درعا.. هل بدأت حرب التحرير الشعبية؟
أحمد مظهر سعدو
تتصاعد وتتوالى عمليات فدائية هجومية في محافظة درعا، ضد أهداف للنظام السوري والميليشيات الطائفية المواكبة له، ومن ثم تستمر عمليات المداهمة والاعتقال من قبل النظام في غير مكان من محافظة درعا. وهناك من يعتقد اليوم أن حرب المقاومة أو التحرير الشعبية في درعا قد بدأت، وأنها باتت بمنزلة حرب حقيقية، ومن الممكن أن يُعوّل عليها مستقبلًا.
العميد إبراهيم الجباوي يقول لـ (جيرون): “نعم، المقاومة الشعبية قد بدأت، وحرب شعبية سوف تعم كافة المدن والبلدات السورية في القريب العاجل، وذلك من أجل استمرار الثورة التي قد أُنهيت عسكريًا بفعل الطيران الروسي الهمجي، الذي مارس كل إرهاب الدولة المنظم عليها وعلى المدن والبلدات، بما فيها السكان الذين قضوا تحت الأنقاض. هذه المقاومة الشعبية التي ظهرت، في أكثر من مكان بمحافظة درعا، يمكن أن نعتبرها مجموعة من الشبان وعلى رأسهم ضباط منشقون رفضوا الاستسلام والخنوع، ورفضوا تلك التسويات المزعومة التي لا تغني ولا تستر، هذه المقاومة الشعبية هي صفوة الثورة، إذا ما صح التعبير، لأنهم حتى اللحظة لم ينتجوا خط التطرف ولا بأي شكل من الأشكال، وهدفهم واضح وصريح وهو دحر الاستبداد والاستعمار والاحتلال بنفس الوقت”.
ثم أكد أنهم “مجموعة من الشبان آمنوا بالوطن وآمنوا بضرورة استمرارية الثورة، بعد الخذلان الذي لقيه الشعب في مناطق التسويات، من مداهمات واعتقالات وتنكيل وتشبيح وتعفيش في كل مكان يدخلونه، والدليل على أنها مقاومة بتوجه معتدل أنها ليس لها من هدف سوى طرد الاستعمار، وذلك من خلال استهدافهم لشخوص النظام ورموزه الأمنيين الذين عاثوا فسادًا في المناطق التي وقعت تسويات، حيث تمت الاعتقالات، كما نكّلوا بالناس والمنازل والبيوت وعفشوا المكنوزات في تلك البيوت، لا سيّما منها خفيف الوزن وغالي الثمن كالذهب وغير ذلك أثناء المداهمات”. ثم نبّه إلى أن الثوار في درعا “يعوّلون على هذه المقاومة الشعبية ويؤيدونها ويدعمونها معنويًا، وكنا نتمنى أن نتمكن من دعمها لوجستيًا، ونحن نعرف كيف يؤمنون أنفسهم لوجستيًا، وبالتالي حتى اللحظة هم مجهولو الهوية، ولكنهم سوف يظهرون للعلن مستقبلًا، ليُظهروا للعالم أنهم أصحاب حق ويطالبون بحقوق الوطن الذي سلب منهم كل شيء حتى القرار، سلب ممن يدعون قيادة هذا الوطن، ونبارك هذه المقاومة الشعبية، ونعتبرها حياض الثورة حتى تتحقق أهدافها، ويتحقق للشعب السوري الحرية والكرامة والانتقال إلى الدولة المدنية التعددية ذات القانون الذي يفرض على الجميع بسواسية دون تمييز”.
الكاتب السوري محمد خليفة أكد أيضًا أن “مظاهر الرفض الشعبي لعودة السلطة الأسدية الغاشمة إلى درعا عادت للبروز، وأشكالها تتعدد وتتصاعد من الكتابة على الجدران، إلى العمليات المسلحة ضد قواته وأجهزته وميليشياته الأجنبية. ولكن لا يجب أن يفاجئنا هذا التطور أو يدهشنا، فهو طبيعي ويتسق مع تجربة درعا ودورها الطليعي في الثورة السورية، والعكس هو الصحيح، فلو أن السلطة عادت ولم تجد هذا الرفض، لكان الأمر شاذًا، لأن درعا هي التي أطلقت شرارة الثورة عام 2011، وهدمت جدار الخوف وشقت، بحناجر أبنائها وبنادق رجالها ونسائها، الطريقَ أمام المحافظات الأخرى، لتلتحق بالثورة. ولا ينبغي أن ننسى أن هذه الثورة العظيمة بدأت بكتابة شعار (الشعب يريد إسقاط النظام) بطباشير تلاميذ درعا الصغار على جدرانها، وقدمت درعا نماذج من الأبطال والثوار يمكن مقارنتهم بأعظم نماذج البطولة والثوار في العالم أو التاريخ، رجالًا ونساء وأطفالًا. ولأن ما حدث عام 2011 في درعا وعموم سورية كان موضوعيًا وحتميًا، له جذوره العميقة وعوامله الطبيعية والتاريخية، فإن تجدده اليوم يؤكد موضوعية ومنطقية ما جرى ويجري أمس واليوم، ما دام النظام التوتاليتاري مستمرًا، وعاد ليحكم بدعم وإرادة روسيا وإيران”.
ولفت خليفة النظر إلى أن “عمليات المقاومة لا تقتصر على درعا، فقد ظهرت عمليات مقاومة في حلب وحمص وإدلب واللاذقية وريف دمشق. وهي في المحصلة تعني أن ثورة الشعب السوري تتواصل وتتغير أساليبها وأدواتها وأشكالها، حسب الظروف التي تحكم البلاد وتحكم شعبنا بعد التوغل الروسي والتغول الفارسي وموازين القوى المحلية والإقليمية”.
ثم أردف قائلًا: “أرى كمراقب يرصد ويحلل المؤشرات الواقعية أن خيار الشعب السوري في المرحلة المقبلة هو التحول من القتال بأسلوب الحرب النظامية إلى المقاومة الثورية وحرب العصابات أو الحرب الشعبية في المدن والأرياف، وهو خيار مناسب لمواجهة قوى الاحتلال الأجنبية وقوات العصابة الإرهابية الحاكمة نتيجة اختلال موازين القوى. وأنا أؤكد لكم أن هناك فصائل عديدة تحولت إلى الأسلوب الجديد، وبدأت عمليات مقاومة ثورية في العديد من المواقع ضد الروس والايرانيين، ناهيكم عن قوات الأسد. وكثير من هذه العمليات يتمّ ويبقى سريًا ولا يُعلن عنه، لأسباب أمنية فقط. وأعتقد جازمًا أن الشعب السوري لن يتراجع عن مطالبه وعن حقوقه، ولن يسمح للعصابة أن تستعيد استقرارها على جماجم مليون شهيد، وطي صفحة الجرائم التي ارتكبتها طوال ثماني سنوات، بل إن الظروف اليوم أكثر تحفيزًا على المقاومة، لأن العصابة التي بدا لها أنها انتصرت لا تملك رؤية مستقبلية لمعالجة أسباب الثورة، ولا يحركها سوى الحقد والرغبة في الانتقام، وهذا ما يدفع السوريين إلى المقاومة والقتال. كما أن استعانته بالفرس والروس والميليشيات الطائفية يعمق أزمته ولا يحميه، بل يعزز رفض السوريين له ولهم، ويعزز مقاومته ومقاومة من استنجد بهم وسلّم لهم البلاد ليبقى في السلطة، ولكنه في الواقع خسر سلطته وسيادته، وصار دمية بأيديهم! نحن نرى بناء على نملكه من معلومات أن عوامل المقاومة والرفض تتزايد، سواء مع الأسد، أو حماته، وهي تدخل مرحلة الصراع الشامل الذي لا تجدي معه حلول تسووية، ومساومات عقيمة كالتي تطبخ في آستانا وسوتشي وجنيف! إن شعبنا يزداد اقتناعًا بأن الصراع مع المحتلين والخونة لا يقبل سوى المقاومة الثورية الجذرية حتى التحرير الناجز”.
أما الباحث أحمد الحمادي، وهو أستاذ جامعي من درعا، فقال: “بعد الانتكاسة العسكرية التي تعرضت لها الثورة، وأدت إلى سيطرة النظام على مساحات شاسعة كانت تحت سيطرة الثورة في الغوطة الغربية والشرقية وحمص ودرعا والقنيطرة وأحياء دمشق الجنوبية، وقضمها نتيجة لعدة عوامل منها استخدام سياسة الأرض المحروقة بدعم ناري جوي همجي من قبل الروس وبري من قبل الميليشيات الإيرانية والمرتبطة معها من (حزب الله) اللبناني وميليشيات عراقية وإيرانية وأفغانية تابعة للحرس الثوري الإيراني، وظهور تواطؤ من قيادات الصف الأول والثاني للفصائل الثورية التي عرفت بتسمية (الضفادع) الذين كانوا مزروعين من قبل النظام القاتل المجرم في صفوف الثورة، لذا كان لا بد من انتهاج أسلوب جديد يكون فعالًا في تحقيق أهداف الثورة؛ فانطلقت المقاومة الشعبية في محافظة درعا ونفذت، وما زالت تنفذ، العديد من العمليات العسكرية ضد قوى النظام القاتل المجرم و(حزب الله) والميليشيات الإيرانية. ومما تجدر الإشارة إليه في ظل الظروف تمر بها الثورة أن أنجع وسيلة للاستمرار في الثورة ومتابعة المسار لتحقيق أهدافها هو الحرب الشعبية، ومن خلال المقاومة الشعبية التي يمارسها أبناء الشعب السوري ضد النظام القاتل المجرم، ومن خلال تحديد أهدافها بدقة متناهية، وتنفيذ العمل العسكري الثوري الموضعي ضد الهدف بالانقضاض عليه وتدميره والانسحاب إلى حيث المكان الآمن والذوبان في الحاضنة الشعبية الثورية، من دون معرفة من هو المنفذ والفاعل للعمل الثوري، وفق قاعدة (اضرب واهرب واختبئ). مما يتيح استنزاف قوى النظام والميليشيات الداعمة له شيئًا فشيئًا إلى المرحلة التي ستتحقق من المقاومة الشعبية، مرحلة الانقلاب الاستراتيجي في الصراع، مرحلة تحقيق الرجحان العسكري الثوري الذي يمكنها من تحقيق الحسم النهائي للصراع لصالح الثورة”.
ثم قال الحمادي: “المقاومة الشعبية انطلقت في بعض مناطق درعا بمجموعة من الثوار الذين عاهدوا الله والشعب والثورة وأنفسهم، أن لا يدخروا جهدًا حتى تحقيق أهداف الثورة، ثم بدأت تتوسع شيئًا فشيئًا لتغطي محافظة درعا ومن ثم القنيطرة، وأصبح لها خلاياها الثورية في العاصمة دمشق وريفها. ولقد حددت المقاومة الشعبية أهدافها في البيان الذي أصدرته بقولها: (الثأر للشهداء ومقاومة نظام الأسد حتى إسقاطه) وهنا لا بد لنا من الحديث عمن حددتهم المقاومة الشعبية أعداء لها، إلى جانب النظام القاتل المجرم في بيانها الذي جاء فيه: (كلنا نعلم أنه في سبيل القضاء على هذا النظام المجرم لا بد من القضاء على أذنابه في المنطقة، فلن نكرر خطأ الفصائل السابقة في هذا الشأن) وحذرت كل من يتعاون مع النظام و الميليشيات الإيرانية بالعواقب الوخيمة التي ستطالهم، ولقد خاطبت هؤلاء بقولها: (إننا نراقب عن كثب كلّ من ينسلخ عن قيمنا وعن ثورتنا المباركة ليضعوا أيديهم بيد هذا النظام المجرم وأعوانه من ميليشيات إيران، لينشروا فكرهم الفاسد ومعتقداتهم البالية) وأيضًا اعتبرت المقاومة كل شخص يروج للمفاوضات وينخرط فيها ويحقق مصالح النظام بأنه خائن. وبذلك تقوم المقاومة الشعبية بأهم أمر ثوري، وهو معرفة من مع الثورة ومن ضدها، من خلال الفرز الثوري الذي يحدده موقف هؤلاء الواضح والصريح من الثورة. وهو للأسف خطأ جسيم كانت الفصائل الثورية قد وصفت فيه بأنها لم تحدد العدو من الصديق، لذا وضعت المقياس الثوري الصائب بقولها: (كل شخص يروج لسياسة المفاوضات مع نظام الأسد وتحقيق مصالحه هو شخص خائن لبلاده ومجتمعه، وسوف تتم محاسبته عاجلًا غير آجل، من دون أي استثناء”.
ثم نبّه الحمادي إلى أن المقاومة “حددت هدفها التكتيكي، بأنها تسعى حاليًا لـ (ردع قوات الأسد والميليشيات الموالية لها في ظل استمرارها بالاعتقالات والانتهاكات بحق مناطق الجنوب السوري) ومع تصاعد العمليات المباغتة التي تقوم بها المقاومة الشعبية ضد قوات النظام القاتل المجرم والميليشيات الداعمة له؛ نستطيع القول: إن المقاومة الشعبية قد ابتدأت وانطلقت وحققت العديد من الأهداف الثورية لها في محافظة درعا، وهي في طور التنامي والتوسع أفقيًا وعموديًا، ولها تأييد شعبي كبير من قبل الحاضنة الشعبية الثورية، وستتصاعد في الأيام المقبلة لتشمل حوران ودمشق، وربما (وهذا ما نتمناه) ستطال كل الأراضي السورية التي نعوّل عليها كثيرًا لتحقيق أهداف شعبنا وإسقاط النظام القاتل المجرم. المقاومة الشعبية الثورية انطلقت، وهدف مسارها التطوري الوصولُ إلى مرحلة تحقيق الحسم الثوري وتحقيق النصر المؤزر، وتمكين شعبنا السوري بمكوناته المختلفة من بناء دولته المدنية الديمقراطية، وتحقيق تطلعاته في الحرية والمساواة والكرامة واحترام حقوق الإنسان” .Bottom of Form“.

Social Links: