الأبعاد الطبقية في احتجاجات الستر الصفراء الفرنسية
رغم أن المظاهرات والإضرابات حالة متكررة باستمرار في فرنسا وتعتبر جزء من التقاليد السياسية فيها ؛ إلا أن احتجاجات الستر الصفراء الأخيرة حظيت باهتمام إعلامي واسع لأسباب عدة :
_ الأول : أنها حركة مطلبية اجتماعية غير سياسية ؛ حيث ظهر منذ البداية نأي الأحزاب السياسية والنقابات العمالية عن أي مشاركة فيها ؛ بينما اكتفى سياسيون ونقابيون بإبداء أراء ومواقف تدعم الحراك من موقعهم في معارضة الرئيس ماكرون بالدرجة الأولى .
_ الثاني : الأساليب غير التقليدية في تأسيس الحركة وعملها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي ؛ ولم يظهر قيادة للحركة بداية وتم تعيين عدد من الناطقين باسمها فيما بعد ؛ وشكل غموض الحركة قوة لها بقدر ما أثار الريبة في حقيقة دوافعها ومن يقف وراءها ؛ لكنها تمتعت بمرونة واسعة في نشاطاتها وإقامة تجمعات متحركة من خلال توجيه المشاركين عبر وسائل التواصل لكسر حصار الشرطة واقتحام جادة الشانزيلزيه .
_ الثالث : اللجوء لأساليب العنف والعصيان المدني وإغلاق الطرق العامة أمام الحركة ووسائل النقل ومحاصرة مباني عامة وهو ما أثر بشكل مباشر على الحركة التجارية والسياحية بشكل كبير ؛ لكن قيام بعض المحتجين بأعمال سرقة وتخريب واسعة في العاصمة باريس أدى لتشويه صورة الحركة وخاصة مع تشويه قوس النصر الرمز الفرنسي الشهير وهو ما أدى لتناقص مستمر في أعداد المشاركين مباشرة في الاحتجاجات مع بقاء زخم التأييد الشعبي لها .
أيدت مارين لوبين زعيمة التجمع الوطني اليميني المتطرف الحراك في وقت مبكر وتلاقى معها بشكل غريب جان لوك ميلنشون من أقصى اليسار في نفس الموقف ؛ وأدى لطرح تساؤلات إيديولوجية عن استغلال اليمين المتطرف لمطالب اجتماعية شعبية لغايات سياسية بينما وقع اليسار في الفخ وكان عليه الابتعاد عن التشارك والتواجد معه في نفس الساحات والمطالب ؛ وهذا ما فعله الحزب الاشتراكي وباقي أطياف اليسار والنقابات العمالية .
جاءت احتجاجات الستر الصفراء التي تدخل أسبوعها الثالث على خلفية خطط الرئيس ماكرون الإصلاحية التي أدت لفرض ضرائب وإجراء تخفيضات في برامج الرعاية الاجتماعية والصحية ورواتب المتقاعدين ؛ ونجم عن ذلك موجة واسعة من الغلاء والتضخم وارتفاع الأسعار ؛ ثم جاءت نية الحكومة رفع أسعار المشتقات النفطية بزيادة ضريبة الكربون عليها لتمثل القشة التي قصمت ظهر البعير ولم يعد الفرنسيون يحتملون التراجع المستمر في قدرتهم الشرائية .
يطلق الفرنسيون لقب رئيس الأغنياء على الرئيس الشاب ماكرون في غمز واضح لعمله البنكي السابق ودور كارتل المصارف في إيصاله للسلطة قبل ظهوره المفاجئ في الساحة السياسية الفرنسية ومن ثم اكتساحه الأحزاب التقليدية الفرنسية من يمين ويسار من خلال حزبه الناشئ ؛ ولذلك يتهم ماكرون بمحاباة رجال المصارف والأعمال في سياساته الاقتصادية على حساب الطبقات الوسطى التي تضم غالبية الفرنسيين الذين يرون أن سياسات ماكرون تساهم في تقلصها بشكل مستمر.
تعاني فرنسا كغيرها من الدول الأوروبية والغربية من أزمات اقتصادية متكررة ناتجة عن طبيعة الأنظمة الرأسمالية التي تعتمد على الضرائب بشكل رئيسي في تغذية موارد الدولة والإنفاق العام على الخدمات وبرامج الرعاية الصحية والاجتماعية ؛ وتسعى تلك الأنظمة لاحتواء الطبقات الاجتماعية وامتصاصها من خلال الحفاظ على مستوى معيشة يضمن بقاء طبقات وسطى تتمتع بمستوى مقبول من الخدمات والرعاية ؛ لكن فرض ضرائب إضافية بشكل مستمر يقوض من تلك الجهود مع توسع مظاهر الفقر في المجتمع وتجاوز معدلات البطالة 9% .
يشهد اليسار الفرنسي تراجعا” كبيرا” على خلفية الانقسامات الحادة التي طالت صفوف الحزب الاشتراكي عقب الهزيمة الساحقة التي تعرض لها في الانتخابات الرئاسية الأخيرة ؛ لكنه يمتلك فرصة سانحة للعودة بقوة من جديد على خلفية الأزمات الاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة ؛ وهو مطالب بتقديم برامج اجتماعية يستطيع بها اكتساب ثقة الفرنسيين من جديد والتعويض عن فشل الرئيس الاشتراكي السابق فرانسوا هولاند ؛ لكن ما يضر بصورة اليسار بشكل كبير براغماتية ميلنشون الذي أدت اصطفافاته السياسية لتحويل الحراك من اجتماعي إلى سياسي معارض مما يضعفه جماهيريا” .
صحيح أن حركة الستر الصفراء هي معركة الطبقة الوسطى بالدرجة الأولى لكن الطابع السياسي يبقى موجودا” ولا يمكن استبعاده في انتظار تبلور نتائجه .

Social Links: