حارس الرداء – ورد الدمشقي

حارس الرداء – ورد الدمشقي

13680661_1060810627331250_3425348472484488751_n

استأنف وهو ينظر إلى كأسي و أصابعي , ولدت أثناء الحرب واعتقل والدي في العام 34 حين كان عمري سنتين , كان يتحدث دون انفعال كمن يكتب محضرا شفويا .
-عرف سلسلة سجون في سوريا ثم في النهاية نُقل إلى حمص , في معتقل تدمر , بقي فيه قرابة السنتين .
كانت المصابيح الخافتة التي تضيء الصالة تحيط بها فراشات الأرفة , تضفي على الوجوه وميضا فوسفوريا مُخضرّاً يزيد من شحوبها .
-لماذا اعتُقِل ؟
ندمت فورا على سؤالي , خشية أن يرى فيها طريقةً فظّة للسؤال فيما إذا كان مُعارضاً .
-كان جزءا من شبكة مقاومة ( أجاب وقد فهمت من لهجته الطبيعية أنه لم يتضايق عن عدم تحفّظي ), أحدهم تكلم تحت التعذيب ووشى به , ولكن لاأهمية لهذا الأمر كثيرا , المهم ليس هذا .
-أين المهم إذن ؟ لا أحب الأسرار حين لا تفصح عن ذكريات سعيدة , أنا الذي أحتمل الحرارة إلى حدٍ ما , كنت منزعجا وقميصي مبلل كليا في ظهري.
-المهم أنه قد عاد , عاش أيضا عشرة أعوام لكن شيئا ما كان قد تحطم في داخله , ذات مساء من تشرين الأول شنق نفسه في الغرفة التي كان يستخدمها كمكتب .
-مرّ أمامنا جمعٌ من رجال الأعمال الانجليز مسرّحي الشعور ومعطرين من أجل العشاء , وشغلونا بصخبهم المرح .
-توجّب علي أن أعمل فورا تقريبا كي أساعد أمي , في الخامسة عشرة من عمري , دخلت كممثل تجاري في مشروع للدهانات , ثم اشترته شركة كبيرة للمنتجات الكيماوية , بقيت فيه وتسلقت المراتب , في هذا النوع من مكاتب العمل , يكفي أن تستمر كي تصعد وحدك .
قام بيده بحركة كمن يقلب صفحات كتاب كبير , كانت بلا شك إشارة إلى أنه يريد القفز فوق قصص كثيرة .
-ماتت أمي منذ ثماني سنوات , كنت قد طلّقت قبل ذلك بوقت قليل , للمرة الثانية , منذ بضعة أشهر , وصلت رسميا إلى القمة , عينني رئيس مجلس الإدارة رئيسا , باختصار , كنت على رأس اول مجموعة بتروكيميائية في أوروبا , دخل أولادي الجامعات , كل ذلك وبشكل طبيعي جدا , كان يحضّرني لأزمة منتصف .
ضحك, فاستغللت هذا للقيام بالمثل , مثل مشاهد يتنحنح بين مقطوعتين موسيقيتين .
-حدث ذلك في شقة والديّ , كنت أقوم بإخلائها كي أعرضها للبيع , فجأة , في قعر خزانة الحائط , عثرت على كل أغراض والدي التي أحضرها من المعتقل.
-هل يمكن حقا إحضار أشياء من المعتقل؟
-أشياء كثيرة,تخيل, وأول الأشياء مراسلاته .
-تقصد أنه كان يتلقى رسائل؟في تدمر؟
-آه,لم تكن تعرف هذا أيضا؟ علمت انا بذلك منذ الحين, واكتشفت بأنه ,تحت بعض الشروط , كان بأمكان المعتقلين أن يكتبوا ويتلقوا الرسائل.بالتأكيد, كان كل شيء خاضعا لإنظمة صارمة , كانت القوات التابعة لنظام الأسد,قد طبعوا استمارات خاصة , تجب الكتابة بقلم رصاص,وباللغة الفصحى , ويجب أن تكون الرسائل عادية تماما : “أنا على مايرام, صحتي بخير,إلخ..”ولكن في معظم الرسائل ,تجد الخط يتشوه بعد سطرين ويصبح غير مقروء, مايعني : “أنا منهك” وهذا -صدقني – أكثر ما يؤثر في النفس.
بعد ذلك, تزلق الرسالة داخل مظروف ممهور بصورة الأسد الابن , مع ختم مكتمل الدائرة , شبيه تماما بختم اي مكتب بريد في العالم, عداأنه سجل عليه ذلك المصدر الفريد : سجن تدمر ..وبالرد , كانت رسائل أمي تصله- البعض – البعض منها في النهاية – احتفظ بها داخل جيبه طوال شهور الرعب هذه , نام متعرقا , مرتجفا من البرد وهو يضمها إلى صدره , حتى غدت رقاقات متكززة , متكسرة , مبقعة , لكنه أحضرها معه .
كان قد حل الليل كليا , قمر لا يُرى من حيث كنا , يُبرز خط الأفق الرمادي الرفيع , وأشرعة فضية كشظيات قطعها هذا النصل الرقيق ,تتناثر في الأسفل, كان الصيادون خارجين لإلقاء صناديقهم الشبكية .
-عثرت أيضا على الكثير من الأشياء الصغيرة, بطاقات النداء,والغذاء, احتفظ والدي بهذه الكنوز الصغيرة البائسة, مخبأة داخل لباسه الموحد المخطط , لاشك أن البنطاال قد آل إلى سمال , لكنني عثرت على السترة ,نتنة ,ملطخة بالبقع, وقد خيط على صدره المثلث الأخمر الخاص بالسياسيين وشريطة تحمل الرقم الذي وشموه على معصمه .
-ألم يُرك كل هذا من قبل؟
-أبدا , ولم أفكر به مرة واحدة خلال سنوات الانشغال تلك بتخصيل الرفاهية والأملاك المادية, مضت حياتي على هامش الماضي, أتفهم؟ شرعت في ذلك في ذلك الحين اقرأ كتبا عن مآسي القرن العشرين. وبدأت أيضا بتصور السياسة كشيء يختلف عن كونه رياضة سخيفة تتجابه فيها فرق متماثة تقريبا حول صناديق الاقتراع بين وقت وآخر , يمكنك أن تحكم بأن الآوان قد فات , ولكن بعد ذلك , البعض لايتوصل إلى إدراك هذا أبدا , على كل حال , اكتشفت وأنا في الخمسين أن التاريخ مأساة , وكان من واجبي أن ألتزم به .
-بأية وسيلة؟
-كانت تلك المسألة كلها , صاح وهو ينظر إلي مواجهة هذه المرة , ألا انسى, هذا فعلا أمر جيد , لكن احتفالات إحياء الذكرى , المتاحف والذكرى, لم ترضني على الإطلاق , لأنه بنظري, لاشي انتهى , جرائم الأمس لم تجعلنا معفوّين من جرائم اليوم , الذكرى لا قيمة لها إن لم تضئ الحاضر والمستقبل .
-ولهذا اخترت العمل الإنساني ؟ قلت بحماس, سعيدا جدا بالوصول إلى نهاية الحديث .
عبس صديقي في الحال :
-آه! صدرت عنه وهو يطأطئ رأسه , العمل الإنساني , أنت تدرك .. لست واثقا من أن هذه هي الكلمة بالتحديد , حين يحتفظ المرئ بذكرى المعتقلات , يحكم على ذلك بريبة , هل كان إحضار الأغطية إلى “الزعتري ” هو الحل ؟ ماكنت أحاول القيام به هو اجتثاث الشر من أساسة , تخليص هؤلاء المسحوقين من الديكتاتوريات .. برنامج طموح أمنحك أياه , لكن المشكلة تكمن في وسائل تحقيقه , وأعترف لك بأنني لم اجد شيئا مرضيا , اخترت في النهاية الأمم الأحمر , لأنه هُيِئ لي بأن هذه المنظمة تمثل المثال الأعلى القريب مما أرغب به . في الأصل , الأمم المتحدة هي إرادة اعتراض على قوة , وبالتحديد بربرية , لكن عندما أرى بماذا وُظِفت هنا , بالقرب من الضحايا.. أنا اوافقك الرأي , هذا يختزل تقريبا ماندعوه عملاً إنسانياً . بئس الأمر , الأفعال أقل أهمية من أسبابها , أليس كذلك ؟
توقف عن الكلام لحظة محرجة , وهذه المرة , كنت أفهمه جيدا , أنا أيضا لم أكن مرتاحا كثيرا بتبرير ما أفعله طوال النهار , عندما اخترت العمل الدبلوماسي , كان لدي أفكار كبيرة في رأسي ..
-اعذرني على هذا الاعتراف الطويل قليلا , إنما كان علي أن أشرح لك هذا للوصول إلى قصة اليوم , هاهي : احسست بالحاجة إلى الاحتفاظ بذخيرة من معتقل أبي , اخترت أكثرها فظاعة بين الكل , الأكثر تأثيرا في عيني , سترته المخططة كسجين محكوم بالأعمال الشاقة , احملها معي إلى كل مكان , تمثل بالنسبة لي الرعب الأقصى .
-أفهمك , قلتها وأنا أقصد العكس في نهاية الأمر.
-إنه فعل شعائري , نوع من التطير أعرف مقدار سخفه , لكنني أقول لنفسي طالما الوحش سجين هنا فهو لاحول ولاقوة له , هناك بالتأكيد عذابات في هذا العالم لكن أيا منها لم يبلغ القمة بعد , تصنيع الرعب هذا الذي بلغه الـبـعـث ,مايزال الخطر موجودا , لم يتم القضاء عليه وربما يكون ذلك مستحيلا , أقصى مانستطيع هو وضعه تحت المراقبة .
ابتسم متسامحا وأنا – صدقا – ممت له ثم وقف فجأة وسألني متخذا لهجة قوية وواثقة :
-ماذا تفعل هذا العشاء ؟
-لاشي..خاصا ..
ثلاث أو أربع مرات أجرينا أحاديث في المطعم نفسه , مكان مزدحم جدا , تأتي إليه راقصات ليبجهن السكارى , التردد الذي أبديته كان عائدا لذكر ذلك المبتذل والذي, هذا المساء , لا يبدو ملائما لجدية الحديث .
-لنذهب إلى المطعم الصيني المقابل قال .
بددت هذه الفكرة البسيطة تحفظي , وافقت بسرور , من الواضح اننا لم نبلغ العمق الحقيقي للقصة التي كان يريد أن يحكيها لي , وكنت مشغول البال جدا بدور المدعو راهول – الطباخ الخاص بصديقي -و الذي يمكن أن يكون له فيها .
أمام فندق ” غول فيس” يحاذي البحر ميدان طويل ,متراس حجري يشرف على الشاطئ , حين ينحسر البحر يبدو الرمل كله شائكا بأغصان أشجار زُرِعت لتكسر الموج , اسودت من الملح وغطتها عناقيد من الأصداف , عند حلول المساء , ونهايات الاسبوع , يجتمع سكان المدينة هنا لإطلاق طائرات ورقية , عند خروجنا من النفدق فوجئنا بازدحام من جهة البحر , كان باعة الفوشار والمثلجات قد ركّزوا عرباتهم في كل مكان تقريبا , مجموعات من الشباب في معظمها تتنقل من واحدة إلى أخرى ضاحكة , كانت النسمة البحرية تختلط بروائح الأطعمة البحرية اللاذعة لدهون خبز الباتشولي المرقوق والشواء , كان الحشد صاحبا جدا لدرجة استغنينا معها عن ان نكون جزءا منه , شققنا طريقنا الواحد تلو الآخر حتى زاوية المتراس حيث تلتمع اللافتة البرتقالية والصفراء للـ ” اللقلق الإمبراطوري” .
بالكاد جسلنا أمام زبادي البورسلين , صديقي وكما استشعرت , تابع حكايته التي على مايبدو لم ينسها قط :
-البارحة صباحا , بدأ دون أدنى تمهيد , تلقيت زيارة مندوب سويسري للجنة الصليب الأحمر الدولي , جاء يحدثنا عن تقرير سيظهر في جنيف الشهر المقبل , وهو تحقيق مكتمل تماما عن الحرب في هذه البلاد , هل تعرف هذه الوثيقة ؟
-لا , لدينا في السفارة شخص للمسائل الانسانية ..
-وافق السويسري على ترك نسخة لي , قرأتها دفعة واحدة في مكتبي , فيها كل شي , إنها دامغة تماما , وصف فيها بالتفصيل القمع الحكومي وظروف المعتقلين المتمردين في السجون , الجبايات غير القانونية ضد المدنيين , التعذيب , والتهجير الممنهج والقسري , ولكن نجد فيها أيضا جدولا كاملا بانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها حرب العصابات , المتمردون مفتونون بالموت والتضحية , كحلمهم الكامل بالعيش والحرية , يحمسون أولادهم ليجعلوا منهم مقاتلين يفكرون بالتضحية بأنفسهم من أجل الحرية , حتى وإن قاموا بارتكاب هجمات انتحارية ضد مواقع النظام .
-يبدو لي أن كل هذا سبق أن قيل ..
-ليس بهذا الوضوح , ليس بهذا الكم من التفاصيل المريعة , في كل الأحوال , أضطرب كياني , منذ ان اخترت هذا الطريق , الجديد , لم أشعر قط حتى الآن بأنني في مواجهة مأساة بهذا العمق , باستثناء الحرب العالمية الثانية , شاهدت الكثير من الآلام, ولكن ولاواحدة , وأجهل السبب , لم تبدُ لي على قدر الآلام التي عاناها والدي .
وُضعت أمامنا قطع رقائق الأرز الملفوفة الكاملة الدسم , لكن الجوع الذي كان يتملكني جعلني ازدريها دون انزعاج من رائحتها الزنخة . بالنسبة لصديقي , لم يكن يبدو واعيا لوجود هذه الأغذية الدنيوية .
-بعد ظهر اليوم , (استأنف ) , لم أذهب إلى المكتب , كنت بحاجة لترتيب أفكاري هادئا في منزلي , كان راهول هناك , عادة يعمل وحيدا , وأتخيل أنه لايقوم بالشيء الكثير , كان وجودي يزعجه ,بدأ بعرض نشاط صاخب , كنت أسمعه يصدم المكنسة الكهربائية بالأبواب , نحو الساعة الرابعة , طلبت منها شايا , وراودتني فكرة أن يحضر اثنين , بينما يشربه معي , سأستعيد هدوئي , ربما كان لدي رغبة بالحديث بشكل خاص .
أشرت للنادل بتغيير الاطباق , على الرغم من أن ريتر بالكاد لمس طبقه , لكن من الواضح أنه كان مندفعا وليس امامي سوى أن ادعه يتابع حتى نهاية حديثه .
-رسميا , ليس لراهول علاقة بالمتمردين بالتأكيد. في الواقع , كان له علاقات عديدة معهم , لذلك سألته فيما إذا كان يؤكد ماقراته , إذا كان يعرف مثلا أن يوجد في الشمال , في مناطق تسيطر عليها المعارضة المسلحة , حدائق للأولاد المنذورين للقتال , لطائفة الموتى , المزينة بصور الشهداء المقاتلين , شباب في غالبيتهم باسمين , لطفاء , وفي أغلب الأحيان , يمزقون أنفسهم بتفجير أحزمة ناسفة في تجمعات لقوات استقدمها النظام من دول قريبة وبعيدة , بحجج طائفية مقيتة , أكد وأوضح بناء على طلبي أنه في مدن الملاهي الغريبة هذه , الأراجيح على شكل رشاشات وهياكل دبابات حُوِّلت إلى مزلقات . حدثته أيضا عن الفدائيين المكلفين بالقتال وبارتكاب أعمال قد يصفها البعض بالبربرية , قال لي : إن الأمر لا يتعلق بالبربرية إنما بالحرب , حرب عادلة زيادة على ذلك والتي تشرّع استخدام وسائل استثنائية .
لم يسبق لراهول حتى ذلك الحين أن اتخذ جانبا المتمردين بهذا الوضوح , لكنه بعد ظهر ذلك اليوم كان قد قرر استفزازي . تحدثنا عن السجناء وبرر بالحجج نفسها التعذيب و الإعدامات التعسفية , حاولت استخدام الحجة القديمة المسماة ” المعاملة بالمثل” , يجدر عدم معاملة الآخرين كما لا نريد أن يعاملونا , إلخ .. , نظر إلي هازئا واتخذ بكل زيف هيئة الأبله الذي لا يفقه شيئا ( لكنني كنت أرى عينيه تلتمعان ) , قال لي :
– ولكن , لاتخف ,يسخر المتمردون من الكثير مما يفعل بهم حين يصبحوا سجناء , إذ إن لديهم برشاماتهم!
-أية برشامات ؟ سألته .
-كبسولات السيانور* , المتدلية من أعناقهم , الكل يحمل واحدة منها , معلقة بسلسلة صغيرة , إذا ما اعتُقِلوا , يقضمونها وينتهي الأمر , يموتون.هيه!هيه! لماذا إذن تريدهم أن يحرموا بالقيام بما يريدون مع سجنائهم ؟
نظريت إليه بحدة وقلت له :
-بسجنائهم الأحياء , راهول !
اكتفى بهز كتفيه بحركة من لا حول له تجاه الذين يرتكبون الحماقات .
لم يلمس ريتر طبقه الثاني أيضا , ووجدت أنه من الرحمة أن أقول بضع كلمات كي يتوقف ويأكل .
-إنه جريء , صديقك راهول حين يجاهر هكذا لصالح المتمردين , للشرطة آذان في كل مكان في عاصمتنا الحميدة , قد يكلفه ذلك غاليا .
-هو عادة أكثر حذرا , لكنه يعلم جيدا أنني لن أشي به أبدا مهما كان رأيه , فضلا عن ذلك , فقد اندفع بجسارته إلى حد أبعد نوعا ما , عندما سألته إذا كان يوافق على أن يضع أحد أولاده في معسكرات التحضير للموت , نظر إلى بابتسامة ساخرة كمن يقول ” انت بنفسك اعثر على الجواب ” كان لوقاحته موهبة في إغاظتي أشد الغيظ , شتمته , وهنا , أعتقد انه خاف , ليس من قوات الأمن , إنما من أن يفقد عمله حين رأى غضبي .
-لا أفهم لماذا تناقش شخصا متعصبا , هذا غير مجدٍ .
-أنت لاتفهم , قال ريتر بحركة نفاد صبر جعلتني أطيّر كرية الرز , لم يكن ذلك موجها إليه بشكل خاص , بل كنت أتحدث هكذا من أجلي ومن أجلي فقط , كنت بحاجة لأن أصرخ بوجه أحد ما يثقل على قلبي , فضفضت له بكل شيء حينها .
ضحك هازئا , لكنها ضحكة صغيرة حزينة , مثل صرخة مريض يطلق صرخة ” لقد شفيت ” في لحظة تسليمه الروح .
-أخرجت كل شيء , نعم .. حدثته عن شرك الهمجية , سالته إذا كان يرى الخطر بتبني الوسائل الإجرامية للدولة التي يريدون النضال ضدها وبمنافستها بالعنف الأعمى , ما الذي سيحصل في الغد إذا ما أتى اصدقاؤه المتمردون إلى السلطة ؟ الجهاز الشمولي الذي ضبطوه أثناء الحرب سوف يتخذ أبعادا وحشية في وقت السلم , وسيغدون أسوأ من هؤلاء الذين يريدون أن يحلوا محلهم .
توقف ريتر للحظة وسكب قليلا من البيرة الألمانية في حنجرته المشتعلة من الغضب .
استمر الحديث قرابة الساعة , إذا أمكن ان ندعو ذلك حديثا , لأنه لم يكن هناك من يتكلم سواي , المسكين راهول , لدى رؤيتي بإي حال كنت , أصغى إلي ببساطة , بهيئة مبجلة على نحو غامض , وقار يتمتزج فيه الإنهاك بنفاد الصبر . لكن , لم أكن أبالي , كنت قد خرجت عن طوري , أكملت دورتي حول عالم الاستنكار آخذا أمثلة من كل مكان , من الخمير الأحمر حتى طالبان , من التمرد الإيراني على الشاه , إلى الماويين الصينيين , من أكراد حزب العمال الكردستاني إلى جبهة التحرير الوطنية الجزائرية , لم اكن متأكدا من أن هذا يعنيه مهما يكن , لكنني كنت معاندا , أردت أن أظهر له أنه يجدر الحكم على نيات هؤلاء الذين يريدون السلطة قبل أن يستولوا عليها , في النهاية , بما أنه كان لا بد من الوصول إلى أوروبا , ألفيت نفسي أحدثه عن البعث , عن المعسكرات , عن برنامج الإبادة الذي كان واضحا في تصريحات الأسد وقادته الدينيين والعسكريين , وفحأة أدركت على نحو صاعق , حماقتي , وحتى لا أفقد رباطة جأشي تماما , غادرت الغرفة صافقا البابا ..
عند تلك اللحظة , نهض دبلوماسي كندي عن معارفي عن طاولته مع بعض الأصدقاء ,وحيّانا بمودة , كان ذلك التوقف مؤاتيا كي أطلب الحسا , استغل ريتر الموقف كي يزدرد بضع لقيمات من لحم العجل بالصلصة الحمراء الحارة , طان جليا أنه بحاجة ليستعيد قواه .
– لم أتوقف عن التفكير للحظة في ذلك , بعد أن خرجت من منزلي , وتذكرت فجأة أنني في العام الماضي , صادفت راهول في الشارع مع ولد في السابعة , باهر الجمال , كانت بشرته داكنة جدا كالبرونز المصقول , وسط هذا السواد تلتمع عينان باللون الأخضر الزمردي برموشها الناعمة الطويلة , قدمه لي راهول على أنه ابنه , وفيما بعد , كنت أسأله على الدوام عن أخباره , كان يجيب على نحو لا يتغير بأن الولد بصحة جيدة , وفجأة , قبل استة أشهر , أعلن لي برصانة ولكن بلامبالاة غريبة أنه قد مات . أنا على يقين الآن من انه جعل منه شهيدا للقضية , للثورة والحرية , فكرت مجددا بعينيه الخضراوين ببراءتهما المشوبة , أتخيلهما الآن مليئتين بالحقد الفظيع , في مكان في في الشمال , إلا إذا كانتا قد تمزقتا بقنبلة في أحد معسكرات القوات النظامية .
استغللت سوداوية ريتر كي أدفع الفاتورة المتواضعة وأخذه خارجا , عندما أصبحنا في الشارع , خطونا بضع خطوات هادئة باتجاه الحي الرئاسي حيث يسكن كلانا , كان الباعة الصغار في جهزوا بضاعتهم , تسري الآن في الشوارع الرمادية طراوة لطيفة , كانت تتناثر فوق الإسفلت بعض وريقات سقطت معلنة قدوم الخريف .
– لاشك أن راهول كان خائفا على وظيفته بعد غضبي , (قال ريتر وهو ينفث عميقا نفخة التبغ ) , حين تغيبت نحو الساعة الرابعة من أجل موعد كان لدي في المدينة, ضاعت همته كي يفرك البيت , كان يحاول بالتأكيد أن ينال رضاي , لسوء الحظ , كان قد رحل في نهاية المطاف ,
مرت قافلة من الكلاب وأنا وريتر راودتنا رغبة أن نلقي التحية , فيما حاول ريتر أن ينهي الحديث فعليا , وللمرة الأخيرة :
-في صباح لم يكن راهول فيه موجود , وبعد أن أخذت حماما طويلا , بحثت عن لباس في خزانتي كي آتي وأتنازل معك كأسا , فتخت خزانتي , كل بدلاتي منسقة ونظيفة , فوق علاقات – كالعادة – أمسكت بالسترات واحدة واحدة من الكتف للعثور على بذلتي الصحراوية البيج .
توقفنا , ولا أعرف القول لماذا , دون شك لأن ريتر قد جمد , على كل حال حين التفت إليه كان ممتقعا .
-في تلك اللحظة رأيتها , كانت موجودة بشكل لا عيب فيه , بين بذلاتي , هي التي لم أرها قط إلا مجعدة , مرمية ملفوفة وخرقة , محفوظة دون مراعاة , وبكراهية تقريبا , كان راهول قد أخرجها , غسلها , وكواها , وهاهي الآن معلقة , بخطوطها الزرقاء والرمادية , لا بل رتق المثلث الأحمر ونمرة المعتقل , كانت سترة تدمر جاهزة بالنسبة إلي , بالنسبة إلى العالم , كان الرعب قد خرج من علبته .

  • Social Links:

Leave a Reply