معركة حلب : أوهام الحسم وبشائر النصر

معركة حلب : أوهام الحسم وبشائر النصر

 ماجد العلوش

معركة حلب واحدة من أهم المعارك التي خاضها الجيش الحر، وفصائل إسلامية أخرى، ضد تحالف الغزاة والطغاة، قادت إلى كسر الحصار عن الأحياء الشرقية من المدينة. هذا كنتائج عسكرية ميدانية مباشرة، وبالتالي جنبت مئات آلاف المدنيين الركوع تحت ضغط الجوع كما حصل في مناطق أخرى عديدة. لكن هناك ما أكدته المعارك، رغم أنه أصبح من البديهيات في الثورة السورية، منذ بدء الهجمات الوحشية على المدن، واجتياحها صيف العام 2011 وما بعد.

أول تلك البديهيات، أن بقايا ما يسمى بالنظام السوري، هو أضعف طرف مشارك في الحرب اذا ما تُرِكَ وحيداً، والسبب – كما أوضحتْ مجريات المعارك – لا يكمن في التسليح أو نقص العنصري البشري، وانما أساساً في أنه لا يملك إرادة القتال أصلاً. فالجميع يعرف نوعية غالبية الضباط في ذاك الذي كان يسمى في غابر الأيام ” الجيش العربي السوري “، وأهدافهم من الالتحاق بالجيش، وسلوكهم الخالي من أي شعور بالانتماء إلى مؤسسة أو عقيدة أو وطن. أما بالنسبة للجنود وصف الضباط فلم تكن تختلف نظرتهم إليه عن نظرة زملائهم المدنيين في الإدارات الحكومية : ” راتب يستر الحال ” لا أكثر ولا أقل .

إن جيشا بُنِيَ على قاعدة ” صَفِّقْ كما نريد وانهب كما تُريدْ ” لا يمكن أن يقاتل بشرف وكفاءة لأن السؤال المحوري عند أي مقاتل في أية مجموعة عسكرية هو : لماذا اقاتل ؟ وماذا سيحدث اذا ما قُتِلْتُ او انتَصَرْتُ ؟ وهي أسئلة يثير جوابها الكثير من الاوجاع لدى ذاك الجندي الذي رأى الأجوبة حيَّة أمام ناظريه مرات. تلك هي المسألة التي يرفض ” مرياع ” قطيع دمشق الإقرار بها .

الميليشيات الطائفية القادمة من العراق، ولبنان، وأفغانستان، وغيرها، تَبَيَّنَ أيضاً أن الدافع العقائدي لديها ضعيف جداً، رغم التعبئة الطائفية الهائلة عن جيش يزيد، وجيش الحسين، وحماية المراقد، والحيلولة دون سبي زينب مرة أخرى، وغيرها. لقد تبين أن غالبية مقاتلي تلك الميلشيات هم من المرتزقة، والمقاتل المرتزق لم يأتِ ليموت، بل لينال غنيمة، ويبدو أن الغنائم في المناطق المحررة لم تعدْ مشجعة، لأن تلك المناطق ليست أكثر من ركام وأطلال وخرائب.

لا يزال التعويل فقط على سلاح الجو الروسي، وهو ما يجعل بقايا النظام تحت رحمة مزاج السيدين بوتين ولافروف، وهذا ما كشفته معارك حلب.

لكن المعركة طرحتْ سؤالاً آخر: سورية إلى أين؟ ورغم أن الكثيرين حاولوا الإجابة عنه، من خلال ربط المعارك في حلب بقضايا أخرى.

من جهة النظام هو دائماً بحاجة إلى نصر. أي نصر. لإعطاء جرعة أمل لمقاتليه . تشهد على ذلك احتفالاته عند استرداد أية قرية، أو تلة، هنا أو هناك، ناسياً أن سورية بأكملها من البوكمال إلى اللاذقية، ومن المالكية إلى السويداء، كانت يوماً ” مزرعة ” لآل أسد، ومخصييهم، وجواريهم، وغلمانهم، ومع ذلك – ورغم الهلع الذي أسكنه النفوس – اندلعت الثورة، وفقد السيطرة على معظم سورية، وصار على حافة السقوط، قبل أن تسعفه قطعان الخنازير، وأَظنُ أن نصراً أياً كان حجمه، حتى ولو كان استعادة السيطرة على سورية بأكملها، لن يغير في وضعه شيئاً. فهو لن يتجاوز كونه واجهة ضرورية مؤقتة، سيتم بيعها في مزاد علني في الوقت المناسب. أي بعد أن يقتنع كل طرف دولي أو إقليمي، أنه لن ينال زيادة على ” ما قَسَمَ الله له من رزق ” في سورية مهما طالت الحرب.

المشكلة اذا لا تزال لدى طرفين آخرين. القوى الخارجية المتدخلة في الحرب، والشعب السوري. تلك القوى لم تقتنع بعد بـ ” ما قسم الله لها ” وكل منها لا يزال يؤمن أنه قادر على احراز المزيد. وعلى هذا جرت قراءة معركة حلب.

هناك من رآها رداً على الموقف الأمريكي من الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا، أو اعتبرها تأكيد للدور التركي – السعودي الذي تقوده المانيا وفرنسا، بعد يئس الاوربيين والعرب من السياسة المخنثة للرئيس أوباما، والأهم أن المعركتين ( معركة الحصار وفك الحصار ) اعتبرتا مقدمة لجنيف 3 الذي يجهد السيد دي مستورا لعقده أواخر آب الجاري، فمثلما حاول الفرس تجاوز ما هو مسموح للوصول إلى جنيف بعضلات منفوخة، ردّ الاخرون الردّ الذي يعيد الدرس على الفرس. على قاعدة ( التكرار يعلم الحمار ) لإفهامهم حجمهم، ودورهم، والمحدد سلفاً بتعبئة المنطقة بالأحقاد الطائفية، والثأرات فقط، إلى أن يحين موعد إعادة اقتسام الكعكة. أما التفكير بانتصار حقيقي، فهو مزحة ثقيلة، وسمجة، وعليهم الامتناع عن التفكير بها. بمعنى آخر، معركة فك الحصار هي الخطوة الأولى، أو التهديدية للخطة B التي تحدث عنها الكثيرون مرات، أي فرض الحل على دمشق وطهران حتى بدون استشارتهما . ربما هذا يساهم في تفسير غياب الطيران الروسي لفترة في بداية معركة فك الحصار، وأيضا الارتياح المتبادل لنتائج زيارة السيد اردوغان لبطرسبورغ، والتي رأها البعض نكاية بالامريكيين أو إقرار بفاعلية الروس فقط.

كالعادة بقي مجلس الامن مشلولا رغم المناشدات العديدة لعدد من أعضائه لتجنب كارثة إنسانية في حلب ورغم تبادل الاتهامات بين واشنطن وموسكو حول المسؤولية ورغم ورغم ……….. لكن المسألة بدأت مختلفة مع استمرار المواجهات والانتصارات السريعة التي احرزتها قوات المعارضة المشاركة في العمليات وتسرب او تسريب انباء عن مرحلة جديدة من معركة فك الحصار هدفها تحرير المدينة بالكامل .

التطور المفاجئ كان الصدام الواسع بين بقايا النظام وحلفائه السابقين ” قوات حماية الشعب ” في الحسكة وامتداده الى ” الكاستيلو ” الشريان الوحيد لقوات قطيع دمشق في احياء حلب الغربية وهو صدام ذو طبيعة مختلفة فهو اربك الفرس كثيرا بسبب حاجتهم الى اكراد العراق وقطيع دمشق وال pyd معا خاصة في ظل شكوك متبادلة بين طهران وموسكو حول النوايا الحقيقية لكل منهما .

اذاً كل الوقائع تشير الى ان مرحلة جديدة من الحرب قد بدأت انطلاقا من مغامرة قطيع دمشق غير المحسوبة بالسيطرة على الكاستيلو وفرض الحصار على احياء حلب الشرقية فهل هي المعركة الحاسمة التي ستقنع الجميع بما ” قَسَمَ ” الله لهم وننتقل بعدها الى المفاوضات الجدية ؟ ام هي مجرد حلقة جديدة من التدمير المنظم والتهجير الممنهج لاحداث المزيد من التطهير العرقي والطائفي ؟ ام كما تشير التطورات اللاحقة هي معركة كسر عظم تمهيدا للانتقال الى مرحلة دق العنق ؟ كلها أسئلة لها ما يبررها . لكن السؤال يبقى هل يقنع الشعب السوري بما قسم الآخرون له . ؟ ام انها ثورة الحرية والكرامة كانت وستبقى حتى تنتصر ؟ . وستنتصر

  • Social Links:

Leave a Reply