هل يمكن بعد الآن احياء مسار الثورة السورية المجهضة

هل يمكن بعد الآن احياء مسار الثورة السورية المجهضة

د . حبيب حداد
يكثر التساؤل هذه الأيام . بيننا نحن السوريين وبين كل المعنيين او المهتمين بالشأن السوري , حول امكانيات استئناف محادثات أو مفاوضات جنيف . وهذا التساؤل بطبيعة الحال وكما أصبح معروفا للقاصي والداني يتعلق أساسا بمحاولة التعرف على ما توصل اليه التوافق الروسي الأمريكي حيال هذا الموضوع . من ناحية أخرى فان الإجابة على هذا التساؤل ,ونتيجة شحن الصراع بسياسات ردود الفعل من كل الأطراف الفاعلة على الساحة السورية وتغييب جوهر المسألة التي انتفض من اجلها الشعب السوري , قبل اكثر من خمس سنوات , أصبحت تعنى يوميا بمتابعة ما يحرزه كل من الطرفين المتحاربين اي نظام القهر والاستبداد من جهة والمجموعات الارهابية على اختلاف تسمياتها , وذلك في سياق استمرار المأساة السورية التي اتت على الأخضر واليابس حتى الأن والتي لن تكون لها من حصيلة نهائية, اذا لم يوضع حد لها في أقرب اجل ممكن الا استكمال تدمير ماتبقى من مقومات الكيان السوري دولة ومجتمعا وحضارة .
هكذا اذن ننشغل نحن السوريين هذه الأيام , مدفوعين بمشاعر الأمل والرجاء تارة ومشاعر القلق والإحباط تارة اخرى ونحن في غمار هذه المحنة الوطنية المدمرة متابعين تطور الأحداث اليومية المحلية منها والإقليمية والدولية ,الأمر الذي أبعدنا الى حد كبير واضعف من تركيزنا على جوهر القضية وهي : الأهداف التي انطلقت من أجلها الثورة السورية ؟ ولماذا انتهت هذه الثورة الى الحال التي هي عليها الأن حيث تم حرفها عن مسارها الطبيعي واغتيلت اهدافها التحررية الحضارية والإنسانية , واستبدلت هويتها في أعقاب تفجير اطارها الوطني الاجتماعي الذي تحول بفعل العسكرة والتدويل وتغييب الارادة الوطنية الموحدة والمستقلة الى حرب اهلية طائفية واثنية مدمرة ؟ وأهم من هذا كله هو تحديد مسؤوليات القوى الوطنية الديمقراطية السورية , وفي مقدمتها كل هيئات ومنظمات المجتمع المدني ,تجاه هذا المأل الذي انتهت اليه ثورة شعبها ,ومدى قدرتها على مراجعة ذاتها وممارساتها طوال السنوات الخمس الماضية واقرارها بكل الحقائق الموضوعية التي تطرحها المأساة السورية على أرض الواقع الأن . ان المسؤولية الوطنية تحتم على كل كل تلك التشكيلات المعارضة التي ادعت امتلاكها مشروعية تمثيل الشعب السوري وثورته والتي اسهمت بصورة مباشرة او غير مباشرة ,عندما ارتضت لنفسها وفي رهاناتها الغبية والخاسرة ان تقوم بدور الواجهة والأداة في أجندات دول الاقليم وفي تحالفاتها المشينة مع المجموعات الإرهابية المسلحة والتكفيرية , تحتم عليها القيام بتلك المراجعة الجادة ومصارحة شعبها بكل ما ارتكبته من أخطاء وخطايا قاتلة .
. لقد كانت الثورة السورية الفرصة التاريخية أمام الشعب السوري كي يتحرر من واقع الاستبداد والتخلف والاستلاب , وتجاوز حالة الفوات التاريخي التي تعود الى عدة عقود وبناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة كان يرى فيها تحقيق الاستقلال الثاني . واذا كان لكل ثورة قامت خلال العقود الاخيرة على مستوى العالم في سياق ماسمي بالموجة الثالثة للديمقراطية وخاصة الانتفاضات الشعبية والثورات التي جاءت في سياق ما سمي بالربيع العربي , فإننا نعتقد من وجهة نظرنا وامام السؤال الذي يتعلق بمصيرنا الوطني ان الاجابة على السؤال الذي انطلقنا منه عنوانا لموضوعنا هذا تتوقف على امكانية تحقيق الخطوات الثلاث التالية , من قبل القوى الوطنية الديمقراطية السورية سواء على صعيد الرؤية والمواقف ام على البرنامج والممارسة :
أولا – العودة الى ان نجسد في مواقفنا وممارساتنا ,فعلا لا قولا , برنامج التغيير الوطني الديمقراطي من حيث مقوماته الاساسية ونعني بذلك الرؤية الموخدة من حيث تشخيص الواقع الراهن الذي يعيشه مجتمعنا وتعيين مهمات المرحلة الانتقالية والتأكيد الدائم ان هدف الثورة الأساسي لا ينحصر في انهاء النظام الحالي فحسب وانما الهدف الاساس بناء النظام الديمقراطي البديل في اطار دولة المواطنة الحرة المتساوية , دولة الحق والقانون والمؤسسات الدستورية المنتخبة . لقد اثبتت تجربة السنوات الخمس الفائتة بانهار من الدماء الزكية واكوام هائلة من الدمار والخراب التي طالت كل بنى دولتنا واجتماعنا وبعد تلك التضحيات الجسام التي ندر ان قدمها شعب آخر من اجل تحرره وانعتاقه , أن التحول السياسي السلمي هو السبيل الوحيد في ظروف مجتمعنا والأوضاع الإقليمية والدولية , الكفيل بتحقيق تطلعات شعبنا في التحول الديمقراطي وصيانة وحدة وطننا السياسية والترابية ,ومواصلة سورية الاضطلاع دورها التقليدي المعهود تجاه قضايا أمتها المركزية ,وان اكبر خطر واجهته ثورتنا المجهضة هو انتقال مسارها من الحالة الشعبية السلمية الى الحالة المليشوية الإسلاموية المتصارعة والمتناقضة ,بمشروعاتها وشعاراتها وأفعالها , مع كل المبادئ والقيم الخلقية والإنسانية التي تحكم عصرنا . لقد كان تديين العمل الاجتماعي والسياسي العامل الأساس في اعاقة المجتمعات العربية عن تحقيق التنمية المستدامة واخفاق مشاريعها النهضوية كما كان السبب الرئيس وراء النتيجة المأساوية الذي انتهت اليها ثورات الربيع العربي .
ثانيا – أما الخطوة التالية التي لا بد منها أملا في امكانية تأسيس مرحلة نوعية جديدة يمكن من خلالها احياء مسار ثورتنا المغدورة والمجهضة فتتمثل وكما أسلفنا في مقدرة معارضاتنا الوطنية أشخاصا وهيئات وتشكيلات على مراجعة ما قامت به من دور في مسار الثورة من حيث مواقفها وممارساتها وخطابها وعلاقاتها بمختلف الأطراف الضالعة في المسألة السورية . لا بد لها من القيام بذلك اذا كان لها ان تكون مؤهلة بعد للقيام بتحمل مسؤولياتها الوطنية في هذه المرحلة المصيرية من حياة امتها وذلك كجواب على السؤال الذي يطرحه كل ابناء شعبنا وهو :ما هي مسؤولية هذه الأطراف الوطنية في الواقع الذي تعيشه سورية اليوم . اذ لا يكفي ان نلقي بهذه المسؤولية كاملة على النظام وحلفائه ,وعلى المجتمع الدولي وعملائه .لكن العامل الأهم في راينا في قوة النظام واستمراره انما يتأتى من ضعف المعارضة السورية وتناقض مواقفها وتشتت جهودها وعدم اخلاص و غياب التزام معظم تشكيلاتها ببرنامج التغيير الوطني الديمقراطي . ولعل الموقف الذي اتخذته ومازالت تتخذه هذه التشكيلات من المجموعات الارهابية المسلحة المتناحرة على الأرض السورية خير دليل على تنكر تلك المجموعات لأهداف الثورة السورية في الحرية والتقدم والعدالة و بناء دولة المواطنة الديمقراطية الحديثة , والا فكيف نفسر مثلا موقف كل من الإئتلاف والهيئة العليا للمفاوضات وغيرهما , من مسرحية تغيير جبهة النصرة , التي هي منظمة القاعدة الرئيسية في بلادنا ,في الوقت الذي تؤكد فيه هذه المنظمة الارهابية وغيرها من فروع القاعدة الأخرى تمسكها بمشروعها التدميري لمجتمعا وتاريخنا القريب والبعيد , والمناقض لكل قيم عالمنا المعاصر .
ثالثا – وبعد فهل يمكن للقوى الوطنية الديمقراطية السورية ان تعود لذاتها وان تنجز عملية المراجعة المطلوبة هذه ,متسلحة بالوعي العلمي العقلاني , الذي يدرك جيدا واقع وطبعة مجتمعاتنا المتخلفة والتركة الثقيلة التي ألقيت على عاتق دولنا الوطنية المستقلة التي ورثت مخلفات الدولة الكولنيالية وقبلها الدولة السلطانية . بحيث تشكلت دوافع تطور هذه الدولة الوطنية المستقلة من تصارع تيارين هما تيار التحديث والسير الى المستقبل المنشود وتيار التقليد والتزمت والرجوع للماضي الغابر ,وان سورية بالذات التي كانت من أوائل دول العالم الثالث التي احرزت استقلالها الوطني عاشت في الخمسينات مرحلة ازدهار وتنمية حقيقية برغم ما اعتورها من بعض السلبيات كما حققت اشواطا معتبرة في طريق التطور الديمقراطي , غير ان مسيرة هذا التطور قد تعطلت وأجهضت بفعل عوامل عديدة داخلية وخارجية في مقدمتها هيمنة الظاهرة العسكرية على السلطة وقيام الأنظمة الشمولية المستبدة . وعلى أساس هذه المراجعة الشاملة المستندة الى التشخيص السليم لواقعنا الراهن والمصير الذي آلت اليه ثورتنا ,واستيعاب الدروس المستخلصة من تاريخنا القريب , وكذا الفهم الصحيح لاستراتيجية الدول ومصالحها في منطقتنا ,يمكن لنا نحن السوريين احياء مسار ثورتنا المأزومة ويمكن لنا ان ننقذ وطننا وتحقيق تطلعات شعبنا وذلك بتدشين مرحلة جديدة قوامها التوافق على عقد وطني اجتماعي لسورية المستقبل , من خلال انعقاد المؤتمر الوطني السوري العام تحت رعاية واشراف الأمم المتحدة ,وهذا المؤتمر يختار مختلف المؤسسات الانتقالية وعلى رأسها هيئة الحكم الإنتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية وغيرها من الأجسام الانتقالية وفقا وتنفيذا لقرارات الأمم المتحدة وتوافقات المجتمع الدولي ذات الصلة .

  • Social Links:

Leave a Reply