“تزوير الموت” في السجون العسكرية السورية.. القتل مرتين

“تزوير الموت” في السجون العسكرية السورية.. القتل مرتين

VICE عربية تكشف القصة الكاملة لقتل وإخفاء جثث المعتقلين بشكل ممنهج في سجون ومقار احتجاز عسكرية

خلال لقاء مع مجموعة من أهالي المعتقلين السوريين الذين أعلنت السلطات السورية وفاتهم في السجون والأفرع الأمنية، دخل جانب من العائلات في جدالٍ حول مكان وزمان شريط فيديو مصور حصلنا عليه من المستشفى العسكري في مدينة حمص. يُبين الشريط تَعرُّض أحد المعتقلين للضرب وهو مقيد اليدين والرجلين بسلاسل إلى سرير المستشفى. عرضنا الشريط عليهم، ليقطع الجدل الذي أمتد لأكثر من نصف ساعة صوت رجل يبدو عليه أنه تجاوز السبعين، ضرب الكهل جبهته بكفه ومررها على شعره وهو يقول: “هذا ابن أخي.. لقد قتلوه في المشفى بعد أشهر من اعتقاله.”

تم هذا اللقاء خلال عملنا على تحقيق استقصائي طوال أكثر من عام، تقصينا فيه ما يُسمي بـ”قلب آلة الموت السورية” كما اتفق على وصفها معتقلون سابقون، وذويهم، وناجون؛ حيث انتهت داخلها حياة عدد كبير من المعتقلين يقدّر بنحو 13 ألف شخص (وفقًا لأرقام منظمات حقوقية محلية ودولية) من إجمالي 121 ألف معتقل ومختفي قسريًا منذ عام 2011. تقول الحكومة السورية أن أسباب الوفيات طبيعية، فيما يؤكد الناجون وعائلات الضحايا أن الوفاة كانت جراء عمليات التعذيب وظروف الاحتجاز غير الآدمية. خلال عملنا على هذا التقرير حصلنا على عشرات الصور والوثائق والشهادات الحية التي تؤكد وفاة عدد من المعتقلين جراء التعذيب، على الرغم من تسجيل وفياتهم في الأوراق الرسمية للمستشفيات العسكرية والأحوال المدنية، باعتبارها وفيات طبيعية لأسباب مثل توقف القلب والتنفس، والاحتشاء القلبي (نوبة/ ذبحة قلبية)، على غير الحقيقة وفق ما تمكننا من رصده وتوثيقه.

اعتمدنا منهجية استقصاء تستند إلى صور للضحايا تم تسريبها عبر عسكريين سوريين انشقوا عن النظام، وعمدنا إلى البحث عن أصحابها والتحقيق في ملابسات وفاتهم، ورواية النظام السوري حول أسباب الوفاة. تتبعنا حالات 14 شخصًا في 6 مدن سورية مختلفة، للتأكد من وجود نهج متكرر للوفيات، ولتحديد نطاق المسؤولية المباشرة عنها بدءًا من إصدار الأوامر وحتى إخفاء الأدلة. حصلنا على 14 شهادة وفاة صادرة من المستشفيات العسكرية والأحوال الشخصية، يتراوح معدل أعمار أصحابها ما بين 22 – 45 عاماً، جميعهم كانوا معتقلين في سجون النظام السوري. وأجرينا مقابلات مباشرة مع عائلاتهم، بالإضافة إلى مصادر طبية وعسكرية في النظام السوري (سابقة وحالية)، فضلًا عن نشطاء حقوقيين داخل وخارج سوريا، وحصلنا على وثائق وصور ومقاطع فيديو، لن نتمكن من عرض بعضها حرصًا على السلامة الشخصية لمصادرها. استخدمنا آلية للتحقق من صحة الصور ومقاطع الفيديو والمستندات التي حصلنا عليها عبر ثلاثة مصادر مختلفة بالإضافة إلى تقنيات التحقق الرقمي عن طريق مقارنة النقاط المرجعية للمباني والتضاريس، مع صور القمر الصناعي من Google Earth، وDigitalGlobe، وكذلك من خلال مطابقتها مع الخرائط الجغرافية والعلامات الأرضية.

رحاب العلاوي شابة عشرينية، كانت صورتها الوحيدة المنشورة لامرأة بين مجموعة صور سربها المصور العسكري المنشق عن للنظام السوري والملقب بـ”قيصر” لمتوفين في معتقلات وسجون سورية. كانت صورة رحاب جثة هامدة وممدة على الأرض في مرآب للسيارات تحيط بها عشرات الجثث المشوهة ذات الوجوه الشاحبة والأجساد النحيلة، والتي يصعب التعرف عليها بعد أن غيرت سنين الاعتقال من ملامحها لما تعرضت لها داخل السجون. كانت رحاب أولى الحالات التي عملنا على توثيق ملابسات وفاتها.

ألقي القبض علي رحاب في يوم يوم 17 يناير 2013 من قبل “سرية المداهمات” وهي وحدة خاصة للمداهمة في الشرطة العسكرية، على خلفية اتهامها بـ”خطف وقتل ضابط من قوات النظام السوري.” بعد القبض عليها، حاولت عائلتها الحصول على معلومات عن مكان تواجدها عبر معارف شخصية ومسؤولين في الحكومة السورية، ليتلقوا بعد فترة بلاغًا يفيد في وفاتها نتيجة “سكتة قلبية” وفق تقرير طبي حصلنا على صورة ضوئية له، مؤرخ في منتصف العام 2013. لم تتسلم العائلة الجثة، لكنها شاهدت صورًا لرحاب بعد ذلك بستة أشهر، مطلع يناير 2014 ضمن صور مسربة، وعلى جبينها الرقم 2935 لصالح الفرع 215 التابع للمخابرات العامة.

صورة رحاب كانت واحدة من الصور التي سرّبها المصور العسكري “قيصر” في 21 من سبتمبر 2013، تضم أكثر من 53 ألف صورة لجثث معتقلين. كان قيصر مجنداً في قوات النظام السوري ومكلفًا بالتقاط صور في الأماكن التي جرت فيها جرائم مدنية، إلا أنه ومنذ اندلاع الثورة السورية في منتصف مارس 2011، كُلّف بتصوير جثث المدنيين من ضحايا التعذيب

  • Social Links:

Leave a Reply