بريطانيا، أوروبا، و”الفاشية الناعمة” –  صبحي حديدي

بريطانيا، أوروبا، و”الفاشية الناعمة” – صبحي حديدي

للمرء أن يدع جانباً مطحنة السجالات، البريطانية ــ البريطانية أو البريطانية ــ الأوروبية، حول حاضر الـ”بريكزت” ومستقبله القريب، إنْ وقع الطلاق بالفعل؛ وأن يذهب إلى قليل من الإحصائيات الاجتماعية والاقتصادية الرهيبة حقاً، والتي لا تنأى بأيّ حال عن مضامين المطحنة إياها. يقول رقم أوّل إنّ عدد البريطانيين الذين يعيشون في وضعية الفقر، طبقاً لمفهوم الفقر في المعدّل الرسمي المعتمد لدى الأمم المتحدة، يبلغ 14 مليون مواطن، يتوزعون هكذا: 8,4 مليون راشد في سنّ العمل، و4,5 مليون طفل، و1,4 مليون معتاش على المساعدات؛ وقرابة نصف هؤلاء يعيشون ضمن عائلات تضمّ فرداً واحداً معاقاً على الأقلّ. رقم ثانٍ يقول إنّ العام 2020 في بريطانيا سوف يشهد تخفيضات في المساعدات الاجتماعية، الإجمالية والمتعددة، وفي برامج الضمان الاجتماعي، تبلغ 36 مليار دولار سنوياً، أو ما يعادل 900 دولار سنوياً بالنسبة إلى كلّ شخص يبلغ سنّ العمل.

والأرجح أنّ عدداً، ليس بالقليل، من الذين صوّتوا لصالح الـ”بريكزت” في استفتاء حزيران (يونيو) 2016، يعضون اليوم على النواجذ ندماً؛ حتى قبل أن يتسنى لأيّ منهم أن يتفحص معطيات إحصائية مفزعة من طراز ما ذُكر أعلاه. وأمّا نفر المتشبثين بإيمان سابق قادهم إلى التصويت ضدّ الخروج، فإنّ أضغاث الأحلام وحدها هي التي تدفعهم إلى الأمل الخادع في أنّ استفتاء ثانياً سوف يعيد عجلة التاريخ إلى الوراء؛ أو أنّ تصويت البرلمان البريطاني، يوم 11 كانون الأول (ديسمبر) المقبل، سوف لن يكتمل، أو سيسفر عن نتيجة سلبية تعطّل آلية الخروج وتُسقط صفقة رئيسة الوزراء تيريزا ماي مع الاتحاد الأوروبي. وفي غضون ذلك، تتواصل الحرب الأهلية داخل صفوف المحافظين، ليس بين متحمس للخروج ورافض له فقط، بل بين رئيسة الوزراء والمتربصين لها من الطامعين في رئاسة الحزب ورئاسة الحكومة. ولا يزيد في البُعد المأساوي لهذا التصارع إلا شطر المهزلة فيه، حين يتضح أنّ متصدّرَي المنافسة هما الثنائي بول جونسون (المنتقل من فشل عمدة لندن، إلى إدقاع وزارة الخارجية، وصولاً إلى طلاق عائلي مؤخراً!)؛ وجيكوب ريز ــ موغ (المحافظ العتيد، الجدير بلقب “النائب عن القرن الثامن عشر”، والذي تردد أنّ أوّل قراراته بعد التصويت على الخروج كان نقل أموال العائلة إلى إرلندا، أي إلى… الاتحاد الأوروبي!).

وليس جديداً، بالطبع، التذكير بهوية الرابح الأوّل من خروج بريطانيا، أي المكاتب الأشدّ بيروقراطية ونيو ــ ليبرالية داخل هيكلية الاتحاد الأوروبي، والشركات العملاقة العابرة للقارات، وفلاسفة تعزيز انفصال الاتحاد عن مشكلات الحياة اليومية التي يعيشها المواطن الأوروبي. وما دام مشروع الدستور الأوروبي الموحّد قد قُبر إلى الأبد نتيجة التصويت الشعبي الفرنسي لسنة 2005، فرُبّ ضارّة نافعة في ناظر بيروقراطيي بروكسيل وغلاة المدافعين عن أوروبا طليقة معولَمة غير مقيّدة بدستور موحّد معقد؛ إذْ تمّ استبدال الدستور بمعاهدة لشبونة 2007، التي استبدلت جميع الاتفاقيات السابقة الخاصة بولادة فكرة الإتحاد الأوروبي، روما 1957 وماستريخت 1992 تحديداً. الأهمّ، والأخطر في الواقع، هو أنّ لشبونة ألغت مبدأ استفتاء الشعوب الأوروبية حول شؤون شتى، اجتماعية واقتصادية وسياسية مصيرية، تخصّ حاضرها ومستقبلها؛ وذلك عن طريق إلغاء الدستور الموحّد الذي يخضع للإقرار الشعبي المباشر، وليس المصادقة البسيطة في البرلمانات أو الحكومات.

وفي معظم الديمقراطيات الغربية ثمة تلك السياقات الخاصة التي تمنح البرلمانات حقّ “الانقلاب” على إرادة الشعوب، بصفة شرعية تماماً لأنّ المنفّذين منتخبون شرعياً؛ ولم يبالغ أولئك الذين أطلقوا على تلك الانقلابات صفة “الفاشية الناعمة”. ولعلّ الأشهر المقبلة، خلال الفترة الانتقالية تحديداً، تثبت أنّ بريطانيا حبلى بأكثر من وليد انقلابي يحمل تلك الصفة.

  • Social Links:

Leave a Reply