المرأة المستقلة في النهج الإسلامي ..

المرأة المستقلة في النهج الإسلامي ..

محمد زيدان

عن : موقع شوشرة وكتابة 

في العام 2005 في ولاية نيويورك الأمريكية أقدمت أمينة ودود على إمامة بعض المسلمين من الرجال والنساء متجاوزة ممارسة تاريخية ضربت جذورها في التاريخ الإسلامي وإجماعاً من الأمة على عدم جواز إمامة المرأة.

ولكن هذه الواقعة لم تكن الأولى في التاريخ الإسلامي، إذ إن فرقة من الخوارج تدعى “الشبيبية”، قد أجازت إمامة المرأة وخلافتها أيضاً ، إلا أن هذا حكم انفردوا هم وحدهم فيه ولم يذكر عن سواهم. وكانت الممارسة العملية هو أن زعيم هذه الفرقة (شبيب بن يزيد) قد استخلف أمّه فدخلت الكوفة في عهد عبد الملك بن مروان، وصلّت الصبح بالمسجد الجامع، فقرأت في الركعة الأولى البقرة وفي الثانية آل عمران.

إلا أن أمينة ودود كانت تريد أن تؤكد على أحقية المرأة في التعامل مع النصوص الدينية وتفسيرها، لأنها تمتلك القدرة على ذلك وأنه لا فرق بينها الرجل في هذا الصدد، وأن الممارسة التاريخية الممتدة طيلة 14 قرنا في انحصار علوم الشريعة في الرجال من المسلمين لا يعني أن هذا أمر مسلم لا يمكن تجاوزه والحياد عنه بحال. فهنالك في رأيها قراءة قمعية أبوية أحادية الجانب كانت تخدم البنية السياسية والاجتماعية في العصور التي ظهرت فيها.

أمينة ودود

                          أمينة ودود

تقول أمينة إن القرآن على وجه الخصوص لا يقيم أي تمييز أو اختلاف طبيعي بين الرجل والمرأة، وهو يمكن أن يحيل إلى وظائف مختلفة لكنه لا يقيم أبدأ تراتبية بين الجنسين. وتقول كذلك إن المؤمن المسلم “محايد جنسياً”. وهي ترى أنه لا من انهاء حصر الممارسة الفقهية والتفسيرية في “رجال” الدين والعلماء الذكوريين. هذا لا يعني أن عليها أن ترتكس إلى العلمانية أو الرفض (كما هو الحال عند تسليمة نسرين أو أيان حرسي علي). عندما اعتنقت أمينة الإسلام ورأت الدور الاجتماعي للمرأة المسلمة قررت أنها لن تكون كذلك ولن ترضى بما قسم لها من الرجال فقط، وأن لا تخسر استقلالها الشخصي كإنسان قادرة على اتخاذ قرارتها لنفسه افي حياتها أمام ضغط النواة العائلية الذي تجعل من الأسرة كل شيء بالنسبة للفتاة (بل وللشاب فيكثير من الأحيان).

وترى أمينة أن التفاسير الخاصة بالمرأة إما أن تكون تقليدية أو أن تكون ارتكاسية (أي ترفض القرآن وتكفر به لعدم القدرة على التعامل مع بعض ما يرد فيه من آيات تخص المرأة) وهنالك التفسير الشمولي، الذي يأخذ في الاعتبار القضايا الحديثة المختلفة، ومنها قضية المرأة والحساسيات الحديثة المرتبطة بها، والذي ينطلق من النظرة القرآنية الشاملة للعالم بناء على مبدأ التوحيد والهدي والمسؤولية الفردية والأخلاقية.

لا أستطيع أن أحدد نظرتي إلى منهج أمينة ودود بناء على قراءة كتاب أو مقالات تتحدث عنها، بدلا من قراءة كتبها هي، ولكنها في نهاية المطاف تتوصل إلى صورة قرآنية للمرأة، ترى أن القرآن أكد على المساواة الطبيعية بين الجنسين، والحفاظ على شخصية المرأة (كفرد مستقل حر) والمساواة في الثواب والعقاب، ويرى مفهوم “الحور العين” بمعنى جديد ويتناول حقوق النساء ويؤكد على أن المرأة ليست مجرد غرض جنسي، وينقد الأبوية في التفسير القرآني التقليدي، ويسلط الضوء من منظور جديد على قضايا النشوز والطلاق والإرث والشهادة والأمومة، وفهم ذلك كله بمعيار العدالة والرؤية القرآنية الشاملة للعالم.

ولنأخذ مثالاً بيسطاً سريعاً على قضية الحور العين التي تكون أحياناً غرضاً للاستهزاء من النص القرآني والرسالة الإسلامية. ترى أمينة ودود أن القرآن لا يقصد تمثل نموذج للمرأة بعينه بحيث يكون هذا هو الوصف الجمالي المطلق، لأن الاختلافات الثقافية والذوقية بين شعوب العالم تتعارض مع هذه الصورة. وهي ترى أن المخاطبين في النص القرآني ليسوا الرجال، بل المخاطبون هم المؤمنون من الذكور والإناث، ولهذا فإن الحور العين عندها “لسن” (لا أستطيع الفكاك من استخدام نون النسوة) مجرد فتيات عذارى من نصيب المؤمنين من الرجال، بل قد تكون الحور العين كائنات لا تنتمي إلى جنس، فكل هذا غيب مجهول إلينا، ولا بد في رأيها الحفاظ على هذه الرؤية للنص لتعزيز روح المساواة بين الرجل والمرأة والخروج من التفسير الذكوري للآية. ولكن هذا ليس تفسيراً نهائياً بطبيعة الحال، لأنه ما من وجود لتفسير نهائي، ولا بد لكل تفسير أن يتكيف مع عصره.

اسماء برلاس

أسماء برلاس

هذا التفسير “المساواتي” الذي تتبناه أمينة ودود ينطلق عندها من التعلق والارتباط بالنص القرآني نفسه، فهي ترى أن مثل هذا المنهج في التفسير يعزز الحرية الفردية للمرأة ويؤكد المساواة بين الجنسين، ويقصي السلطة الأبوية والتفوق الذكوري، ويؤهل النساء للاجتهاد في النصوص الدينية.

من الواضح أنه إن كان هنالك فئة من المفكرات قد لجأن إلى رفض راديكالي للنص، وكفرن به وسخرن منه بأقسى الصور وأفظعها، فإننا في المقابل نرى رفضاً على الجهة الأخرى، وهو رفض الفقهاء الإتباعيين التقليديين على كافة المستويات قبول الجهود التي تؤديها مفكرة مسلمة مثل أمينة ودود، أو أسماء برلاس (التي تؤكد على أن القرآن يخولنا بأن نضع نظرية في المساواة المطلقة بين الجنسين)، ورفعت حسن وغيرهن من النسويات الإسلاميات صاحبات الجهود التي لا بد من الاعتراف بها ومراجعتها وإدخالها في الخطاب العام للتداول الإسلامي المعاصر. أنا أرى أن هناك حالة من التعتيم والتجهيل في الخطاب الديني الحالي أمام هذه الأفكار والطروحات، وما يزال شكل التعامل ينطلق أساساً من الخوف والحساسية المفرطة في وجه كل تجديد يتعلق بالتعامل مع المقدس أيّاً كان.

ما يجعلني أهتم بالتأويليات المسلمات هو أن المرأة العربية، وخاصة المسلمة، تعيش حالة من القبول بالواقع وتوهم النفس أن لا مناص من العيش هكذا، معللة النفس بأن في هذا طاعة لله ورضاه، مع أن الله لا يرضى بالظلم ولا يقبله لعباده.

صراحة، يجب أن أنهي الآن، اكتشفت أن علي أن أدفع فاتوة الكهرباء اليوم قبل ما يفصلوا الكهربا.

  • Social Links:

Leave a Reply