غالباً ما تكشف التحقيقيات الصحفية الميدانية عن مفاتيح لقراءة وقائع الساحة بشكل يُضاهي أو يتجاوز أحياناً ما تكشف عنه الدراسات والأبحاث، وهذا ما ينطبق بشكل أو بآخر، على كتاب ألفته ليلى مينيانو بالفرنسية، ويشتغل على واقع مدينة تدمر السورية، ومصيرها التراجيدي، وعنوانه: “التضحية بتدمر.. تحقيق استثنائي في قلب الرعب السوري” 1.
لم تؤلف الكاتبة شيئاً من خيالها أو أوهامها الشخصية، كما لَمَّح أحد النقاد في منبر إعلامي مسيحي المرجعية 2، وإنما مُجمل مضامين العمل عبارة عن تأكيدات توصلت إليها، ومؤسسة على شهادات استقتها بشكل مباشر من لدن اللاجئين خلال السنين الأخيرة (وخاصة في الفترة بين 2015 و2016)، ومن هنا أهمية العمل.
والواقع أن أصل العمل، كان مرتبطاً بتحقيق حول تهريب الآثار، وقد تمت أغلب التحقيقات في مقاهي تركية، بحكم الجوار الجغرافي والتاريخي بين البلدين، سوريا وتركيا، في لقاءات وحوارات واستفسارات وجهت إلى العديد من ساكني وأهالي تدمر، من الشباب والكهول، ذكرتهم المؤلفة جميعاً، لكن بأسماء مستعارة 3، (ص 22): القاسم المشترك لهؤلاء أنهم فروا من القمع السياسي للسلطات السورية ومن الرعب الديني لتنظيم “داعش”. (ص 18)
فجوات في التفسير
ثمة لائحة من الأسئلة المُعلقة في تفسير الوضع، استفزت المؤلفة أثناء هذه اللقاءات، وهي تستمع وتوثق شهادات من التقت بهم، وهي فراغات تهم بالتحديد ما جرى بين 13 و21 أيار/ مايو 2015، ولخصتها في أسئلة مؤرقة من قبيل: كيف تجاهل هؤلاء التحذيرات والوقائع التي جرت تحت أعينهم في المدينة في نفس الأسبوع سالف الذكر؟ لماذا انسحبت القوات السورية بشكل مفاجئ من المدينة، قبيل “غزو” تنظيم “داعش” لها؟ كيف نفسر قدوم حافلات لنقل السجناء من سجن تدمر الشهير، قبيل نفس الفترة؟ لماذا شرعت إدارة متحف تدمر في نقل أهم التحف والمآثر التي يتضمنها المتحف؟ اللهم ــ تضيف المؤلفة ــ إن كان سيناريو هزيمة القوات السورية محسوماً فيه سلفاً، دون أن يتم إخبار ساكني المدينة بذلك، وهذا ما خلُصت إليه بالشهادات والوقائع في مضامين الفصل الثاني من الكتاب.
جاء الكتاب موزعاً على بابين بعنوان: الغزو ، تدمر – مشهد الدولة الإسلامية، ويتضمن كل باب خمسة فصول، مع مقدمة بعنوان “علي بابا والأربعون حرامي”، وخاتمة بعنوان: “تدمر، تاريخ المنتصرين”، وجاءت عناوين الفصول كالتالي: الهجوم المفاجئ، الإخلاء السري، ذعر الجيش النظامي، الفخ يتعاظم، خيار التضحية، التطهير، سجن الصحراء: مملكة الموت، تدمر الشهيدة، التحف: تهريب في الذروة، ترتيبات صغيرة بين الأعداء.
من مُميزات العمل أيضاً أن خلاصته كانت أكثر تعقيداً، لأن المشهد كذلك، رغم أن مؤلفته اشتغلت على تسجيل شهادات، والسفر إلى عدة دول (تركيا ودمشق وفرنسا وسويسرا)، إضافة إلى متابعة تحليلات خبراء عسكريين من المنطقة ومن الغرب (أوروبا وأمريكا)، والتدقيق في صور التقطت عبر الأقمار الاصطناعية، وجلسات مع أعيان تدمر، مقربون من السلطات المركزية في دمشق. وقد اختتمت الكاتبة مقدمة العمل بشهادة جامعة صادرة عن محلل عسكري سوري، جاء فيها أن “التناقض في ذروته عندما نتحدث عن الوضع في تدمر: فرغم المتابعة الإعلامية الكبيرة التي حظيها بها هذه الأحداث، ولكن يبقى الجهل سيد الساحة، وما هو مؤكد أننا إزاء حرب قذرة، ولا تخضع لأي قواعد، وعليه، سوف ننتظر سنوات عدة حتى تخرج الجثث من الخزانات”. (ص 20)
“علي بابا والأربعون حرامي”، هو عنوان المقدمة العامة للكتاب، وتتوقف فيها المؤلفة عند تبعات دخول “تنظيم داعش” إلى تدمر، مشيرة إلى هذا الغزو تسبب في استرجاع ذكريات أليمة سابقة حول مصير مآثر تاريخية طالت بعض البقاع الإسلامية بسبب غزو “الجهاديين”، لعل أشهرها واقعة تدمير تماثيل باميان في أفغانستان في 2001، أو الدمار الذي طال متحف الموصل في شباط/ فبراير 2015. يحدث ذلك في زمن حوّلت فيه الحرب الأهلية السورية أربع مدن إلى خراب طيلة أربع سنوات، وهي حلب، حمص، الرقة ثم تدمر. والنتيجة، أن “التضحية بالشعب السوري” طالت التاريخ السوري العريق نفسه، ووصل الأمر مع تهريب الآثار، إلى تغذية مصالح المستفيدين من التهريب: في أمريكا وأوروبا وإسرائيل وحتى في بعض دول الخليج العربي. (ص 26)
عنوان المقدمة سالف الذكر، مرتبطة بتعرف الكاتبة على أحد أشهر المُهربين في المدينة، من الذين يتاجرون في كل شيء: السجائر، جوازات السفر، المخدرات، وبالطبع، بعض القطع الأثرية، ولذلك كان السكان يلقبونهم بجماعة “علي باب والأربعون حرامي”. (ص 27)، وتضمنت المقدمة مزيداً من الأسئلة المُحيرة والصادرة هذه المرة عن الشاهد عصام [إسم مستعار]، بخصوص التطورات التي سبقت الغزو “الداعشي”، وفي مقدمتها سؤال حيّر ساكني تدمر: لماذا رفضت قوات النظام الدفاع عن المدينة حتى آخر رمق؟ مضيفاً أن السكان كانوا يعانون بتذمر كبير التناقض بين حالة السخط التي بدت واضحةً في المتابعات الإعلامية، وواقع الحال، لأن ذلك السخط لم يتجاوز سقف الأقوال، بمقتضى غياب قصور الجميع في الدفاع عن سكان المدينة، سواء تعلق الأمر بالثوار، أو قوات التحالف الدولي، وبالنتيجة، لا أحد تصدى للخراب الذي طال تدمر.
خُصّص الفصل الأول لاستعراض المقدمات التي ستجعل من المدينة، معنية بالصراع والخراب الذي طال أغلب المدن السورية الكبرى، فحتى مطلع 2015، أجمعت شهادات الشباب الذين التقت بهم المؤلفة، أن تدمر لم تكن مثل حمص أو حلب أو المدن السورية التي طالها الخراب بسبب الحرب، وكانت المدينة بالتالي، بعيدة عن مناطق النزاع، بل إن آلاف من السوريين حجوا للمدينة، هرباً من أهوال الحرب، وحسب أرقام هيئة الأمم المتحدة، تضاعف عدد سكان المدينة في السنوات الأخيرة أربع مرات، من 50 ألفاً إلى 200 ألفاً، حتى مطلع أذار/ مايو 2015.
ولكن أهوال الفتنة طالت المدينة رويداً رويداً، ومن الشرارات التي سوف تتسبب في اندلاع احتجاجات ساكنة تدمر، تلتها حملات الاعتقالات التي طالت الشباب، أو الزج بهم في التجنيد القسري، بلْ حالات الاختفاء القسري الذي طال بعضهم. (ص 39)
محافظ حمص.. صحاف تدمر
خُصّص الفصل الموالي للموضوع الذي بسببه حرّرت المؤلفة الكتاب، لأن الأصل في التحقيق، لم يخرج عن الاشتغال الميداني على واقع الآثار في تدمر بعد اندلاع الحرب السورية، إلا أن تطورات الأحداث، وفداحة الوقائع، دفعت المؤلفة، للاشتغال على الخراب الذي طال المدينة، مع إفراد فصل للموضوع الأصلي، وكانت أهم خلاصاته، أن التهريب تورط فيه الجميع: في الداخل (الدولة وتنظيم “داعش”) والخارج (إسرائيل وأمريكا وأوروبا وبعض دول الخليج العربي).

عالم الآثار السوري خالد الأسعد
فحتى بعد دخول تنظيم “داعش” لتدمر، ومع أنه دمر بعض المآثر، ولكنه سمح وتورط في تهريب أخرى، بشرط الحصول على نسبة من أموال التهريب، وكانت تناهز الخمس (ص 169)، مع الإقرار بصعوبة تقدير حجم العائدات المالية من عمليات التهريب هذه، سواء كانت تتم تحت أعين التنظيم أم لا، خاصة أنه قبل اندلاع الحرب، كانت حوالي 80 في المائة من المآثر خارج التدقيق والتقييم، حسب شهادة أبو علي، الضيف/ الشاهد الرئيسي في هذا الفصل، والملقب في تدمر بـ”اليهودي الصغير”، مع فارق نوعي مرتبط بتورط تنظيم “داعش” في عمليات التهريب هذه، أشار إليه خبير دولي يُقيم في نيويورك، متخصص في المآثر اليونانية والرومانية، واعتبر أن تهريب المآثر في هذه الحالة، لا يمكن التعامل معه بقاعدة التبخيس من قبيل أنه لا يقتل في نهاية المطاف، وإنما مجرد تبادل مآثر بأموال، بل إنه أسوأ، يُضيف الخبير، لأن أموال التهريب هنا، لا تتعلق بالجريمة المنظمة أو بالمافيا، وإنما تتعلق بمنظمة إرهابية. (170).
الصراعات البراغماتية
من يقرأ عنوان الفصل العاشر والأخير، والذي جاء كالتالي: “ترتيبات صغيرة بين الأعداء”، يعتقد أن الفصل مُخصّص لتسليط الضوء على بعض الترتيبات أو المفاوضات التي طالت المعنيين بالصراع، محلياً وإقليمياً، والحال أنه بالكاد تطرقت المؤلفة لهذه الجزئية في خاتمة الفصل، عندما أشارت إلى أن أطراف النزاع في تدمر، انتصروا للعقل البراغماتي، فمن جهة، ساهمت الشعارات الكبيرة التي رُوجت حول “الحرب على الإرهاب”، في تغذية خزائن تنظيم “داعش” مع تواطؤ لرجال أعمال، مع أن التنظيم هو المُستهدف الأول من هذه الحرب، ومن جهة ثانية، تواطئ بعض الطهرانيين “الجهاديين” في تنظيم الأمن ببعض أحياء المدينة، مقابل تلقي أجور من دمشق، مع أنهم يزعمون قتال الجهاد ضد النظام. (ص 190).
سلطت المؤلفة الضوء في هذا الفصل على الأداء “الداعشي” في تدبير شؤون المدينة، حيث خلصت شهادات من التقت بهم المؤلفة إلى أن التعامل مع الجهاديين الداعشيين، يفترض بداية، أننا إزاء متدينين يُطبقون “الإسلام الصحيح”، بتعبير عبد الله [جهادي سابق من التنظيم]، ولكن “عندما تجالسهم وتخالطهم وتقضي الوقت الكثير معهم، تكتشف أن أغلبهم عبارة عن سُرّاق” (ص 176)، يقودهم زعيم التنظيم في المدينة، وهو تونسي الجنسية، ولو أن الانتماء الوطني عند الفاعل الإسلامي الحركي، وخاصة الفاعل القتالي أو قل “الجهادي”، ثانوي الأهمية، مقارنة مع إحساس الانتماء للجماعة والأمة.
ليس هذا وحسب، تضيف شهادة عبد الله، فقد استقطب التنظيم حوالي 1500 شاباً من المدينة مباشرة بعد احتلاله لها، مقابل أجر شهري يناهز 150 دولاراً، وهذا مبلغ يُغطي الشيء الكثير عند هؤلاء الشباب، الذين لا علاقة لهم بالمرة بما يُصطلح عليه “المرجعية الجهادية”؛ ومن أسباب تخلي عبد الله عن الخطاب/ المشروع “الداعشي”، استفساره عن غياب كلي لأعضاء من عائلات ومقربين القيادات “الداعشية” التي كانت مُكلفة بإقناع الشباب حديثي الانتماء للمشروع، للقيام بعمليات انتحارية أو العمليات “الاستشهادية” بالتعبير الإسلامي الحركي في شقه الدعائي.
من المفاتيح المفاهيمية التي جاءت في هذا الفصل الهام، تأكيد ما خلُصت إليه عديد دراسات ومقالات تطرقت لموضوع الاستقطاب “الجهادي”، حيث أكد عبد الله، أن التنظيم راهن بشكل كبير على الاستقطاب الرقمي، بما في ذلك استقطاب الشباب الأوروبي المسلم، ومما صدر عن المعاملة الداعشية أيضاً، نقرأ تورط القيادات في بيع نساء وشابات يزيديات، تحت شعار “العبودية”، ويحفل الفصل ببعض الأرقام ذات الصلة بهذا الملف الحقوقي المؤرق، من قبيل أن عددهن ناهز 3144 أسيرة، وأن ثمن “بيعهن” كان يتراوح بين 800 و900 دولار. (ص 180).

جاءت خاتمة الكتاب بلغة درامية وتغلب عليها نزعة تشاؤمية صريحة، من هول ما عاينته وخلُصت إليها المؤلفة، مُنتقدة بسخرية لاذعة، الدعاية والدعاية المضادة بين بث تنظيم “داعش” مشهد إعدام الجنود في مسرح تدمر الروماني، وبث قوات التحالف حفل موسيقى كلاسيكية لإحدى أشهر الفرق الكلاسيكية الروسية، والتي صاحبتها إشادة رسمية صادرة عن أعلى سلطة سياسية في روسيا: فلاديمير بوتين دون سواه (ص 199)، حيث توقفت المؤلفة ملياً عند الدور الروسي المفصلي في التحولات التي طالت الأوضاع في سوريا، سواء تعلق الأمر بالوضع في تدمر، أو الوضع في سوريا ككل.
الهوامش:
1- Leila Minano, Le sacrifice de Palmyre : Une enquête inédite au cœur de l’horreur syrienne, Grasset, Paris, octobre 2016, 224 pages.
2- Bruno Frappat, Palmyre deux fois violée, La croix, Paris, 22/12/2016, in: Link
3- هذا هو المعمول به بشكل عام في مثل هذه التحقيقات الصحفية، حيث يستأذن المحقق من المستجوَب، بخصوص ذكر الأسماء، وحتى لو أفصح المستجوَب عن غياب أي إحراج في حال ذكر إسمه، يملك الصحفي سلطة تقديرية تخول له الحسم في موضوع ذكر الأسماء الحقيقية أو ذكر أسماء مستعارة، من باب عدم إثارة أي مشاكل لاحقة للمستجوَب، وبالنسبة لهذا العمل، فقد أكدت ليلى مينيانو أنها رفضت بث شهادة عشرات من الشباب السوري، بحكم إقامته في سوريا، ورغبة منها في عدم التسبب لهم في مشاكل لاحقة في حال نشر الشهادات. (ص 64)].
4- تصريح مؤرخ في 14 أذار/ مايو 2015.
5- موضوع إخلاء السجناء، أكدته شهادات سجناء سابقين، كما روتها المؤلفة بالتفصيل والوقائع في الفصل السابع من الكتاب. (ص 137).
6- Isabelle Mandraud (avec Gilles Paris), Fabius et les islamistes d’Al-Qaïda “qui font du bon boulot sur le terrain”, in : Link

Social Links: