ماجد علوش
توضيح :
المقصود بالعلم : النشاط العقلي النقدي الإنساني الذي يتوخى الوصول الى الحقيقة كما هي كنتيجة وحيدة والسعي أيضا الى اذاعتها والترويج لها لتكون الشكل السائد من الوعي . اما الايمان فنعني به هنا القناعات الراسخة في وجدان جماعة ما (سواء كانت تلك القناعات دينية ام اجتماعية ام قيمية ) والتي لا تستند الى براهين في العقل او في الواقع الموضوعي وهذا لا يشمل بالتأكيد القناعات العقائدية بالنسبة للايمان الديني فهذا موضوع آخر ليس هنا محله .
التاريخ أفعال قام بها البشر يوماً ما ، فغيرت واقعهم ووعيهم أيضا وانجبت وقائع جديدة ليس بالضرورة ان تكون خطوة الى الامام في اللحظة الراهنة ، أو الفعل / الحدث المباشر وان كانت في النهاية لا بدّ الاّ ان تكون كذلك في سياق التاريخ وحتى ولو كانت نتاج الحركات الأصولية / الارتدادية ( الدينية وغير الدينية ) . ذلك ان مثل هذه الحركات تستثمر الرمق الأخير في الظاهرة التاريخية المنقرضة . مستندة الى لحظة مضيئة غابرة – ومعاد تصنيعها وفق الاحتياجات العملية الراهنة في لحظة ما مشابهة – من تاريخ الظاهرة في محاولة لاعادة الحياة اليها وهي المحاولة الفاشلة دائما . مع انها تصيب حظا من النجاح في حينها اذا ظهرت في الأوقات العصيبة والشعور العام باليأس ، والإحباط ، وضياع البوصلة ( كما هي حال الحركات الجهادية السنية ) ، او في لحظات الزهو ، واستشعار القوة ( كما هي حال الحركات الثأرية الشيعية ) .
طالما أن الوقائع الأساسية سواء في التواريخ المحلية او تلك التي تجاوز فعلها وتاثيرها الحدود الجغرافية الخاصة تحدث تغييرا في الوعي الراهن وتتحول بمعنى ما الى ثقافة مجتمعية فهي اذا تمارس تاثيرها في الوعي المستقبلي أيضا الى درجة يمكن القول معها – فقط لتوضيح حجم فاعليتها – انها تدخل في التركيب الجيني لاحفاد معاصريها ، وأجيالهم اللاحقة . ذلك ان نجاح ” كوبرنيكوس ” في إقامة جنازة رسمية للسيد ” بطليموس ” ليس سببا وجيها ، ولا حتى كافيا لاقامة جنازة مشابهة للوعي القديم والذي صار جزء كبيرا منه ” لا وعيا ” او وعيا مفوتا كما يسميه المرحوم ياسين الحافظ .
هذا ينطبق على كل الحوادث الكبرى سواء في تواريخ الشعوب او في التاريخ البشري العام ، وأخطر ما في الامر عندما تتحول الحادثة التاريخية الى اسطورة ( وهو امر لا يخص الحوادث الدينية وحدها ) تؤمن بها الجماهير باللاوعي . هنا تغيب الحقيقة (الحقيقية ) لتظهر بديلا عنها حقيقة اجتماعية / شعبية أي سائدة ومعترف بها باعتبارها حقيقة حقيقية وايمانية ووحيدة معا واي خروج عليها او مسَّها هو تزييف للتاريخ وخروج على الايمان ، وفي لحظات الازمة القاهرة يظهر الثوار ، او الأوغاد ويستخرجون الدفين في لا وعي الشعب ويستثمرونه إما في العبور الى الحياة و إما في الغرق في بحار الظُلْم والظلام .
بوعي او من دونه كان كبار القادة في التاريخ ” علماء نفس ” على ما يرى ” غوستاف لوبون ” الذي يعتقد ان القواعد المشتقة من العدالة النظرية الصرفة ليست من يقود الجماهير ولكن تجذبها الانطباعات المتولدة في روحها ، وهذا بالضبط ما يفعله الثوار او الاوغاد حين يستنهضون الجماهير ويستغيثون بها لتحقيق مشروعهم وطموحاتهم ، فلا بد من فكرة ايمانية تستنهض الناس تتحول الى قضية راهنة بل وتُصَوَّر أحيانا ليست بالقليلة باعتبارها قضية وجود او لا وجود . حياة او موت . مع ان الحياة استمرت يوم كانت القضية المُحَرِّضَة قضية حية وراهنة قبل ان تُهزم او يتجاوزها الواقع . لكن لا احد في لحظات الهيجان يتجرؤ على القول.
ذلك ان القول يتطلب معرفة ومساحة للحركة الواقعية و الفعل المعرفي تحليلي قبل ان يكون تركيبيا وتدميري قبل ان يكون بنائيا . أي عليك ان تقول للجماهير الهائجة الكافرة بالظلم وهدر الكرامة او المستشعرة للقوة قولا عقلانيا يفند قناعاتها الايمانية قبل ان تهديها الى الطريق القويمة . أي ان تخاطب العقل ” ولات حين ” عقل كما تقول العرب وهذا مستحيل في تلك اللحظات بل عليك ان تخاطب الغريزة واحيانا في أحط اشكالها أي تحولها من ” جماعة ” الى قطيع ليكون السؤال بعد هذا كله : هل دور المثقف دور قيادي يؤتي أُكله حالاً ام دور توجيهي يفعل فعله بالتراكم المعرفي والزماني ؟ – مثل هذا يطرح طبعا إشكالية العلاقة بين الباحث والموضوع في كامل القضايا الإنسانية في مجال التاريخ والمعرفة والمنظومات القيمية والعلاقات الاجتماعية . وهذا ليس محله لكن الذي نود التركيز عليه فقط هو ان على المثقف المنتمي الى شعب وقِيَمٍ ان يظل قابضا على الجمر الى ان يؤتي الزرع ثماره ولو في الأجيال القادمة .

Social Links: