تتابع الرافد نشر الدراسة المهمة للكاتب العراقي التقدمي وعالم الاجتماع 
فالح عبد الجبار عن مفهوم النظام الشمولي (التوتاليتارية) وننشر اليوم الجزء الثالث منها:
نظرية النقاط الست
كان كارل فريدريش العقل المدبر للتعريف-الليبرالي للتوتاليتارية كشكل جديد حديث للاستبداد الفردي (Despotism- antocracy حكم الفرد الواحد) الذي يمتاز بمجموعة من السمات. وقد اتخذ تصنيفه أشكالا متنوعة. ففي محاولته الأولى تمت بلورة خمس نقاط باعتبارها الجوهر المحدد للأنظمة التوتاليتارية. لقد وضع فريدريش في كتابه “The Nature of Totalitarianism – طبيعة التوتاليتارية” خمسة عناقيد من السمات الأساسية المحددة لجوهر النمونج التوتاليتاري الجديد. وتستحق هذه العئاقيد أن تورد بتمامها:
“العوامل آو الملامح الأىساسيه التي تتشارك فيها المجتمعات التوتاليتارية في عصرنا هي خمسة، أو يمكن جمعها في خمسة عناقيد من السمات المميزة والوثيقة الصلة بعضها بالاخر:
1 – أيديولوجيا رسمية مركبة من مجموع رسمي من المذاهب التي تغطي ملامح وجود الإنسان كافة حيث يفترض في كل من يعيش في هذا المجتمع الالتزم بها بصورة سلبية على الأقل؛ وتتركز هذه الأيديولوجيا بصورة واضحة على مزاعم قيام مجتمع إنساني مثالي كامل.
2 -حزبب جماهيري واحد مؤلف من نسبة ضئيلة نسبيأ من مجموع السكان (قد تصل إلى 10 ٪) من الرجال والنساء الجامحين والمتفانين من دون تردد، في سبيل الأيديولوجيا والمستعدين للمساعدة على كل وجه في سبيل ترويجها والقبول العام بها، مع كون هذا الحزب منظماً على نحو أوليغاركي، تراتبي صارم، وخاضع عادة لزعيم وحيد، وإما متعال أومختلط تمامأ بالتنظيم البيروقراطي الحكومي.
3 -احتكار تكنولوجي شبه كامل للسيطرة على وسائل العنف المسلح كافة (في ايدي الحزب وكوادره كالبيروقراطية والقوات لمسلحة).
4 -احتكار شبه كامل مشروط للسيطرة على وسائل لإعلام ١لجماءية الفعالة كا لصحا فة، والإذاعة، والسينما، وما الى ذلك، (في الأيدي نفسها).
5 – نظام بوليسي إرهابي يعتمد في فعاليته على النقاط 3 و4، ويتوجه بصورة مميزة لا نحو “أعداء” النظام الواضحين، بل ضد طبقات يتم اختيارها بصورة عشوائية من بين أفراد الشعب، مع تمحور الاختيار حول متطلبات بقاء النظام، والتضمينات الأيديولوجية التي تستغل علم النفس بصورة منظمة.
كشب فريدنش هذا النص منة 1953؛ وفي نص ثان بالتعاون مع زبغنيوبريجنسكي سنة 1956، تحت عنوان Totalitarian Dictatorship and Autocracy (الديكتاتورية التوتاليتارية وحكم الفرد) أضاف فريدنش كوكبة أخرى إلى قائمته، مقدمأ المتلازمة السداسية النقاط الشهيرة. والكوكبة السادسة هي السيطرة على الاقتصاد.
6 –”سيطرة وإدارة مركزية للاقتصاد بأكمله عبر التنسيق البيروقراطي لكيانات اتحادية مستقلة سابقأ، تشتمل بصورة مميزة على كافة الروابط والأنشطة الجماعية الأخرى”.
وسّع (فريدريش) و (بريجنسكي)، عبر تعريف التوتاليتارية كشكل حديث من حكم الفرد (المستبد)، نطاق المقارنة السياسية لتشمل التارخ المدوّن كلّه للأنظمة السياسية في التاريخ البشري. وهكذا “فإن (التوتاليتانة باعتبارها شكلا من حكم الفرد – المستبد) موجودة معنا منذ فترات طويلة من تاريخ البشر”
هذه الصيغة “النهائية”، التي ربما حظيت بمزيد من الأناقة الأسلوبية، تعرضت لجدال متواصل داخل المدرسة التوتاليتارية بحثآ عن مزيد من الدقة في التحليل٠ ولم يكن المعسكر التوتاليتاري موحّدأ، بل تنامى الشقاق جراء مصدرين: الفلاسفة الألمان، وضحايا النازية، علاوة على الليبرالية الأمريكية المصرّة
أيام الحقبة المكارثية على مواجهة الكتلة السوفياتية. كان الجدال يومها، منغمسا في التجارب الجارحة للإرهاب النازي وفظائع الحرب مثلما كان منغمسا في حمّى الحرب الباردة.
من الخارج، جاءت الحملات على نظرية فريدريش -بريجنسكي من اليسار الماركسي في محاولة لإسقاط النظرية من المضمار الأكاديمي. فقد ركّز اليسار الماركسي على الحاجة إلى التمييز بين النمط”الفاشي” والنمط السوفياتي، وأجبر المدرسة التوتاليتارية على التماس الفاظ وتعريفات أقل إثارة للسجال، اوالى التخلي عن نظريتهم نهائيا.
حاولت أرندت، وهي فيلسوفه ذات نفاذ بصيرة تاريخية، القيام باستقصاء أصول التوتاليتارية؛ وقد التمست ذلك عبر تحليل التاريخ العام للتصنيع الأوروبي او العالمي بالتضافر مع التواريخ القومية المحدّدة للألمان والسلافيين.
والحقيقة أن أرندت درست العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي نشات عنها الحركات والأنظمة التوتاليتارية، كما تطوّرت عبر الزمان والمكان؛ فسوسيولوجية التوتاليتارية كانت محور اهتمامها.
وفي نظرها آن عملية التصنجع العالمية تميل الي تغطية الأرض، غير أنها سجينة قفص السوق والسياسة: “ولدت الإمبريالية عندما نهضت الطبقة الحاكمة في الإنتاج الرأسمالي في وجه الحواجز القومية الحائلة دون توسعها الاقتصادي..” لكن فيما كانت الطيقات الراسمالية تدفع نحو الخارج. والطيقات السياسية تميل نحو الداخل، “حاولت البورجوازية، ونجحت جزئيأ، في إقناع حكوماتها القومية بأن تسلك طريق السياسة الدولية.
يعتمد تحليل أرندت للإمبريالية اعتمادأ مكثفآ على الأفكارالتي طوّرها المفكرون الألمان والنمساويون: روزا لوكسمبورع، رودولف هيلفردينغ، وكارل كاوتسكي، غير أن لتحليلها محاسنه إذ ينتقل من عالم الكرة الأرضية الأكبر إلى العالم الأصغر لدول صناعية معينة، ومن هناك إلى اجزاء صغرى من التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية: الطبقات، الجماهير، الغوغاء. هذه المستويات الثلاثة تترابط بكون آلة النمو الصناعية تتجذر في “عملية لا نهاية لها من مراكمة رأس المال”، وهذا ما يستلزم “عملية لا نهاية لها من مراكمة القوة الضرورية لحماية إنتاج الثروة. كانت النزعة التوسعية دواء لكافة الأمراض، وعلاجا شافيأ لكافة النزاعات”. إن عالم الإمبريالية يخلق صدعا بين الأمة والعالم؛ وهو يعمّق أيضأ الانقسام الاجتماعي: فعلاوة على رأس المال الفائض، ثمة طبقة (أو طبقات) فائضة تتألف من الفقراء، والمهمّشين والمحرومين، أو “الحطام البشري الذي تلفظه كل أزمة، تعقب بصورة ثابتة كن فترة من النمو الصناعي، وتنبذه من المجتمع المنتج”.
فالركود الاقتصادي وتداعي الدورات الاقتصادية اخترعا التوسّع باتجاه فضاءات غير رأسمالية لتحاشي الانهيار في الوطن. تتلاقى الطبقات الراسمالية الحاصلة على ثروة فائضة والمحتا جة إلى اسواق وتتّحد مع طبقاات المهمشين والعاطلين عن العمل الفائضة في الوطن، وتتضافر طاقات هذه الطبقات للاستحواذ مستعمرات العالم. هذا الحل الذي تمّ اختراعه فى أواخر القرن التاسع عشر كان حلا مؤقتآ. وقد اوجد التوتر الداخلى تصدعات اخرى: فقد ازداد التنافس حدة ودفع الدول القومية الى تعزيز التفكير العنصري، كما في المانيا كاداة لتوحيد الأمة.
وقد عملت النزعة التوسعية على تعزيز العنصرية، كما رأت (أرندت). وكانت الإمبريالية الممتدة إلى مستعمرات ما وراء البحار (من النمط البريطاني والفرنسي) تحتقر الشعوب الأخرى باعتبارها برابرة؛ واتخذت الإمبريالية القارية التي اعتمدتها ألمانيا وروسبا على أسس جرمانية جامعة، او سلافية جامعة على التوالي، موقفأ مشابهأ؛ لكن الفرق هو ان مستعمرات ما وراء البحار بعيدة من المؤسسات الليبيرالية في الوطن، بينما الملحقات القارية قريبة، بحيث لا يسمح بأي فرق بين “الطرق والمؤسسات التسلّطية في المسستعمرة وفي الأمة”. وقد استولدت الإمبريالية القارية “الاستهتار بالقانون والمؤسسات القانونية والتبرير الأيديولوجي للخروج على القانون ”
وتعتقد أرندت أن عناصر النزعة التوسعية، والعنصرية، والاستهتار بالقانون، وكلها من مكونات النظام الصناعي الأوروبي، انفجرت في الحياة الاجتماعية والسياسية إبان أزمة 1914، بحيث مزقت واجهة الاستقرار الظاهري. فغي الأمم المهزومة (ألمانيا، النمسا، هنغاريا، روسيا، وإيطاليا المذلّة)، لا
في الأمم المنتصرة، برز تغير اجتماعي غير حميد. وفي الحقبة الممتدة بين الحربين توتر المجال الاجتماعي جراء انهيار “الطبقات المتوسطة المجردة من ممتلكاتها، والعاطلين عن العمل، وصغار أصحاب الريوع، وأصحاب المعاشات التقاعدية النين جردتهم الحوادث من المكانة الاجتماعية، وإمكان العمل، والحق في حيازة الممتلكات”. والأسوأ من ذلك كله كان وضع الأقلية العديمة الجنسية.
وفي رأي أرندت أنه، عند هذه النقطة، تطور مجتمع حضري جماهيري، أضعف الانتماءات الطبقية وأحلّ الجماهير التي لا وجه لها محل حشد – crowd – القرن التاسع عشر والرعاع – mob -.
وهذه في رأيها النقطة التي ظهرت فيها الحركات التوتاليتارية، فراحت تنظم الجماهير بدلآ من الطبقات. فالتحالف بين النخبة – elite – والحشد – crowd – الذي كان قائما في القرن التاسع عشر، جرى نسخه بقيام تحالف النخبة – الرعاع – الجماهير. وفي تحليلات أرندت يستحيل قيام الحركات الشمولية من دون بروز الجماهير (masses) اي “المجتمع المفتت إلى ذرات، الأفراد الممزقين الذين لا قبل لهم بالاندماج في أي وعي لمصالح طبقية مشتركة، والذين اكتسبوا، لأسباب متفاوتة، شهية التنظيم السياسي”. غير أن تحليلها افتقر إلى الوضوح بالنسبة إلى الفرق بين “الغوغاء” و” الجماهير”. والحقيقة هي أن الجماهير نمت من شظايا المجتمع المفتت الذي لم يكن يحد من بنيته التنافسية وما يساوقها من وحشة الفرد، إلا شعور الانتماء إلى طبقة.
وجملة القول: إن النزعة التوسعية، والقومية العنصرية، وتقاليد الاستهتار بالقانون، والأفراد المفتتين المتحوّلين إلى جماهير متفسخة، اجتمعت كلها في لحظة تازم في البلدان التي حزّت في نفسها الهزيمة القومية في الخارج والأزمة الاجتماعية الاقتصادية في الداخل، لإنتاج التيار التوتاليتاري. والسمة
الأساسية للنظام التوتاليتاري في نظر (أرندت) هي الإرهاب. وقد كان هذا مفهومأ واسعأ في نظرها، يشتمل على العنصرية، والاستهتار بالقانون، والإرهاب البوليسي؛ إنه نقيض حكم القانون، والاختيار الحرّ والحريات الفردية. غير ان الإرهاب لم يكن إلا مجرد اداة؛ اما الهدف فكان يتخطى ذلك. الإرهاب أحد ملامح النظام، إنه الطريقة التي يتحرك من خلالها ويزدهر؛ وهذا لا يقول شيئأ بالطع عن كيفية تركيب النظام، وإن كان يقول كيف كانت تعمل تقئيات ممارسته للسلطة.

Social Links: