السلفية والصوفية وحركة الإحياء الإسلامي في سوريا
يمكن التأكيد على ملاحظتين مهمتين من خلال استعراض السيد وايزمان لرؤية الشيخ سعيد حول إصلاح السلفية من خلال إبراز مفاهيمها الدلالية خلال الأطوار التاريخية المختلفة؛ ابن تيمية ودعوة كل من محمد بن عبد الوهاب ثم الأفغاني ومحمد عبده وأخيراً رشيد رضا. أولاهما، التفاوت الواضح بين مدلولات المفاهيم الآنفة الذكر وظروف تكون مفرداتها ومدلولاتها طبقاً لكل مرحلة زمنية على حدة، ثم ملاحظة إغفال الدراسة لتحديد المدلول الحسي للدعوة السلفية التي عاصرت مرحلة الإحياء الإسلامي إبان فترة البعث.
وفيما تفيدنا الملاحظة الأولى بضرورة تفكيك مدلولات المفاهيم وإحالة كل منها لمرحلته الزمنية فإن الملاحظة الثانية تلفت النظر لإغفال الحديث عن الدور المهم “للدعوة السلفية” أو حركة الشيخ ناصر الدين الألباني والذي لم يكن يقل أهمية بل ربما فاق في دوره الجهات الأخرى في حركة الإحياء الإسلامي سواء خلال فترة الستينات والسبعينات أو ما تلاها من مراحل. وقد وجدت أن من المفيد في سياق هذه المناقشة أن أورد بعض الملاحظات حول دعوة الشيخ الألباني.
فالألـباني لم يكن مجرد عالم في الحديث والسنة النبوية وإنما كان صاحب دعوة تجديد وإحياء تستند إلى فكرة الرجوع إلى الكتاب والسنة الصحيحة وفهمهما على نهج السلف، وتحذير المسلمين من الشرك والبدع والأفكار الدخيلة والأحاديث المنكرة والموضوعة، وإحياء التفكير الإسلامي الحر في حدود القواعد الإسلامية، وإزالة الجمود الفكري والبحث عن حلول واقعية لمشاكل المسلمين.
هاجر الألباني 1914 ـ 1999م مع والده إلى دمشق وعمره تسع سنوات وتعلم في مدارسها وعلى مشايخها، وذاع اسمه في دمشق منذ ستينات القرن العشرين، وانصرف إلى علم الحديث ومعرفة الدليل وكان يعقد الدروس في البيوت وتنقل في محافظات سوريا حلب واللاذقية وغيرها، وعرف بحدة أسلوبه وعزوفه عن الالتزام بالمذاهب خارجاً عن مألوف تلك المرحلة، مما أدخله في خلافات وخصومات كثيرة. واتهم بالوهابية وكتبت ضده العرائض وهوجم على المنابر، لكن دعوته لاقت رواجاً كبيراً وخاصة بين الشباب في الأحياء الراقية من دمشق، كما هو شأن جماعة زيد، واشتهر مركزها الرئيسي في جامع المرابط بحي المهاجرين بدمشق.
لقد مثل الألباني نموذجاً آخر للمدرسة المشيخية بثوبها السلفي مع اختلاف بيّن في المضامين. وأسهم انتشار تعاليمه بين الشباب ودعوته لتصحيح السلوك الديني من خلال السنة في إضفاء المزيد من النقاشات على الأجواء الدينية والثقافية إبان السبعينات، وإن كان أسلوبه قد أخذ منحى الحدة والتنافس الشديد وهو ما انعكس على الشباب السلفي، رغم ذلك فقد بقي هذا الأسلوب محصوراً ضمن القضايا الفقهية والعبادية، وخاصة في السنوات الأولى. لاحقاً أخذنا نشهد حضور الشباب السلفي ومشاركتهم في الدروس والمجالس العلمية وانخراطهم ضمن المسار العام لحركة الإحياء. ومن مشاهداتي الخاصة في تلك الفترة، رؤيتهم ينضمون لمجلس “فقهي” كنت أحضره عند الشيخ أديب الكلاس الصوفي المشرب، وكان ذلك في مسجد الخير بالمهاجرين الذي كان جل مرتاديه من الشباب السلفي. ومما يجدر ذكره أن الشيخ الألباني ومع مغادرته لسوريا نال شهرة واسعة النطاق وأصبح من أهم المراجع السلفية المعاصرة التي أسهمت بشكل كبير في صعود التيار السلفي والعلمي منه على الأخص. أسوق هذه النبذة الموجزة لأبين عدة نقاط منها أن حركة الإحياء الإسلامي لم تكن حكراً على دعوة الإخوان المسلمين، وإنما كانت حركة عامة شاركت فيها مدارس ودعوات أخرى وأسهم فيها علماء ومفكرون ومشايخ ودعاة.
وأختتم بمفهوم الجهاد الذي اختتم به السيد وايزمان والذي لا يختلف عما سبقه من حيث المفهوم الدلالي لكلمة “جهاد” التي لها جذورها في القرآن الكريم والأحاديث النبوية والتي تعددت سياقاتها بحسب الآيات لتشمل أنواعاً عديدة من الجهاد تضاف في كل مرة لمجال من المجالات، كالجهاد بالمال والجهاد بالنفس والجهاد بالفكرة. وعندما يتعين مفهوم القتال فإن القرآن الكريم يسوقها بلفظ (القتال) تحديداً. واعتادت كتب الفقه أن تورده تحت عنوان “السير” وتناقش من خلاله الأحكام الفقهية بالقتال مثل شروطه وآدابه ومن يجب قتاله والأمان والمعاهدات وما إلى ذلك، وهي استنباطات فقهية اجتهادية تخضع لاعتبارات عديدة من أهمها وجود دولة إسلامية وحاكم مسلم.
والنوع الأخير من الجهاد هو الذي أورده سعيد حوى وتكلم عنه بالتفصيل في مؤلفاته، وتناوله وايزمان بالبحث والدراسة. ومن المهم هنا أن نلفت النظر إلى الغموض الواضح والتعقيد الذي يحيط بالمفهوم الدلالي لمفردة “الجهاد” بمعنى “القتال” في سياق رؤية الشيخ سعيد وتعذر نقله من الحالة التجريدية إلى الحالة الحسية (أي التطبيقية)، نظراً لارتباطها بشروط وظروف غير متوفرة، وربما أدرك الشيخ سعيد هذا الملمح وهو يشرح ويفصل في مفهوم “الجهاد القتالي” مما دفعه للمسارعة لإبداء تحفظاته وخشيته من مغبة الأحكام والاستنباطات الفقهية التي كان يستدل بها في سياق رؤيته لمفهوم الجهاد. وقد نقل السيد وايزمان هذه التحفظات مراراً وفي كثير من المواضع وحتى في بحثه حول الردة، وأثبت خلاصتها في نهاية فقرة الجهاد بقوله “لا يشكك حوى بصحة الجهاد من حيث المبدأ، ولكن الشروط الصعبة التي يضعها من أجل تطبيقها، ونفوره الواضح من إعلان الردة بشكل عام، كل ذلك يشير لا إلى ضرورة تأجيل الجهاد ضد الجاهلية فحسب بل ضد الردة أيضاً. وحتى في حالة متطرفة مثل سوريا، حيث تجلت الردة، فإن القيام بالتعليم على المدى الطويل مع سيطرة السنة على الجيش يعتبر متطلباَ لإعلان الجهاد، وهو أمر من الصعب أن يحدث في المستقبل المنظور”.
الخلاصة
رأينا من خلال الملاحظات والاستدراكات التي أوردناها فيما سبق أهمية استكمال العوامل الموضوعية في منهجية البحث الدلالي، ومن هذه العوامل ظروف التكوين التاريخي للمفردة أو المصطلح، ومسارات تحول مفهوماتها وانتقالها الحسي والحركي، ومدى انعكاساتها العلمية والاجتماعية ضمن الأطر الزمنية المعنية بالدراسة، ولاحظنا أن “الراديكالية” التي تضمنتها مفاهيم ومدلولات مفردات “الردة” و “الجاهلية” و “الجهاد” و”التكفير” و “المفاصلة” ومثيلاتها لم تكن أساسية أو ذات أثر مهم في التكوين الثقافي والتربوي لأجيال مرحلة الإحياء المعنية بالدراسة. وهذا يشكك بصحة استنتاج السيد وايزمان وما عزاه للمجاهدين بأنهم أخذوا بالجانب المتطرف لمفهوم الردة, في قوله: “وبالنسبة للمجاهدين الذين لم يكونوا يمتلكون الوقت والقدرة على اتباع صياغاته العلمية، لم يروا أي اختلاف بينه وبين حديد”, وقد أوضحنا أسباب ذلك سواء لجهة غموض تلك المصطلحات وصعوبة استنباط أوجه التماثل بين ظروف تكوين تلك المفردات ومدلولاتها التاريخية وبين الظروف الحالية كما أوضحنا، أو لجهة التنوع وتعدد المشارب والمصادر الثقافية والفكرية والتربوية لحركة الإحياء الإسلامي في مرحلة البعث والتي رأينا كيف تضافرت فيها جهود عديدة ومختلفة ولم تقتصر على مؤلفات الشيخ سعيد حوى أو جهود الإخوان المسلمين وثقافتهم.

Social Links: