لم تكد تمضي ساعات على تصريح الوزير التركي مولود جاويش أوغلو، بأنه في حال فوز الأسد “بانتخابات ديمقراطية”؛ فإنهم سيفكرون في “العمل معه”؛ حتى كانت طائرة الرئيس السوداني تحط في مطار دمشق، في زيارة هي الأولى لرئيس نظام عربي منذ اندلاع الثورة السورية، وقبل هذه الإشارات كان بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الصهيوني يتفاخر بأن بلاده على وشك تطبيع علاقاتها مع دولة أفريقية، وقد رشحت بعض الدوائر الإسرائيلية أن تكون الخرطوم هي وجهة نتنياهو المقبلة.
أيًا تكن خلفيات التصريح التركي، وسياقه الذي يحاول البعض تبريره وتسويقه مع خطوة عمر البشير التطبيعية مع نظام الأسد؛ فإن ذلك يثبت -بما لا يدع مجالًا للشك- أن الحلف الذي يساند السوريين منذ سبعة أعوام هو حلف المصلحة غير المرتبطة بتضحيات الشعب السوري. الأكيد أيضًا أن إعادة تسويق الأسد على الساحة الإقليمية، حسب ما هو مرشح، تفرض على النظام الرسمي العربي إعادة العلاقة معه، ليكون جسر التسويق الإقليمي تحصيل حاصل، خصوصًا بعد الحديث عن بعض “الانفراجات” المتعلقة باللجنة الدستورية التي أصبحت كملهاة تخفي خلفها ما نشهده من تطورات.
هل يمكن أن يكون في سورية انتخابات ديمقراطية؟ ممكن، وهذا يعني أن هناك قضاءً محايدًا وسلطة منتخبة تفرض تحقيق العدالة لملايين السوريين، والبديهي في هذا المناخ أن يكون الأسد خلف القضبان، لا أن يقدّم أوراق انتخابه للرئاسة.
بالعودة لخطوة عمر البشير التطبيعية، وهي ضمن سياق تفاهم إقليمي على كسر الحاجز النفسي لتسويق مجرم وقاتل السوريين؛ يظهر أن التربيت على كتف الأسد والشد على أيدي سفاحٍ أزهق حياة ملايين السوريين، هو استثمار في مجرم يريده المجتمع الدولي أن يكون رابحًا في المنطقة، لتشجيع استثمارات مماثلة، تحديدًا مع أنظمة واضحة، وهي تضع نفسها في موقع المستعد لممارسة الضغوط على الشعب السوري، بعد استكمال الأسد لجرائمه.
الخطوة السودانية ستتبعها هرولة عربية تشكل الحلف الأساس المناهض للثورة السورية وتطلعات الشعب السوري، وهنا تقفز فرضية أساسية، عند محاولتنا فهم ما يجري خلف خطوة التطبيع مع الأسد، والإشارات التركية بالعمل مع الأسد، إذا فاز “بشكل ديمقراطي”، وكأن الرهان على ولادة ديمقراطية واستمرارها والاستثمار فيها تحت رعاية الأسد، بعد كل هذا الدمار والمذابح والجرائم، يمكن أن تؤدي إلى تطبيع العلاقات مجددًا معه، إذا اقتضت المصلحة والتوافق على ذلك.
خط البداية دومًا يقف هناك، عند الوظيفة في مسارها الأسدي المتحالفة مع وظائف النظام الرسمي المطبع سرًا وعلانية مع الطاغية في دمشق، والذي تمكن من تحقيق اختراقات عميقة لواقع الحال السوري. لن تكون خطوة البشير سوى تبشير للسوريين بأن المجرم يمكن التعامل معه وعناقه، ويمكن تكرار تلك اللغة المتهالكة: إن “سورية دولة مواجهة، وإضعافها يشكل إضعافًا لجميع الدول العربية”، معتبرًا أن الأزمات التي تمر بها الدول العربية تحتاج إلى “مقاربات جديدة”، تستند إلى “احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية”.
السيد عمر البشير يتحدث عن مقاربة جديدة، على غرار مقاربته مع الولايات المتحدة والغرب و”إسرائيل”، مقابل السكوت عن جرائمه، وعدم التدخل في شؤونه، فكل زعيم يفعل ما يشاء برعيته، من دون أن يلتفت إليه أحد. يعرف السوريون جيدًا لماذا تبرّم العالم كله من ثورتهم ومعاناتهم، وأن الركض المحموم نحو السفاح ليس خضوعًا له بل لمشغليه ولوظيفته المشابهة لوظائف كثيرة في المنطقة، تحت وطأة انعدام الخيارات الأخرى.
لم يعد في المشهد السوري كثيرٌ من الدهشة والانبهار، خصوصًا في لوحة الخذلان والطعنات، إلا للذين ما زالوا يتوهمون بإمكانية الاتكاء على سواعد وجيوب وعقول غير سورية. كل إشارة تُرسل للأسد، مشفوعة بأداة الشرط “إذا”، تدلّ على عدم براءتها، وعلى أنها تنضوي تحت إرسال إشارات الطمأنينة للسفاح وإدامة الفزع في قلوب السوريين.
وإذا سألنا: ما الذي تعنيه خطوة تشكيل لجنة دستورية، في ظل العجز الفاضح عن إيقاف قتل السوريين تحت التعذيب في أقبية النظام، وعن كشف مصير مئات الآلاف المغيّبين، وعن إيقاف براميل وقذائف المجرم المنهالة على رؤوس السوريين؟ فإن لسان حال السوري يقول: إن محاباة المجرم لن تأتي بالحقوق ولا بالكرامة ولا بالحرية، وتلك مفردات ومفاهيم ستبقى عصيّة على مَن يؤمن بمقارباته مع السفاح، وذلك شأن آخر يحتاج إلى قراءة أخرى من عقل المبشرين بالعار. التطبيع مع السفاح لا يقلّ خطرًا عن التطبيع مع المحتل.

Social Links: