السيطرة العسكرية على الموارد المائية في أتون الثورة السورية

السيطرة العسكرية على الموارد المائية في أتون الثورة السورية

دراسة صادرة عن مركز عمران ننشرها على جزئين

1/2

 

تبرز قضية المياه كإحدى أهم جوانب المعاناة الإنسانية للسكان المدنيين في خضم الثورة السورية. بعد أن اسُتخدمت المياه كوسيلة لتحقيق المكاسب العسكرية والسياسية والاقتصادية، وأصبحت متلازمة إلى حد كبير مع تغيرات السيطرة العسكرية ومناطق النفوذ. مما أثر بشكل حاد على توافر ها في غالبية المدن والأرياف، وحمل العديد من التداعيات السلبية على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للسكان. وتحاول هذه الورقة التحليلية تسليط الضوء على هذا الجانب الإنساني الهام بهدف الحفاظ على الأمن المائي في جميع المناطق السورية واستمرار ديموميته.

 

ملخص تنفيذي

تشكل المياه أحد أهم مقومات استمرارية الحياة والمورد الأكثر تأثيراً في حياة السكان في جميع مناطق سورية. إلا أنه ومنذ بداية عام 2011 بدأت تبرز قضية المياه كإحدى أهم التحديات المرتبطة بالمعاناة الإنسانية للسكان المدنيين. وذلك بعد أن استخدمت أطراف الصراع المياه كوسيلة لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية واقتصادية. كما أصبح هذا المورد متلازماً إلى حد كبير مع تغيرات السيطرة العسكرية ومناطق النفوذ لهذه الأطراف، مما أثر بشكل حاد على توافر المياه في غالبية المدن والأرياف السورية نتيجة لتدهور البنية التحتية للمياه وفقدان وتضرر أكثر من نصف القدرة على الإنتاج الكلي للمياه. وقد حمل هذا الوضع الجديد العديد من التداعيات السلبية على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للسكان داخل المدن والأرياف.

وانطلاقاً من ذلك تبرز إشكالية هذه الورقة في الإحاطة بواقع السيطرة العسكرية على الموارد والمرافق المائية في ظل الصراع الدائر في سورية مع قلة الدراسات المتخصصة والمتكاملة في هذا الصدد، وتتركز أهدافها الأساسية في تسليط الضوء على واقع ممارسات القوى العسكرية تجاه الموارد المائية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، والمعاناة التي يتكبدها السكان جراء حرمانهم من المياه وصعوبة الوصول إليها، وتحليل المنظور المستقبلي لهذه القوى في السيطرة على الموارد والمرافق المائية ودراسة التداعيات المستقبلية لعسكرة المياه على واقع الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للسكان.

وتخلص الورقة إلى أن تنوع القوى العسكرية وتوزعها على امتداد الأرض السورية إلى جانب سيولة المشهد العسكري يحمل معه العديد من التحديات في ظل تبادل السيطرة بين هذه القوى، والقدرة على التحكم بالموارد المائية في المناطق الخاضعة لها، ومدى إدراكها لأهمية المورد المائي كعامل للاستقرار وتوطيد السلطة في مناطق سيطرتها وفقاً لأجندتها المستقبلية. وسيلقي كل ذلك بثقله على الموارد المائية من خلال الاستنزاف الكبير لها، نتيجة افتقاد هذه القوى القدرة على إدارة وتنمية الموارد المائية في هذه المرحلة الانتقالية للحفاظ على الأمن المائي واستمرار ديموميته. مع ما سيحمله كل ذلك من زيادة معاناة السكان نتيجة نقص المياه وتلوثها وصعوبة الحصول عليها.

الأمن المائي في أتون الثورة السورية

 

تواترت التقارير التي تؤشر للواقع المائي المتردي في سورية ومستقبل مواردها المائية المهددة، في ظل تصاعد الأعمال العسكرية والتدمير الممنهج للبنية التحتية، وما تبعها من محاولة الأطراف العسكرية السيطرة على هذه الموارد لفرض نفوذها وتحقيق بعض المكاسب على حساب المعاناة الإنسانية للأفراد في مناطق سيطرتها، وهو ما يمثل أحد الأوجه الخفية لهذا الصراع.

ووفقاً للمعطيات التي حملتها هذه التقارير تضاءلت قدرة السكان في الحفاظ على النفاذ المستدام إلى كميات كافية من المياه بجودة مقبولة، وازدادت معدلات التلوث بشكل كبير، رافعة بذلك حالة الفقر المائي لدى الأفراد بسبب استمرار التناقص في حصة الفرد من الموارد المائية المتاحة، ومنذرة بأزمة مائية قادمة ستشكل تهديداً فعلياً للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للسكان في ظل تفاقم الظروف المعيشية للأفراد وارتفاع أسعار مياه الشرب في العديد من المدن والأرياف.

إن تنوع القوى العسكرية وتوزعها على امتداد الأرض السورية والسيولة المستمرة للمشهد العسكري يحمل معه العديد من التحديات الحالية والمستقبلية للأمن المائي. في ظل تبادل السيطرة بين هذه القوى، والقدرة على التحكم بالموارد المائية في المناطق الخاضعة لها، ومدى إدراكها لأهمية المورد المائي كعامل للاستقرار وتوطيد السلطة وفقاً لأجندتها الحالية والمستقبلية، ومدى قدرتها كذلك على إدارة وتنمية هذا المورد في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة للحفاظ على الأمن المائي.

إن التفاوت في كمية ونوعية الموارد المائية والتوزعات السكانية المتباينة بين المناطق السورية المختلفة عبر العقود الماضية نتيجة للعديد من العوامل البيئية والسياسية أسهمت إلى حد كبير في اندلاع الثورة السورية ([1])، وقد أدى طول أمد الصراع وعدم وجود أفق واضح لنهايته إلى سعي القوى المتحاربة على الأرض للسيطرة على أكبر قدر ممكن من هذه الموارد وتسخيرها لتحقيق أهدافها، رغم كل التبعات التي يمكن أن تخلفه هذه السيطرة من تدهور الأمن المائي نتيجة تدمير البنية التحتية لشبكات المياه والسدود، ومحطات الطاقة التي تستخدم في تشغيل مرافق المياه في العديد من المدن والأرياف.

السيطرة على الموارد المائية في المنظور المستقبلي

 

تشمل الموارد المائية التقليدية في سورية الموارد المائية السطحية التي تتكون من مجموعة من المجاري المائية أي الأنهار الداخلية والخارجية وموارد المياه الجوفية، إضافة إلى الموارد المائية غير التقليدية التي تشمل مياه الصرف الصحي والزراعي والصناعي ومياه التحلية. وتوصف الموارد المائية في سورية بالقليلة والمحدودة، وقد صنفت سورية في مجموعة البلاد الفقيرة بالماء منذ عام 2000، حيث تحدد العوامل الطبيعية والجغرافية والسياسية حجم هذه الموارد.

شكل 1

الشكل (1) يبين توزع الأحواض المائية في سورية مع حجم توافر المياه في هذه الأحواض

المصدر: محمد العبدالله، 2015، الأمن المائي في سورية: دراسة تحليلية لواقع الموارد المائية المتاحة، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تركيا.

 

ويبلغ عدد الأحواض المائية الرئيسية التي تختزنها الأراضي السورية سبعة أحواض مائية هي حوض الفرات وحلب، وحوض دجلة والخابور، وحوض الساحل، وحوض البادية، وحوض العاصي، وحوض بردى والأعوج، وحوض اليرموك. كما يوجد عدد من السدود الكبيرة والمتوسطة ضمن هذه الأحواض ومن أهمها سد الفرات وتشرين والبعث والوحدة والرستن وقطينة وتلدو ومحردة ويبين الشكل (1) توزع هذه الأحواض والسدود ضمن أراضي سورية وحجم المياه المتاحة في هذه الأحواض حتى نهاية عام 2011. حيث يقدر مجموع كمية الموارد المائية في سورية ما بين (18.209-16.375) مليار م3/سنة من المياه.

وتمثل السيطرة على الموارد المائية هدفاً استراتيجياً للقوى العسكرية المتصارعة في سورية، حيث يمنح التحكم في إمدادات المياه سيطرة استراتيجية لهذه القوى على المدن والأرياف.

قوات سورية الديمقراطية

في سعيها لتحقيق ما أطلق عليه ” مشروع الاتحاد الفيدرالي ” تسعى قوات سورية الديمقراطية في استراتيجيتها المستقبلية للسيطرة على الموارد المائية من يد تنظيم الدولة الإسلامية وقوى المقاومة الوطنية بوجود دعم دولي. وإذا ما تحقق لها ذلك فإن الاتحاد الفيدرالي سيكون واقعاً ضمن أغنى ثلاث أحواض مائية في سورية والمتمثلة بكل من أحواض الفرات ودجلة والعاصي، والتي تحتوي على أهم الأنهار والسدود والبحيرات والمياه الجوفية في سورية. وقد عقدت الهيئات التابعة للإدارة الذاتية اجتماعات مع خبراء في الموارد المائية لدراسة أوضاع المياه في مقاطعة الجزيرة ووضع تصور مستقبلي لها ([2]). ويبين الشكل (2) مناطق سيطرة قوات سورية الديمقراطية حتى تاريخ 15 تموز لعام 2016.

 

تنظيم الدولة الإسلامية

عمد تنظيم الدولة الإسلامية منذ ظهوره على الساحة السورية إلى الاستخدام الاستراتيجي للموارد الطبيعية كجزء أساسي من استراتيجيته التوسعية واستئصال كل من يرفض أفكاره المتطرفة في سعيه لإقامة “دولة الخلافة”. وبدى هذا واضحاً في حجم الخسائر البشرية والمادية التي تكبدها التنظيم في سبيل السيطرة على مرافق المياه واستخدامها كسلاح لتعزيز أهدافه السياسية والعسكرية والاقتصادية، فسعى جاهداً للسيطرة على السدود وخزانات المياه الضخمة ذات الأهمية الاستراتيجية في حوضي الفرات ودجلة. وكان من أهمها سد الفرات وتشرين والبعث، لأنه وجد في ذلك منفذاً له لتعظيم نفوذه وإلحاق الضرر بمناطق أكبر دون الحاجة إلى الاحتلال العسكري المباشر([3]). ويبين الشكل (2) مناطق سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية حتى تاريخ 15 تموز لعام 2016.

 

شكل 2

الشكل (2) خارطة توزع أماكن نفوذ القوى العسكرية في سورية

 المصدر: مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، وحدة المعلومات، 15-07-2016

نظام الأسد

يدرك نظام الأسد في رؤيته المستقبلية أهمية الحفاظ على المناطق الحيوية ذات الموارد الطبيعية في حال عدم تمكنه من السيطرة على كامل الأرض السورية. وقد تجسد هذا بشكل واضح في مشروعه بتحديد مناطق النفوذ الأكثر أولوية لديه تحت مسمى ” سورية المفيدة ” والذي لا يزيد عن 25% من مجمل مساحة البلد كما يوضحه الشكل (3)، والذي تدعمه كل من روسيا وإيران للإبقاء على موطئ قدم لهما في سورية بعد انتهاء الصراع ([4]). وتعتبر هذه المنطقة قلب سورية الحيوي استراتيجياً فضلاً عن كونها الأكثر كثافة ديمغرافياً ([5]).

 

سورية المفيدة

الشكل (3) يبين مشروع سورية المفيدة

المصدر: مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، وحدة المعلومات، 15-07-2016

 

وبعد توالي خسائر النظام العسكرية واستنزافه على مدار الأعوام الماضية يحاول النظام جاهداً الحفاظ على مشروعه المستقبلي وتجسيده على أرض الواقع والذي يعد الملاذ الأخير له ولمناصريه بعد أن تلاشى أمله باستعادة السيطرة على كامل مساحة البلد([6]). ووفقاً للتصور المقترح لسورية المفيدة فسيكون حوضي العاصي والساحل وجزء من حوض بردى في المجال الحيوي بحيث يضمن النظام موارد مائية كافية تفي باحتياجاته المستقبلية. إلى جانب استفادته من كونه المنفذ الوحيد على البحر الأبيض المتوسط لما سيمنحه من ميزة استراتيجية كبيرة للاستفادة من الموارد الطبيعية الوفيرة في منطقة الساحل وسهل الغاب.

الموارد المائية سلاح في أيدي القوى العسكرية

 

بدى واضحاً في الصراع السوري وجود العديد من الأمثلة التي تعكس سعي القوى العسكرية المختلفة لاستخدام الموارد المائية كسلاح ضد بعضها البعض خلال الأعوام الخمس الماضية على أكثر من جبهة قتال. ويعد سلاح المياه وسيلة فاعلة من وجهة نظر هذه القوى للتوسع والاحتفاظ بالسيطرة في مناطق الصراع، كما أصبح قطع مياه الشرب وسيلة إضافية في الحصار ومصدر دخل لبعض القوى العسكرية، وسوقاً جديدة تحولت فيها مياه الشرب إلى سلعة باهظة الثمن، مع ما يلحقه ذلك من الأذى للمدنيين، إضافة إلى تحول هذه القضية إلى وسيلة ابتزاز في حالات عدة.

 

إلى جانب ذلك يشكّل تواجد معظم الموارد المائية السطحية في الأرياف بتحويلها إلى خطوط تماس بين القوى العسكرية المتصارعة، الأمر الذي يضع المدن بشكل دائم في خطر تأمين المياه لسكانها الذين تضاعف عددهم مع ارتفاع وتيرة الصراع وازدياد عدد النازحين.

  • Social Links:

Leave a Reply