتقص من السلطات التشريعية أو حقوق الملكية أو أي حقوق أو امتيازات أخرى للسلطة التشريعية أو حكومة المقاطعة قرارًا تؤيده أغلبية أعضاء كل من مجلس الشيوخ، ومجلس العموم والجمعيات التشريعية المطلوبة بموجب البند الفرعي (1).
ملاحظة هامشية: التعبير عن المعارضة
(3) لا يدخل التعديل المشار إليه في البند الفرعي (2) حيز التنفيذ في إحدى المقاطعات التي أعربت الجمعية التشريعية عن معارضتها لها بقرار أيده أغلبية أعضائها قبل إصدار الإعلان الذي يتعلق به التعديل ما لم يقم ذلك المجلس التشريعي، بعد ذلك، بقرار يؤيده أغلبية أعضائه، بإلغاء معارضته، ويأذن بالتعديل.
ملاحظة هامشية: إلغاء المعارضة
(4) يجوز في أي وقت إلغاء قرار مخالف للمخالفة لأغراض البند الفرعي (3) قبل أو بعد صدور الإعلان الذي يتعلق به.
وتنص المادة 41 على الآتي:
يجوز إدخال تعديل على دستور كندا في ما يتعلق بالمسائل التالية بالإعلان الصادر عن الحاكم العام بموجب الختم العظيم لكندا، وفقط إذا أذن بذلك مجلس الشيوخ ومجلس العموم والجمعية التشريعية لكل مقاطعة:
مكتب الملكة، والحاكم العام، وحاكم مقاطعة.
حق المقاطعة في عدد من الأعضاء في مجلس العموم لا يقل عن عدد أعضاء مجلس الشيوخ الذين يحق للمقاطعة أن يمثلوا عند دخول هذا الجزء حيز النفاذ.
استخدام اللغة الإنكليزية أو اللغة الفرنسية.
تكوين المحكمة العليا في كندا.
أما المادة 42، فتنص على أن إدخال أي تعديل على دستور كندا غير جائز في ما يتعلق بالمسائل الآتية إلا وفقًا للبند الفرعي 38 (1): (أ) مبدأ التمثيل النسبي للمقاطعات في مجلس العموم المنصوص عليه في دستور كندا؛ (ب) صلاحيات مجلس الشيوخ وطريقة اختيار أعضاء مجلس الشيوخ؛ (ج) عدد الأعضاء الذين يحق للمقاطعة أن يمثلوا في مجلس الشيوخ ومؤهلات إقامة أعضاء مجلس الشيوخ؛ (د) رهنًا بالفقرة 41 (د)، المحكمة العليا لكندا؛ (ه) توسيع المقاطعات القائمة في الأقاليم؛ و (و) إنشاء مقاطعات جديدة بصرف النظر عن أي قانون أو ممارسة أخرى.
وبموجب المادة 43، فإن أي تعديل على دستور كندا في ما يتعلق بأي حكم ينطبق على مقاطعة واحدة أو أكثر، وليس كلها، بما في ذلك (أ) أي تغيير على الحدود بين المقاطعات، و(ب) أي تعديل على أي حكم يتعلق باستخدام اللغة الإنكليزية أو اللغة الفرنسية داخل المقاطعة، يجوز أن يصدر بإعلان صادر عن الحاكم العام بموجب الختم العظيم لكندا فقط إذا أذن بذلك بموجب قرارات مجلس الشيوخ ومجلس العموم والمجلس التشريعي لكل مقاطعة ينطبق عليها التعديل.
أما المادة 44 فتنص على أنه يجوز للبرلمان حصريًا، رهنًا بأحكام المادتين 41 و42، أن يصدر قوانين تعديل لدستور كندا في ما يتعلق بالحكومة التنفيذية في كندا أو مجلس الشيوخ ومجلس العموم. ويجوز للهيئة التشريعية في كل مقاطعة أن تصدر قوانين تعدل دستور المقاطعة (المادة 45).
وبموجب المادة 49، يدعو رئيس وزراء كندا إلى عقد مؤتمر دستوري يتألف من رئيس وزراء كندا وأول وزراء في المقاطعات خلال خمسة عشر عامًا بعد دخول هذا الجزء حيز النفاذ لمراجعة أحكام هذا الباب.

Social Links: