لماذا لا يكون المسؤول مسؤولاً?!
طائر الفينيق
المسؤولية العامّة في أي بلد تقع على عاتق أشخاص يتمتعون بالتميّز و الكفاءات التي لا تتواجد لدى غالبية الشرائح المجتمعية الأخرى وعامة الناس. هذه الكفاءات وهذا التميّز هما خاصيتان لا تكتملان إلاّ بجملة من المناقب الشخصية التي يجب أن يتمتع بها هذا الشخص أو ذاك. كالذكاء، الصدق، المهارات والخبرة، والحس العالي بالمسؤولية تجاه نفسه والآخرين، و مراكمة الخبرات المهنية و العلمية و الثقافية في مجالات عدّة. وكذلك القدرة على رسم الاستراتيجيات البعيدة ووضع الخطط وما سوى ذلك.
تلتقي هذه الصفات جميعها لتنصهر بحس عالي بالمسؤولية الوطنية العليا، فيسخّر هذا الشخص المتميز قدراته وخبراته وطاقاته التي راكمها في خدمة الصالح العام الوطني. يتحتّم على ذلك أن يكون هذا الانتماء الوطني هو الولاء الأول والأخير، و بعد ذلك تأتي جميع الولاءات الأخرى وبدرجة أقل بكثير من ولاء الوطن الذي يجب أن يكون ذو طابع من القدسية لا مساومة عليها..!
عندما يقوم مجموعة من القيّمين على القرار السيادي والحكومي و التنفيذي باختيار هذا المسؤول أو ذاك بناءً على حسابات سياسية أو على حسابات حزبية ومناطقية ودينية، أو حتى تمثيلات اجتماعية محددة بعينها، وكذا بالنسبة لمقاييس الولاء السياسي الذي غالباً ما يكون ضمن الدائرة الحزبية الضيّقة، في هكذا خيارات تسقط جميع المؤهلات والكفاءات المطلوبة ومناقبية الأشخاص وتميّزهم، والعوامل التي تؤهلهم لتبوأ هذا المنصب أو ذاك. وهنا تكون الطامة الكبرى ..!!
ففي معادلات كهذه، تنتفي جميع الصفات التي من المفروض أن تجعل من هذا المسؤول أوذاك الشخص المناسب للمكان المناسب. حيّثُ يكون ( وهذا الأخطر في الأمر) حيثُ يكون الولاء الأول والأخير للأشخاص أنفسهم الذين أتوا بهذا المسؤول، أو للدائرة الحزبية الضيّقة، أو للحسابات التي شكلّت معادلة الاختيار . و إذا كان من يرّشح هذا الاسم أو ذاك هو نفسه قد جاء بطريقة مماثلة، فابالتالي هو أيضاً يكون قد وصل إلى موقعه بنفس المعادلة و حسابات الاختيار نفسها، ولن يكون متمتعاً بالمناقب الشخصية التي تميّز عادةً الرجالات ذات الحس العالي بالمسؤولية الوطنية والكفاءات العالية العلمية منها والمهنية. و إن توفر هذا الحس الوطني، نصطدم عادةً بنقص الخبرات والمؤهلات والكفاءات التي لا يتمتع بها هذا الشخص. فيكون شخصاً عادياً غالباً لا يتمتع بأي تميّز أو استثناء علمي أو عقلي فارق عن عامّة المجتمع. وهكذا مسؤول لن يستطيع أيضاً أن يقدّم شيئاً استثنائياً مبنياً على قاعدة القول؛ ” فاقد الشئ لا يعطيه”.
فلطالما سمعنا عن وزراء تسلّموا وزارات وماكانو يصلون بأحلامهم إلى استلام إدارة مدرسة ابتدائية، ولا يتمتّعون بأي صفات غير عادية، ومستواهم العلمي والثقافي أقل بكثير من أشخاص رؤوساء أقسام في وزاراتهم أو حتى موظفين عاديين. طبعاً هكذا وزير لن يأتي إلاّ بمدراء يشبهونه في كلّ شيء، مبيناًّ على قاعدة ومبدأ كوني ثابت يقول؛ “الأشياء المتشابهة تتجاذب”، وعدا عن ذلك فإن معادلة الاختيارات نفسها التي أتت بوزير مثلاً، أو مدير عام، ستطبّق دائماًّ من الدائرة الأعلى إلى الدائرة الأدنى. وهنا تتماهى المصالح الشخصية بالمصلحة العامة والوطنية العليا ليكون الولاء و السعي وآليات الأداء الوظيفي، تتجه إلى إرضاء الجهة التي أتت بهذا المسؤول سواء كانت شخصية أو مؤسساتية تتبع حزباً سياسياً أو جهات إدارية عامّة.
ضمن هذه المعادلات الصعبة لا يكون المسؤول مسؤولاً لا وطنياً ولا وظيفياً لأنه يقوم بتأدية دور وظيفي لا يتعدّى القيام بالواجبات الإدارية و البروتوكولية والتعيينات وغيرها من مهام لا تحمل بين طياتها أي احساس بالمسؤولية الوطنية العالية أو حس الإبداع الوظيفي والخلق في العمل أو الانجازات المتميزة. لذلك لا نجد تغيير يُلحظ في المؤسسات والإدارات العامة ولا تطور يحمل حداثة أو نقلة نوعية برغم تعاقب مدراء كثر في هذه الإدارة أو تلك أو هذه الوزارة أو تلك. وتبقى المعايير التي تحكم الترشيحات والتعيينات هي نفسها معايير المسيرة الوظيفية التي يسير عليها المسؤول.
ضمن هذه المعايير نجد تراكم الأخطاء الوظيفية والخروقات الإدارية والقانونية فاعلة في كل الإدارات، وإذا ما اجتمع مع كل ما ذُكر عامل آخر مدّمر، ألا وهو؛ الفساد، هنا تكون الكارثة الكبرى و النهج الذي يُدمّر الوطن تدميراً ممنهجاً وبطيئاً. سيّما حين يتحول إلى ثقافة عامة تنتشر كما النار في الهشيم في مفاصل الدولة والمجتمع و تُصبح العنوان الأوحد لأهداف الموقع الإداري والوظيفي. حيث يكون جمع الثروات واستباحة المال العام و تسيير مصالح المقربّين والموالين والمحسوبيات هي الأهداف التي تحكم المسيرة الوظيفية للمسؤول . وبالتأكيد ضمن هذه الأهداف لن يكون هناك مكاناً للأهداف الوطنية العليا والسامية..!!
Social Links: