قداس اسطنبول لراحة نفس الادارة الامريكية

قداس اسطنبول لراحة نفس الادارة الامريكية

  صفوان موشلي

اجتمع اليوم سياسي تركيا، وأجمعوا على مكافحة الارهاب الغولاني. كانت العواطف مرهفة لدرجة البكاء. الحزب الحاكم وحزبي المعارضة ربت كل منهم على كتف الاخر بحنان طفولي طازج، ودعوا إلى استمرار الوحدة الوطنية لدرجة أن اقتراح توحيد هذه الأحزاب ذات المشارب المختلفة كان ممكناً بجهد يسير، والعسكر أيضاً لم يتخلفوا عن استكمال المشهد فرئيس أركان الجيش قال إن جيش بقيادة اردوغان سيعاقب الشراذم الضالة الذين سولت لهم أنفسهم الاطاحة بقائد الامة وسيبقى مخلصاً للديمقراطية. إنها العواطف الجياشة كانت ملاطاً حقيقاً جمع كل الكلمات المتناقضة وقد كان للموسيقى الوطنية والإعلام الموحدة دورا في تعزيز هذا الملاط الموحد و النادر.

من لا يعرف تركيا يظن أن الاحتفال كان مهرجان نفاق اخرج بعناية هوليودية. كيف استطاع غولن أن يوحد ” الاسلامي ” مع “العلماني بنسخته الشامانية” (الشامانية هنا نسبة لمنظرها مستشار أتاتورك ورئيس حزبه عصمت اينينو) مع ” القومي بصيغته الفاشيه ” ؟.

سأقول لكم كيف فهمت هذا المشهد الميلو درامي : إن جميع الأحزاب المشاركة كانت قد اكتوت من مؤسسة ” خدمة ” التي قادت حملة التصفية القضائية في صفوف العسكر. وهي التي سربت الفضائح الجنسية لقادة حزب الشعب الجمهوري، وهي التي أكلت قواعد الحركة القومية الذي ابتدع مؤسسها مفهوم ” الاسلام التركي ” غير المنخرط بالاسلام العربي والمؤسس على سماحة مولانا جلال الدين، فجاء غولن ليؤسس الاسلام الناعم الذي لابد لفهمه من فهم جزر التوحيد الموسوي، واقترح أن يبدأ الاتراك بصون الوقف اليهودي، ودعوة اسرائيل لرعايته كمدخل للنوايا الحسنة التي ستفتح باب الحوار التوحيدي للدينين الاخوين، ولا بأس من التأكيد على أهمية المعراج القدسي كبديل لغار حراء البدوي، ولذلك امتنع غولن عن الحض على اداء فريضة الحج (بحسب خصومه على الاقل).

وحدهم الامريكان لم يجدوا به العيوب التي جمعت المعارضة والموالاة في الجمهورية التركية، فغولن عندهم يكره انخراط تركيا بمشاكل العرب التي لا تنتهي ثم أن تفهمه لمظلومية اليهود، يسل فتيل التوتر بين حليفيها التقليديين تركيا واسرائيل، كما أن الاسلام الناعم أقدر على مواجهة الاسلام السياسي من ” الاسلام التركي ” الذي يصبح سياسياً بامتياز أثناء الازمات الوطنية، وفوق جميع هذه الميزات هو اسلام يتجاوز النص المقدس الاشكالي إلى فهم عصري مؤسس على قداسة الالهام الطازج للإمام غولن قدس سره، فتصبح فسحة تعلم الانكليزية، وعلوم العصر التقنية، متاحة وأكبر جدوى من تعلم العربية، والتعثر في فهم النص المثقل بتاريخه المتعثر، مع الابقاء على خصوصية هذا الفهم بوصفه سراً صوفياً لا يباح به لغير أهله عبر تراتبية الأخ الاكبر (الأبي) والاخت الكبرى (الأبلة في التنظيم النسوي للطريقة)، والعولمة تكفلت بتعديل فهم أسرار الوصول الصوفي إلى اسرار استخباراتية ذات جدوى عملياتية للطريقة.

ولعل الانقلاب الاخير من نتائج هذه العولمة للصوفية المباركة كما كانت القاعدة منتج مبارك للجهاد المعولم. ولعل سائل يسأل لما اقحمت الامريكان، وقد تعمد قادة الاحزاب الابتعاد عن لومهم المباشر، وركزوا جميعهم على خطورة مؤسسة ” الخدمة ” كعدو مشخص وحيد؟ لأن أحزاب المعارضة كانت قد تأكدت بعد الانقلاب الغولاني تخلي الأمريكان عنهم جميعاً، فحزب العدالة تأكد أن الولايات المتحدة يئست من اتباع سياسة احتوائه، بعد أن أصبح رافعة سياسية للإسلام السياسي في دول الربيع العربي، وصار من المطلوب تحطيم هذا النموذج المغري قبل أن تجد الشرق الاوسط ينزلق من قبضتها، أما حزب الشعب العلماني فقد تأكد أن الأمريكان كفوا إلى الابد عن اعتباره بديلاً صالحاً للتسويق، فبعد أن سمحوا للإسلام السياسي أن يحكم باسم علمانية معدلة هاهم يريدون استبداله بصوفية معلمنة ! وهي رسالة الى العلمانية الشامنية أو المرتكزة على وعي اقلاوي ” ان زمنكم قد أفل ” كعود ثقاب مشتعل لا يزيد النفخ عليه إلا تسريع ذوبانه وتلاشيه، وقد التقط حزب الشعب الجمهوري تلك الاشارة وصرح البارحة أنه لا يعترض على علمانية الاسلام السياسي ولكن لتفسحوا لنا مكاناً إلى جانبكم، ولندخل شامانيتنا وبكداشيتنا إلى جانب أغلبيتكم، وحتى لا نذوب فيكم وهو ما يقلقنا بعد أن أصبحنا بلا راع قوي، فلنبعد السياسة عن التعليم والجامعة والجيش، وقد كانت السياسة في خطابه مبطنة لتشير إلى الدين والدين فقط . أما حزب الحركة القومية والذي كان ينتظر انهيار العدالة ليكون بديلاً قومياً لا اعتراض عليه من الغالبية المتدينة فقد تأكد هو أيضاً أن الغرب لن يخاطر بتسهيل حكم بلد ذو اقتصاد قوي وفعال من قبل حزب قومي، فهي وصفة مجربة للفاشية والنازية تهز استقرار الاقليم وتدمر المصالح، ولكم في صدام العراق اسوة يا أولي الألباب.

لذلك اجتمع الخصوم وكانوا صادقين فلم يكن مهرجان نفاق بل توحدوا لمواجهة الخيار الامريكي المتمثل بمنظمة ” الخدمة ” ولكن إلى متى سيستمر هذا التوافق بين الخصوم وهل سيصمد إلى ما بعد ؟

 

  • Social Links:

Leave a Reply