وحتى عشية الحرب على الكويت كان التركيز على زعامة الامة العربية، والخطاب السائد هو الخطاب القومي عموما رغم الاستعارات الإسلامية المضافة لمواكبة المد الديني . وكان صدام يستشهد حين يسأل عن مثاله بين القادة ب” اجدادنا العظام علي وعمر وخالد بن الوليد”. (٦) وقد شكل هؤلاء الأجداد العظام مجرد مثال عربي ينبغي ان يحتذى بصفاته الخلقية … بعدل عمر، وزهد علي، وشجاعة خالد بن الوليد، وكانت قيادة صدام القومية مطروحة لمواجهة الطموح الايراني، الذي ينطوي في جوهره على قومية فارسية، لزعامة الأمة الإسلامية الأوسع، ومنها العالم العربي. ولكن بعد احتلال الكويت ودخول الغرب طرفاً مباشراً اخذت المواجهة في الشارع طابعاً اسلامياً في مواجهة الولايات المتحدة والغرب المسيحي. ولذلك استعار صدام خطاب عدوه السابق (الخميني) وبدأت العناصر الدينية والغيبية المضمرة اصلاً في الخطاب القومي والعفلقي تبرز على حساب العناصر العلمانية التي دخلت على الخطاب البعثي منذ الخمسينيات، فبدل القائد الرمز حل لقب (الرئيس المؤمن) الذي يفتتح كل خطاباته “بسم الله الرحمن الرحيم” وأضاف كلمة “الله اكبر” الى العلم العراقي. ولم يعد الرئيس المؤمن يستمد مشروعية قراراته من العقيدة البعثية ولا من نيابة الشعب، انما من رؤى نبوية.. ففي خطاب القاه امام القادة الميدانيين في المحافظة السابعة عشر قال بانه في السابق كان “أتخذ القرار ثم اتوكل على الله”، أي ان هناك قرار انسان يطلب من الله ان يكون في عونه. الا ان الأمر اختلف في قرار غزو الكويت ” فهو يكاد يأخذه جاهزاً من الله”. (٧) وفي هذه الحالة لا يتصرف (القائد) بإرادته ككائن، انما بفعل وحي الهي يأتيه في صيغة أحلام ورؤى. وهناك مقدمات لمثل هذا الادعاء بالإمامة، ففي شجرة العائلة المعلقة في متحف الحزب يأتي تسلسل صدام السادس والأربعين بعد علي بن ابي طالب وأولاده الحسن والحسين، وبينهم الملوك الهاشميين. ويراد بهذا التناسب الايحاء بان القائد الحالي هو امتداد للخليفة الراشد، وانه لا يستمد مشروعيته من الحزب، ولا من الشعب، وانما من الله الذي اصطفاه للنيابة عنه في الأرض. من السهل المزج بين كل هذه التصورات من خلال الوصف المكتوب للبطل النموذجي، لأن الكلمة المتولهة الشعرية تستطيع ان تتملص من معادلها الواقعي وتبقي المديح منفصلاً عن صورة الممدوح الواقعية. ولكن تجسيد هذا البطل بالصورة، وبصورته هو، وفي الفلم الوثائقي يحتاج الى عمل معقد … وتجري عملية الإخراج ضمن حلقة ضيقة من الحماية الشخصية للقائد.. فقبل زيارة اية مدرسة او بيت او مؤسسة او منطقة تذهب عناصر من الحماية لاستطلاع المنطقة وتطويقها امنياً… ومع الحماية مصوّرون خاصون لا يرتبطون بأجهزة الاعلام، انما بالمكتب الصحفي للقائد.. مع الجهاز الأمني الذي يطوق المنطقة مسبقاً سيهيئ المصورون مكان الحدث بطريقة اخراجية بحيث يبدو كل شيء عفوياً ومفاجئا، بل وسيختارون من المواطنين العاديين الممثلين الثانويين الذين سيلتقيهم البطل. وعلى الممثل بعد ذلك ان ينفصل عن ذاته الحقيقية ويدخل الدور ليرى نفسه بعين مشاهديه، وفي الحقيقة تصوره عن مشاهديه. وعملياً لا تمثل الحقيقة المفترضة بكاملها كما في مسرح يتواجد فيه الجمهور والممثل معاً وجها لوجه . فالضرورات الأمنية تحيط تحركات الرئيس بسرية مطبقة وتمنع اقتراب الجمهور من القائد الى مسافة محسوبة بمدى الطلقة. ولذلك تصعب رؤية وجهه الحقيقي. ولا يبقى مجال للمشاهدة غير الشاشة ومن خلال الفلم المصور الذي يتيح اعادة تصنيع أخرى للحقيقة. وبعد ترتيب المشاهد الحية تجري عملية التقطيع الفلمي بإشرافه المباشر او مستشاره الإعلامي ليحذف كل ما يخل بتلقائية الحدث وهيبة البطل الشعبوي .
مثل هذا الإخراج يحدث في أجهزة الاعلام الغربية، خاصة خلال الحملات الانتخابية. لكن تعددية الرأي تنعكس في تعدد زوايا النظر للرئيس او القائد السياسي.. فهناك من سيظهره متجهماً حزيناً للتدليل على حيرته إزاء مأزق الحرب الفيتنامية، وهناك من سيظهره عجوزاً تعباً للتدليل على نهاية حكم يوشك على الموت، بينما سيظهر في أجهزة اعلام أخرى ضاحكاً بين أفراد عائلته للتدليل على ثقة السلطة بالنفس… في أجهزة الاعلام الأحادية لن يرى المواطن ابدا القسم المحذوف من صور الرئيس… فلأول مرة أرى التجاعيد في وجه الرئيس من خلال صحيفة اجنبية، اما المواطن الذي لن يتاح له الاطلاع على الصحف الممنوعة فانه سيرى الرئيس من عيني المخرج فقط. وفي عام 1980 كان موكب الرئيس في طريقه الى اجتماع طلابي، وقبل دخول الجامعة اعترض الموكب شخص نزل فجأة من الرصيف، الحماية المتأهبة أطلقت النار على الشخص بتلك البراعة المتمرسة لمواجهة طارئ كهذا، وبعد توقف الرصاص اكتشفوا ان الرجل القتيل المدد على الأرض وسط بركة دم هو شيخ عجوز أراد ان يقدم للرئيس عريضة. خلال دقائق ازيحت الجثة من المشهد لتسيير الأمور كما خطط المخرج. وفي نفس اليوم عرض التلفزيون مشاهد من لقاء الرئيس بالطلبة مداعباً ضاحكاً ومستذكراً معهم حياته الطلابية كأن شيئا لم يحدث قبل دقائق… وفي بلد لا يتيح لأجهزة الاعلام ان تتناول وجها مختلفاً من الحقيقة، لن يرى المشاهدون ابداً المشهد المحذوف من الزيارة، انما سيظهر خبر عنه بعد ستة اشهر في نشرة معارضة تصدر في المنفى. وعدا ذلك لن يرى المشاهدون غير الصورة المصنعة بحيث تدغم الحقيقة الموضوعية وتختفي تماما وراء الحقيقة المفترضة التي ستصنعها أجهزة الاعلام . تماما كما في غرفة من المرايا يمثل الرئيس نفسه ويرى نفسه قبل ان يراه مشاهديه ويرسم دوره ويراه بعيون مشاهدين يصنعهم من فرضيته.. كل الصور التي تخرج عنه تصور في مكتبه، وهو الذي يقرر ما يبرز وما يحذف منها، وتذهب من مكتبه الى الصحف والتلفزيون. وكثيرا ما كانت هذه الصور تستبدل في اللحظات الأخيرة بصور أخرى وقد أجريت عليها تعديلات حساسة جداً لأن في الصورة شخص ثانوي أطول من الرئيس، او يرتدي بدلة فاتحة تجذب النظر عن الرئيس او ان واحدا من الحماية ملتفت في حركة تشتت انتباه المشاهد بعيداً عن الرئيس وهو يقص شريط الافتتاح .
وقد تجلى هذا الاهتمام في كيفية تدخله في اخراج فيلم (الايام الطويلة) عن دوره في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم.. فقد أراد المخرج المصري (توفيق صالح) ان يعطي للبطل بعضاً من الضعف الإنساني، مظهراً الممثل الذي يؤدي دور صدام حسين يتأوه من الألم حين يقوم الطبيب بإخراج الرصاصة من ساقه بدون بنج.. قبل عرض الفيلم على الجمهور شاهد صدام حسين النسخة وابدى استياءه من هذه اللقطة وامر بإحضار الطبيب الذي اجرى له العملية، فكان جواب الطبيب ان صدام الحقيقي لم يبد خلال العملية اية علامة الم، بل انه كان يحث الطبيب المتردد على ان يقوم بالعملية بدون بنج. وبناء على شهادة الطبيب حذفت تلك اللقطة للحفاظ على هيبة المثال.. فالرمز ينبغي ان لا يشبه البشر الآخرين في ضعفهم.. اما الممثل الذي قام بدور صدام حسين فقد كان هذا دوره الأول والأخير في السينما، لأن من يمثل صدام حسين ينبغي ان لا يمثل أدوارا أخرى اقل أهمية .
حصار الكم
وقد اعتمدت الأجهزة الحزبية والإعلامية على الانتشار الكمي لصور صدام وديمومة وجودها بالتوافق مع تغلغل سلطته في كل شؤون الحياة، ومع تنامي قوته وفردانيته وحضوره الدائم في الوعي الجمعي.. فثلث مدة البث التلفزيوني البالغ 12 ساعة يومياً على القناتين الأولى والثانية مكرس لتغطية نشاطات القائد وأحاديثه التي تعاد بالكامل خلال النشرات الإخبارية الأربع، او لإظهار صوره مع الأغاني المكرسة له او لحروبه. ومن خلال تتالي اخباره على طول النشرات لا يتقسم اليوم الى ساعات ودقائق، انما الى دورات إخبارية مصورة يعيش خلالها المشاهد كل لفتة وكلمة يقولها الرئيس. لا يسمح للمذيع او المعلق بعد تقديم الخبر ان يخترق الشريط الاخباري المصور عن الرئيس. وعلى الرئيس وحده تركز عدسة المصور عندا يقف امام الحشد في الشرفة ولن نرى الحشد الا وهو امامه او راكضاً خلف سيارته المسرعة، فالناس هنا قد صوروا لا لذاتهم انما ككم عددي مهمته ان يوضح حقيقة تخص الرئيس: مدى حبهم له. وعندما يتحدث الرئيس في اجتماع سيكون وحده موضوع الصورة، هو الذي يتحدث والبقية يصغون، واذا تحدث آخر فستستمر صورة الرئيس بالظهور وهو يصغي اليه او يسجل الملاحظات في دفتره. وفي شهادة محفوظة لدى الكاتب يروي المواطن ن. ب. 32 سنة ” عندما رأينا الرئيس يضحك بأريحية موجهاً كلام الى حسين كامل خلال واحد من الاجتماعات قدرنا ان هذا الرجل صاعد بالتأكيد.. ولم يخب تقديرنا”.
وتحتل صورة الرئيس ثلاثة أعمدة من وسط الصفحات الأولى في الصحف اليومية والاسبوعية حتى لو لم يكن هناك أي خبر عنه. انها تعبير عن استمرارية حضوره، فغيابه عن أجهزة الاعلام ليوم او يومين يحيل المواطن مباشرة الى تأويلات حول صحته او صحة سلطته. وتصدر اثنين من مقولاته اعلى الصفحة الاولى، ولقد اخترت لا على التعيين عدداً من جريدة الثورة، وهو العدد المؤرخ في 1-8-1984، فوجدت ان اسم صدام مع ألقابه تكرر 147 مرة في صفحات الجريدة، وتكررت صورته 27 مرة. وفي نفس العدد اخبار عن إزاحة الستار عن خمسة جداريات جديدة تحمل صورته نصبت في مداخل مدن ومؤسسات.. وهناك خبر عن افتتاح دورة صدام للمصارعة تقام في قاعة صدام الرياضية يشرف عليها مرافق صدام (صباح مرزه) نيابة عن ابن صدام رئيس اللجنة الاولمبية عدي صدام.. وتحتل جداريات تحمل صورة صدام بالحجم الكبير كل مرافق الحياة اليومية : مداخل المدن والقرى وحتى المحلات، الساحات العامة، الشوارع العامة.. وفي شارع الرشيد الرئيسي والتاريخي توجد صورة لصدام على كل عمود. ولا تتجاوز المسافة بين عمود وآخر الستة أمتار. وفي هذا الشارع المزدحم بالمارة والسيارات يشاهد المواطن صورة المواطن كل دقيقة، اما في بقية الشوارع فتتراوح المدة بين الأربع والخمس دقائق… وتوجد جدارية في مدخل كل دائرة رسمية ومقر كل منظمة وجامعة ومدرسة. وهناك صور اصغر في غرفة كل موظف وفي كل صف وكل دكان على شارع عام. وتوزع صوره من قبل المنظمات الحزبية لتعليقها في غرف الجلوس في كل بيت . فبوجود الصور أولا يقاس ولاء الناس للقائد وللحكم ، وبغيابها تقاس نواياهم (السيئة) . وقد طبعت صوره على الحاجات الأساسية للناس مثل اغلفة الكتب المدرسية وحقائب المدارس ، في باصات النقل وفي سيارات الأجرة ، مطبوعا على الساعات اليدوية والحائطية والمنضدية ، صحون الطعام والعملة وطوابع بريد .. ولا شيء مما يملكه الناس الا ويمت اليه .
ومن المضحك التصور ان هدف هذا التكرار اعلام الذين لا يعلمون في بلد وصلت فيه صور القائد ابعد قرية في الهور. الهدف الأكيد هو التذكير به في كل لحظة وعدم ترك اية فسحة للنسيان. وعادة ينتج التكرار معادلاً عكسياً في وعي المواطن الذي يرفض هذا التطويق الخانق. وفي غياب البدائل يلجأ الى اسقاط هيبة المثال المفروض عليه بواسطة النكتة. وقد روى لي المواطن ب. ن. نكات شعبية ذات دلالات عميقة مثل” مرة شوهد الرئيس وهو في حمامه الخاص ينظر لجسده في المرآة وهو يغني: العزيز انت، انت”. او: فتح الولد الذي لم يستطع النوم بسبب الأرق التلفزيون في الساعة الثالثة صباحاً وفوجئ بصورة الرئيس وهو يغط في النوم في سريره “… ولكن، وسواء احب المواطن الرئيس او كرهه، فان التكرار يثبت الصورة في لا وعيه. وقد نشرت جريدة (العراق) في 18 تشرين 1984 قصة ذات دلالة عن تأثير هذا التكرار في لا وعي فتاة اسمها غادة جلال الدين الرومي صدمتها السيارة اثناء عبورها الشارع، وخلال خضوعها للبنج كانت تكرر في لا وعيها (صدام بابا صدام). فقد كون التكرار شكلا من المجال المغناطيسي حول الجيل الشاب الذي صحا على هذا الحضور الكلي لرجل واحد وقائد واحد. وبالكم المتكرر يحدث نوع من الاغتصاب حتى دون ان يكون هناك حب، انه نوع من فرض قوة يطلب تواطؤا داخليا حين يتعذر الفكاك منه:” يصعب علي – يقول ن. ب. في شهادته – ان اذكر اسمه عارياً دون القابه وليس باستطاعتي ان أقول كلمة رئيس دون ان تأتي صورته هو بالذات في مخيلتي”.
من خلال الكم والديمومة تطابقت الصورة في النهاية مع سلطة صاحبها… لذلك كان تشويه الجداريات الكبيرة التي تحمل صورته النشاط الأبرز لمعارضي سلطته، فتشويه الصورة يهدف الى اسقاط رهبة سلطة صاحبها في نفوس الآخرين. وبالمقابل يعاقب الفاعل حسب التوجيهات الأمنية معاملة المتآمر الفعلي ضد هذه السلطة، بإطلاق النار فورا على كل من يشاهد وهو في حالة تلبس عملية تشويه هذه الصور.. هذا الحكم الفوري يعادل عقوبة مطلق النار على صاحب الصورة… ولست صدفة ان اول ما فعله الجنود العائدون من الهزيمة العسكرية عام 1990 هو إطلاق النار على صورة صدام في البصرة.. فهذه الرصاصات كانت البيان الأول الذي يعني ان حاجز الخوف الذي تجسده هذه الصور المحفورة في ذهن المواطن قد سقط، وان الانتفاضة قد بدأت… وبالمقابل فان الدبابات الحكومية التي استباحت المدن المنتفضة دخلت وهي تحمل صور صدام على فوهات مدافعها، فصاحب الصورة هنا هو رمز قوة بمقدار ما هو مطروح كرمز وحدة. وكان اول عمل بعد استتباب السلطة في المدن هو تشكيل لجنة برئاسة وزير الاعلام (لطيف نصيف جاسم) لترميم صور “القائد المنتصر” قبل ترميم الجسور وشبكات المياه. وقد ترافق ذلك بالتأكيد مع اعادة سطوة الجهاز الأمني الى الشارع .

Social Links: