مقاربة سوسيولوجية وتاريخية ومفاهيمية – الديمقراطية

مقاربة سوسيولوجية وتاريخية ومفاهيمية – الديمقراطية

فالح عبد الجبار

 

تعريف الديمقراطية

الديمقراطية نظام فريد للحكم. وهي في شكلها المعاصر نتاج للعصر الصناعي، آو عصر الحداثة المتميز بالعلمانية والتمدين والليبرالية ٠ لقد استغرق نشوء وتطور هذه الحقبة قرونا. في هذا البحث سوف نتفحص بعض المظاهر التاريخية لهذه العملية المديدة وغير المتكافئة بل المتناقضة وحتى المروعة فحصا يندرج في شكل سرد للوقائع وتدقيق للمفاهيم.

 

التقدم والتراجع في الديمقراطية

كانت الرأسمالية الصناعية (العصر الصناعي) في القرن التاسع عشر لا تزال جزيرة صغيرة في خضم محيطات الإنتاج الفلاحي الصغير والإنتاج الحرفي الصغير. وعلى الغرار نفسه كانت الديمقراطيات استثناءات قليلة في وسط محيطات من النظم الأوتوقراطية أو السلطانية أو العسكرية (البريتورية) علاوة على الكيانات القبلية ما قبل السياسية. في أوائل القرن العشرين اخذت الديمقراطيات في التراجع والسبب أن العصر الصناعي كان في أزمة، ضحية لنموه وتفتحه بالذات. ولما كان هذا العالم يتشكل من وحدات أساسية هي الأمم، فإن أمماً منفردة سقطت ضحية لأزمة مستعصية أطلقت العنان لتمردات جماعية (اشتراكية) من قوى اليسار أو قومية دولتية من قوى اليمين (الدولتية فكرة تضع الدولة فوق كل شيء وتسحق حتى شعبها باسم الحفاظ على الدولة كمبدأ أسمى). ودشنت هذه الأمم قطيعة مع التقاليد الليبرالية أو كانت غير قادرة على إبقاء المؤسسات الديمقراطية الضعيفة أصلاً. ونتيجة لذلك ظهرت الأنظمة الشمولية ومقلدوها في دول الأطراف. في تلك الفترة، أخذت الديمقراطية بالتراجع في العالم اجمع. ففي عام 1920 كان ثمة أكثر من 35 حكومة دستورية منتخبة، وفي عام 1938 لم يكن هناك غير 17. أما في عام 1944، فلم يبق غير 12 ديمقراطية من 64 دولة قومية في المعمورة. لقد جاء التهديد الكبير للديمقراطية من الأنظمة الشمولية اليمينية. وتبعاً لقول (هوبزباوم) ففي 1918 – 1920، قامت أمتان أوروبيتان بحل الجمعية التشريعية، وفي العشرينيات من القرن العشرين، قامت بذلك ست دول، وفي 1930 تبعت ذلك المثال التدميري تسع دول. لقد حطم الاحتلال الألماني الكثير من الديمقراطيات، وما بقي في أوروبا كان: بريطانيا وفنلندة والسويد وسويسرا وارلندة. بعد الحرب العالمية الثانية عاد بناء الديمقراطية بقوة في أوروبا الغربية في بلدان مثل إيطاليا والنمسا. ولكن كان ثمة تطور معاكس في طور التشكل في الوقت نفسه: سلسلة من التحولات اليسارية المدعومة من الجيش الأحمر في وسط أوروبا، راحت تقلد روسيا الستالينية، ومن بينها دول كانت سائرة في فلك المانيا النازية، وقد استنسخت قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها نموذجين اجتماعيين متعاكسين يميني ويساري يقومان على نظام دولة الحزب الواحد المركزية.

مع اشتداد الحرب الباردة، أخذت الكثير من الدول في آسيا وافريقيا وبعض دول ما بعد الكولونيالية تنقلب على أنظمة الحكم الليبرالية من الفترة الكولونيالية البريطانية والفرنسية، وتتخذ سبيل تطوير أنظمة سياسية قومية عسكرية تسلطية. وكانت القوى العظمى منشغلة تماماً في صراع الحياة والموت انشغالا أكبر من أن يصرفها إلى ترف التفكير في الديمقراطية. كانت القوى العظمى في غالب الأحيان مشغولة في إعداد الانقلابات العسكرية والمؤامرات السياسية واثارة الاضطرابات من أجل تطويق بعضها بعضاً. في ظل مثل هذه الظروف الملائمة للتسلطية كنظام للحكم عززت السلطات المحلية والنخب المدنية والعسكرية في أكثر الدول النامية سيطرتها الاستبدادية. لذلك انكبح نمو الديمقراطية في الكثير من دول “العالم الثالث” بفعل كوابح قوى وعوامل محلية وعالمية. ومرة أخرى كانت أوروبا استثناء، فمنذ 1974 بدأت النظم التسلطية في البرتغال واسبانيا واليونان بالتفكك حتى تداعت في الأخير.

فإذا كانت موجة الديمقراطية قد بقيت محدودة المدى بل حتى تكسرت بفعل ازدياد عدد الدول اللاديمقراطية في أعقاب الحرب العالمية الثانية (1945)، فقد كانت موجة بناء الديمقراطية بعد الحرب الباردة (1991) هائلة. وعلى العكس من سابقتها، كانت الموجة الجديدة، بكلمات (هنتنغتون)، ليست أوروبية، بل عالمية، حيث غطت حوالى 50 أمة، بما في ذلك الاتحاد السوفييتي السابق وحلفاءه الأوروبيين الشرقيين وآسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا. وقد احتفى (فوكوياما) على نحو مثير بهذه الانعطافة التاريخية وفق التراث الهيجيلي الذي يفهم التحول على انه تقدم العقل في التاريخ وبالتالي مسيرة هذا التاريخ نحو نهايته؛ وكان هذا احتفاء أيضأ بروح (آدم سميث) في تقدم الأسواق باعتبارها قوة تحرر مجانسة. عنى النقيض من ذلك، أعاد (هنتنغتون) صياغة مفهوم العالم الجديد وفق (كلاوزفيتز) بأنه حرب حضارات.

إننا الآن في عالم جديد، قرن جديد. لقد بدأ القرن العشرون متأخراً في عام 1917، مع ثورة أكتوبر، لكنه انتهى مبكراً في عام 1991 مع انهيار الاتحاد السوفييتي. انتهى القرن العشرون قرن المستعمرات والشمولية والدولتية — الفاشية التي تمردت على اختلالات وانتشار العالم الصناعي. وإذ تبدو هذه التمردات غير مجدية بل دامية ورهيبة فقد كانت في الحقيقة إشارات تحذير ضرورية على أن النظام الصناعي يفتقر للتوازن، وأنه كان بحاجة إلى إعادة تنظيم. دعونا ننظر عن كثب.

  • Social Links:

Leave a Reply