لا شك أن الأحداث المتسارعة في المنطقة منذ العام 2011 قد شرعت الأبواب لإعادة النظر في كثير المفاهيم السياسية والإجتماعية والدينية والقومية وغير ذلك ، وهذا ما أعتقد أنه الميزة الإيجابية الوحيدة إلى الأن التي نجمت عن هذه الأحداث الرهيبة. فلقد ظهر على السطح كثير من الإعتبارات الخاطئة لمجمل ماتحمله المنطقة من مفاهيم تجاه الدين والقومية والسياسة والثورة والمؤامرة الخ. ذلك أن عقوداً من التقوقع وعدم التفكير بصوت عالٍ ، والإبتعاد عن العمل السياسي ، ومحاربة الفكر ومنعه من التبلور سياسياً، كلها عوامل ساعدت على انتشار مفاهيم جاهزة تجاه جميع مناحي التفاعلات البشرية في المنطقة.
ولعل ثنائية ثورة/مؤامرة هي واحدة من أهم الشعارات التي اصطف وراءها الشارع السوري ، بالإضافة إلى الشارعين العربي والإقليمي اللذان انقسما رفداً ودعماً إما للسوريين القائلين بالثورة، أو للسوريين القائلين بالمؤامرة. لذا، سنحاول في قادم السطور الإجابة عن سؤال: هل ماحدث في سوريا والمنطقة عام 2011 كان نتيجة مؤامرة خارجية؟ علماً أن الإجابة عن هذا السؤال لاتحمل في طياتها أحكام قيمة وموقف إيجابي مفترض من التداعيات والتطورات اللاحقة للعام 2011.
طبعاً ليس من المنطقي أن نزول الملايين الى الشوارع العربية بدءاً من تونس وانتهاءً بسوريا هو مؤامرة خارجية استهدفت الدول العربية. ذاك أن المؤامرة تكون محدودة المكان وغير ممتدة هذا الإمتداد الجغرافي الكبير. من ثم، فالمؤامرة السياسية أيضاً تكون ضد طرف مناهض للطرف القائم بالمؤامرة وليس ضد طرف متعاون. من هنا، لايمكننا الحديث عن مؤامرة خارجية في حين أن الأطراف التي شملتها حالة الإنتفاضات الشعبية قد كانت بمجملها أطرافاً حليفة ومتعاونة مع الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية. فدولاً مثل تونس ومصر واليمن والبحرين وليبيا كانت ، وعلى درجات متفاوتة، تعمل ضمن إطار التوجه الغربي والمصالح الغربية، والإستثناء الوحيد في ذلك كان سوريا والتي بسببها ظهرت على السطح مقولة المؤامرة كتحليل نهائي، وهي مقولة ساذجة سياسياً لكن ذكية في استخدامها المخابراتي كأحد أدوات المواجهة مع التغيير وإدارة الأزمة.
لقد كانت الإحتجاجات الشعبية التي بدأت من تونس وتبلورت لاحقاً في مصر وامتدت فيما بعد الى كل من اليمن والبحرين وليبيا وسوريا ، وبشكل جزئي السعودية والمغرب والأردن، هي بمثابة صدمة ومفاجأة ليس فقط للعرب ومحيطهم ، وإنما أيضاً للمجتمع الدولي. ذلك أن ماحدث كان انفجاراً شعبياً يصعب التنبؤ بتوقيته ، لكن على الأكيد أن الجميع كان يعرف إستدلالياً أن انفجاراً شعبياً سيحدث يوماً ما نتيجة القمع السياسي والفساد والتخلف وغياب النمو والتنمية وانتشار الفقر وغير ذلك من عوامل محض داخلية ومتشابهة بين الأقطار العربية المختلفة. إن حضور هذه العوامل منذ عقود قد جعل الجميع يتنبأ مسبقاً بهذا الإنفجار، لكن ، وكما في أي ظاهرة بشرية، فإن التوقيت كان من الصعب تحديده.
إن الإنفجارات السياسية والإجتماعية الكبرى في التاريخ المعاصر لايمكن لها أن تحدث في إطار ضيق جغرافياً وسياسياً، وإنما تحدث في إطار إقليمي واسع. والإقليم هنا ليس بالمعنى الجغرافي فقط، وإنما أيضاً بمعنى الخصائص الثقافية والسياسية والإجتماعية والدينية وغير ذلك من حيثيات، وعلى نحو أكبر في الفاعلية والمدلولات من المعنى الجغرافي.
لتوضيح هذه الفكرة، ليس علينا سوى النظر إلى التغييرات الكبيرة التي أصابت أوربا الشرقية نهاية ثمانينات القرن الماضي، والتي شكلت انفجاراً إقليمياً كان من الواضح أنه سيبدأ من مكان ما ولن ينتهي إلا وقد شمل أغلب دول هذه المنظومة الإقليمية، طبعاً بأشكال ودرجات مختلفة وبتسارعات متفاوتة كما في أي حدث اجتماعي/سياسي كبير في التاريخ. كان من الصعب في نهاية ثمانينات القرن الماضي أن ينحصر التغيير في دولة أوربية شرقية واحدة، تماماً مثلما كان من الصعوبة بمكان حصر الإنفجار العربي بعد مصر، التي شكلت بثقلها السكاني وقوتها البشرية وتأثيرها الإقليمي قوة الدفع الرئيسية لانتشار الإنفجار هنا وهناك. دون مصر، لكان التغيير التونسي بقي تونسياً واستحال انفجاراً اقليمياً، تماماً مثلما استحال “ربيع براغ” عام 1968 ربيعاً أوربياً !!.
في نهاية ثمانينات القرن الماضي، لم تصلنا رياح التغيير الأوربية على الرغم من تشابه البنية السياسية لمعظم الأنظمة العربية مع مثيلاتها في أوربا الشرقية، وذلك لسبب رئيسي وهو أن الدول العربية لاتقع في نطاق الإقليم الأوربي الشرقي جغرافياً، كما أن بنيتها البشرية وهياكلها الإجتماعية ومورثاتها الثقافية والدينية ليست من نفس طينة تلك الموجودة في أوربا الشرقية، وهي عوائق بإمكانها حصر الإنفجار داخل القارة العجوز ، فلايعود لمبدأ ” أثر الفراشة” أية فاعلية تذكر.
إن هذا الأمر واضح بدوره في أوربا الغربية، وفي جنوب شرق أسيا، وفي أميركا اللاتينية. فهؤلاء جميعاً يتحددون ضمن نطاقات جغرافية وبشرية تتفاعل فيما بينها لتنتج نسيجاً إجتماعياً له قابليته الخاصة والمميزة في الإستجابة لكثير من الظواهر السياسية والإجتماعية ، بل حتى الإقتصادية والرياضية والذوق الفني. فهل كان يمكن بمكان مثلاً حصر انتشار الديكتاتوريات العسكرية في دولة دون أخرى في الفضاء المسمى أميركا اللاتينية؟ وفي هذا الفضاء نفسه، أليس من الواضح أن صعود اليسار إلى الحكم خلال العقدين الماضيين كان لايمكن احتواءه في دولة لاتينية دون أخرى؟ فحتى على مستوى الرياضة، تشكلت في هذا الفضاء مدرسة كروية بحتة كان يستحيل أن تنفرد بها دولة لاتينية دون الأخريات. إن هذا بالضبط مايحيلنا الى الفضاءات البشرية الإقليمية في العالم المعاصر والتي لايمكن إلا وأن تتطبع بطابع ما ، وأن تؤثر مكونات كل فضاء إقليمي وتتأثر ببعضها البعض الى الدرجة التي تطبع فيها هذا الفضاء بطابع خاص. فكلما كانت المكونات تتقاسم أكبر عدد من المشتركات السياسية والإجتماعية والثقافية والروحية ، كلما كان احتمال التأثر والتأثير أكبر.
إذاً، فالموجات الإحتجاجية الشعبية في سوريا بدءاً من العام 2011 جاءت ضمن سياق إقليمي مشروع، مما يطعن بفرضية المؤامرة. هنا من الواجب الإشارة إلى أن القول بالمؤامرة يفترض وجودها خارج سياق سياسي وإقليمي معين. بمعنى، لو حدثت الإحتجاجات الشعبية في سوريا في عام 2003 عقب الغزو الاميركي للعراق، لكانت ضمن سياق المؤامرة والتدخل الخارجي، وكذلك لو حصلت في عام 2005 أثناء محاولات عزل الدولة السورية ، والتلويح باسقاط النظام عقب اغتيال رفيق الحريري في لبنان، لكانت أيضاً احتجاجات من الممكن القول عنها أنها من ضمن تكتيكات المؤامرة الخارجية. لكن السياق في عام 2011 كان مختلفاً تماماً، وفي ظل أصلاً تململ أميركي/غربي تجاه المنطقة ومحاولته الإبتعاد عنها وعن مشاكلها.
هذا الأمر يعرفه جيداً صناع القرار في سوريا أكثر من حاضنتهم الشعبية، لذلك بدأوا التحضيرللمواجهة قبل وصول رماد الإنفجار البركاني إلى دمشق. إن القيادة السياسية في سوريا كانت على ثقة أن المواطن السوري الذي يشاهد على التلفاز مظاهرات مليونية و سقوط أنظمة عربية تشبهه في البنية وفي الحيثيات الداخلية، لايمكنه إلا أن يتأثر ويستجيب لهذا الحافز الذي من السهل عليه أن يحظى بفاعلية في بلد أنهكه الفساد والمحسوبيات والإقتصاد المتهالك والفقر…والقمع السياسي.
ومايدلل على اقتناع سوريا بأن مايحدث في دول عربية عديدة سيشملها، هو مسارعتها لرفع الحجب الحكومي عن وسائل التواصل الإجتماعي في شباط من العام 2011، ومن ثم في النشاط الإعلامي للدكتورة بثينة شعبان على صفحات جريدة “الشرق الأوسط” وجريدة Gulf News الإماراتية الناطقة بالإنكليزية.
فبالنسبة للدكتورة بثينة شعبان ، والتي تعبّر في كتاباتها عما يجول في ذهنية القيادة السياسية، فقد عملت على الإيحاء للسوريين أولاً وللعرب ثانياً أن مايجري في مصر هو بسبب اتفاقية كامب ديفيد!! والصلح مع اسرائيل!! أي في تجاهل واضح للدوافع الداخلية والذاتية للإحتجاجات الشعبية. ففي مقالة نشرتها في صحيفة ” الشرق الأوسط ” مطلع آذار 2011 كان عنوانها: ” الشعب يريد إسقاط الدعم الأميركي للإستيطان ” ، أرادت شعبان القول أن مايجري في المنطقة لن يصل إلى سوريا لأن سوريا لا تقيم صلحاً مع إسرائيل!! وأن الإحتجاجات الشعبية حصلت بسبب خنوع الحكام في تلك الدول للإرادة الأميركية. طبعاً مقاربة الدكتورة شعبان هذه خاطئة تماماً ( وهو ما أثبتته الأيام لاحقاً) لأنها تنفي كلياً العوامل الداخلية للإحتجاجات ، وتنفي وقوع سوريا ضمن منظومة إقليمية متشابهة بشرياً ولغوياً ودينياً وحضارياً، بالإضافة إلى تجاهلها درجة تشابه هياكل الحكم وممارساته في سوريا مع تلك في الدول العربية الأخرى، وكلها هنا عوامل دافعة ومحفزة. يذكر في هذا الصدد أن الدكتورة شعبان قامت بنشر مقالة مشابهة لكن باللغة الإنكليزية في صحيفة Gulf News الإماراتية.
إن خطأ الدكتور شعبان يكمن في اعتبارها أن انتماء الدولة السورية لمحور مناهض للمحور الأميركي في المنطقة سيمنع عنها الإحتجاجات الشعبية المتأثرة بمايحدث في الإقليم العربي، في حين أن هذا الإنتماء لايمكن له منع وصول الإنتفاضات وإنما فقط مواجهتها والتعبئة المضادة ضدها. فوجود الدولة السورية ضمن محور المقاومة والممانعة السياسية قد ساهم في العمل على زيادة التعبئة الشعبية في سوريا والمنطقة لصالح السلطة في مواجهة الإحتجاجات، هذا إلى جانب عوامل أخرى طبعاً.
إن الجملة الأخيرة تقودنا للإشارة إلى أن الإنفجارات الإقليمية وإن تحدث ضمن موجات تنتقل من بلد إلى أخر ضمن الفضاء الإقليمي الواحد، إلا أن صيرورة هذه الإنفجارات ومآلاتها ليست واحدة تماماً، بل تختلف من بلد إلى أخر استناداً أيضاً الى عوامل محض داخلية مستدة إلى ظروف خارجية. فمايسمى الربيع العربي انتهى إلى حروب أهلية عرقية ودينية في مختلف الأقطار العربية باستثناء دولتين هما تونس ومصر. وهذا بالتأكيد ليس عائداً إلى مناعة ذاتية للدولتين وإنما لغياب المحفزات. فتونس تتسم بأنها بلد متجانس عرقياً ودينياً ومذهبياً، وكذلك مصر إلى حد كبير وبنسبة 90%. بينما نجد أن الدول العربية التي تتمتع بفسيفساء قبلية ودينية ومذهبية وعرقية، يستحيل فيها التغيير السلس والرومانسي. فماحدث في دول مثل سوريا والبحرين واليمن يشبه تماماً ماحدث في يوغسلافيا السابقة عندما وصل إليها غبار حجارة جدار برلين المنهار!! إذ استحال التفاعل مع التغيير في يوغسلافيا إلا حرباً أهلية بأشكال عرقية ودينية. ذاك أن التنوع الديني والعرقي والإنكفاء ضمن حدود هذه التعريفات ماقبل الوطنية لظروف عديدة ، هي عوامل معيقة للتغيير السلس والرومانسي الذي شهدته معظم منظومة دول أوربا الشرقية.

Social Links: