يتساءل السوريون منذ سنوات عن الأسباب التي ادت الى انحراف انتفاضتهم الشعبية السلمية عن مسارها الطبيعي وابتعادها عن الاتجاه الذي كان يؤمل ان يؤدي الى بلوغ الأهداف الوطنية التحررية التي انطلقت من اجل تحقيقها , لتتحول بعد ذلك من مرحلتها المدنية الى مراحل اخرى يستكمل ويمهد كل منها للأخرى وهي مراحل العسكرة فالأسلمة فالتدويل . وهكذا كانت نتيجة هذا المسار الخطير تحول الحراك الشعبي الجماعي من اجل وضع حد نهائي لحياة القهر والتخلف والإستبداد والفساد الى حرب اهلية مدمرة ,بأبعادها الإقليمية والدولية , حرب تشي وتنذر في حال استمرارها الى القضاء على مقومات وجودنا الوطني دولة ومجتمعا وتاريخا .
فبعد ان وصلت الأوضاع الى هذه الحال وبعد ان فقد السوريون وحدتهم الوطنية وقرارهم الوطني المستقل ,وكان امرا منطقيا ومنتظرا , وقد شهدت بنفسي ذلك في العديد من المناسبات ,أن يطرح السوريون على أنفسهم وعلى بعضهم بعضا السؤال التالي : ترى ألم يكن الأجدر بنا لو كنا نعلم ان الإنتفاضة ستنتهي بنا الى هذا المآل والى هذه الأوضاع التي لم تكن تخطر على بال , ان ننتظر سنوات اخرى ونصبر على المزيد من شقاء وقساوة الإستبداد وامتهان الحقوق مع توفر الأمن ,حتى تتوفر الظروف الأفضل لتأمين نجاحها وتجنبها المطبات والتحديات التي يمكن ان تجهض روجها التحررية التقدمية وتغتال هويتها الإنسانية الحضارية ؟
وتبعا لهذا التساؤل الذي يعكس شكلا من اشكال المراجعة الوجدانية والتقييم الموضوعي لدور كل العوامل الذاتية التي ادت بالإنتفاضة السورية الى مثل هذا الوضع , كان هناك تساؤل أخر يتناول طبيعة وحجم مسؤوليات المعارضات السياسية والنخب الفكرية السورية التي اسهم معظمها بخطابه الغرائزي وغير العقلاني ,وبمواقفه المنطلقة من ردود الفعل ومن رؤيته القاصرة والبعيدة عن مواجهة المهمات الإنتقالية الحقيقية المطروحة , في الوصول الى الوضع المأساوي الذي تعيشه بلادنا اليوم ,الوضع الذي بات يهدد حاضر ومستقبل وحياة كل انسان سوري ,
ان مثل هذه التساؤلات التي واجهت مسار الأوضاع في سورية منذ اكثر من خمس سنوات لم تكن بطبيعة الحال قاصرة على سورية واحدها كما هو معروف , بل واجهت سيرورة كل الإنتفاضات الشعببية الأخرى في اطار ماسمي بالربيع العربي,تلك الإنتفاضات التي كان دافعها الأساس نقل مجتمعاتنا العربية من واقع الاستبداد والتخلف والفوات التاريخي الى الحداثة وحياة العصر . فهل كان على شعوبنا وعلى مجتمعاتنا التي اصبحت تمثل في مطلع القرن الواحد والعشرين حالة استثنائية بل و لنقل شاذة في مسار التطور العالمي وخاصة بعد الموجة الثالثة من التحولات الديمقراطية التي شهدها الربع الأخير من القرن الماضي , هل كان عليها ان تصبر اكثر مما صبرت وأن تتحمل اكثر مما تحملت من سياسات التهميش والاستلاب والاستعباد بانتظار مجيئ ظروف محلية او دولية مثالية او اكثر ملاءمة تنتفض فيها بحيث تكون قادرة على تحطيم قيودها ومتابعة خطاها نحو افاق الديمقراطية والكرامة والمساواة ,وبناء مستقبلها الذي يتفق وقدراتها الحقيقية ويلبي طموحاتها المشروعة ؟
كان فولتير يرى ان كل انتفاضة وكل حركة ثورية تحتاج الى توفر ثلاثة مقومات كي تنطلق وتنجح في تحقيق اهدافها . اول تلك المقومات وجود ازمة عميقة ومتفاقمة في المجتمع ناجمة عن حكم ظالم ومستبد استمر ردحا من الزمن ,غير ان هذا العامل بحد ذاته لا يؤدي , حسب ما ذهب اليه فولتير ,الى اندلاع الثورة اذا لم يشعر الشعب بواقع الظلم والحرمان والاضطهاد ويصمم على الخلاص منه , وهذا الأمر هو ماعبر عنه شيخ التنويريين العرب في مطلع القرن الماضي عبد الرحمن الكواكبي عندما رأى ان شعبا يستسيغ حياة الظلم والإضطهاد ويعتاد عليها هو شعب لا يستحق الحرية , اما العامل الثالث الذي لا بد منه لاستكمال مقومات الثورة فهو الحادث المباشر او الزناد الذي يطلق شرارة انفجار تلك الثورات والانتفاضات الشعبية . هذا الحادث الذي كان كما نعلم المفحر المباشر والخاص بكل من انتفاضات الربيع العربي .
هكذا فمن وجهة نظر علم الاجتماع السياسي يمكن الحكم على ان الظروف الموضوعية لتفجر الانتفاضة التحررية السورية كانت متوفرة وناضجة وهي التي ترجع الى ابعاد الازمة المجتمعية العميقة في سورية والتي كانت في طبيعتها الشمولية :أزمة نظام حكم غير قابل للإصلاح من داخله بفعل بنية السلطة المافيوية التي صادرت وشخصنت مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية , وأزمة ثقافة تقليدية راكدة وغيرمنفتحة على صيرورة الكل الإنساني الأشمل بدعوى التمسك والحرص على الأصالة , ووعي ماضوي سلفي سائد ومهيمن , وبالتالي ازمة مجتمع تخلف عن ركب التطور الديمقراطي النهضوي العالمي . والثورات والانتفاضات الشعبية كما تعلمنا دروس كل الثورات المعاصرة لا يمكن ان تتحكم بمسارها الحتمية التاريخية التي تكفل انتصارها لمجرد نضج الظروف الموضوعية فهذه هي النظرة الدوغمائية التي نادت بها العديد من الايديولوجيات الأصولية سواء منها الماركسية المبتذلة التي اعطت للمادية التاريخية مفهوم الميكانيكية الحتمية وكذلك الحركات القومية التي رات في انتصار ارادة الامة في وحدتها وتجسيد شخصيتها القومية امرا مطلق التحقق برغم مايمكن ان يواجه من عراقيل وعقبات ,
وفي العقود الأخيرة تواجه مجتمعاتنا العربية , بعد تعثر واخفاق مشاريعها النهضوية , تيارات الدوغمائية الأصولية السلفية التي توسع انتشارها ,في ظل شعار الصحوة الإسلامية , بكل اتجاهاتها الرئيسية سواء منها الدعوية ,أوتيارات الإسلام السياسي , أوالمنظمات الجهادية التكفيرية التي تمثل حاليا اكبر الأخطار على وجودنا وعلى هويتنا الإنسانية .
واليوم وفي مواجهة تداعيات المحنة الوجودية لوطننا وما اتخذاته من ابعاد كارثية ومن تداعيات محلية واقليمية ودولية نجد ان معارضاتنا التي اعطى بعضها لنفسه صفة الممثل الشرعي والوحيد للشعب السوري تستمر في مواصلة نفس النهج الذي سلكته طوال السنوات الماضية بتحميل المسؤؤلية عن فشلنا

Social Links: