ماذا وراء زيارة الرئيس السوداني البشير لسوريا ولقائه بشار الأسد
خالد حربا
لماذا الرئيس السوداني وليس غيره من الحكام العرب ولماذا كان بغطاء روسي ولماذا بهذا التوقيت وما خلفية كل هذا وذاك وهل يقع هذا بباب التكهن السياسي أو التحليل والتأويل
قراءة سياسية تحليلية مبنية على متابعة الأزمات المتنقلة التي تحركها الاستخبارات الدولية للدول العظمى لتحقيق غايات اقتصادية وسياسية وعسكرية
نتعمق فيها لنعرف ما يتوجب علينا فعله كطرف متأثر بشكل كبير ضمن هذا التزاحم بين الأزمات والذي نتجسد به من خلال الثورة السورية المباركة.
بقلم الناشط الثوري الأستاذ خالد حربا أبو معاوية من القصير
بقراءة سريعة لما جرى سابقاً بأفغانستان والعراق وما كان بالأمس القريب في تشاد وما تبعه من ثورات ما سمي بالربيع العربي نستطيع استخلاص ما يلي:
1 إن الدول العظمى تتصادم مصالحها مع بعضها البعض ويتجسد دائماً صراعها بساحات بعيدة عن دولها وشعبها بمعارك أشبه بكسر العظم فيما بينها ولإخضاع الدول التي تكون ساحة لهذا الصراع كما حدث بأفغانستان خلال الهرب الباردة لتفتيت الاتحاد السوفيتي.
2 إن الدول العظمى تتصادم ولكن لا تسمح بتدمير بعضها البعض ولا تسمح بزوال هيبة بعضها البعض فتفتش عن مخرج سياسي لتخفيف تأثير حالة الانهزام التي تقع بها دولة عظمى نتيجة الغوص بمستنقع يصعب الخروج منه فتسارع الدول العظمى لإيجاد مخرج يحفظ ماء وجهها ويكون أحياناً عسكرياً وبالأغلب سياسية بتبادل للمصالح وتقاسم للمغانم كما حدث في العراق لإخراج أمريكا من المستنقع عندما تفردت بقرارها العسكري بعيداً عن مجلس الأمن.
3 إن كافة الأزمات المتنقله يسبقها عمل استخباراتي تقوم به دولة أو عدة دول لتحضير الأرضية الاساسية اللازمة والتي تتظهر بتصعيد إعلامي وفتن داخلي وتخوين وزرع النعرات وقد يرافقها تضييق اقتصادي وحصار عسكري.
ما يهيئ لقرار عسكري سياسي يستمر العمل عليه لتحقيق أكبر عدد من الأهداف المرجوة منه وعندها تبدأ مرحلة قطف الثمار الاقتصادية والسياسية وبهذه المرحلة تطرح كافة الأوراق ويتم تقاسم المغانم وفق ترتيب المنتصرين والخاسرين ودائماً يكون الخاسر الأوحد هم من دفعوا ثمن الازمة قتلاً وتدميراً ويتم صناعة حكومات شكلية لهم تخضع سياسياً واقتصادية وعسكرياً للمخطط الذي اتفق عليه اللاعبين الأساسيين.
4 إن الاستخبارات عندما تضع أهدافها الاستراتيجية تضع أمامها عدة خطط كل منها تحقق مستوى معيناً من الأهداف فبعضها يهدف لتحقيق كل الأهداف وبعضها أغلبه وخطط تضمن الحل البديل الإنقاذي في حال الفشل لتحقيق أكثر عدد من الأهداف والحفاظ على ماء الوجه وكل مخطط يرسم له عدة آليات لتطبيقه فتراهم يطرحون عدة أوراق بآن واحد ويطلقون فقاعات اعلامية كبالون اختبار لمعرفة ردة فعل الطرف الآخر وعندها يتم اختيار الآلية التي تحقق أكثر عدد من الأهداف.
5 إن الاستخبارات العالمية تركز دائماً على الأدوات التي تحتاجها وتجعلها دائما بحالة جهوزية لاستخدامها أو استخدام بعضها وفق الحاجة ويكون العمل على هذه الادوات دائم لا يتأثر بالمتغيرات المحيطة وأحياناً تكون نشطة وغالباً ما تكون خاملة بانتظار الوقت المناسب لاستخدامها
وكمثال على هذا قضية اغتيال الرئيس الحريري وقضية عمر البشير وقضية الأرمن التي يتم الضغط على تركيا من حين لآخر وما نعيشه اليوم من قضية الأكراد بالعراق وتركيا وسوريا.
ويمكن تصنيف هذه الأدوات بعدة أشكال كدعم طبقة الحكام الفاسدة والطاغية والمستبدة وربط مصيرهم بمصالح الدول العظمى كأداة من هذه الأدوات يسهل التعامل معها عند الضرورة وتنمية النعرات الطائفية والعرقية والدينية والإثنية والطبقية وغيرها لإشعالها كلما اقتضت الحاجة وأهم هذه الأدوات هو مانجم عن مسمى الإرهاب الفضفاض والذي لم يعتمد له أي تعريف والذي يعتبر العصا التي يلوحون باستخدامها أحياناً ويستخدمونها أحياناً أخرى فهم الداعمون الاساسيون له إن كان إرهاباً دولياً أو احزاب أو أفراد وجماعات والتي يسهل اختراقها بالمال والكوادر لتوظيفها متى وأين شاؤوا.
كما حدث بأفغانستنان والبوسنة والهرسك والعراق وتشاد واسبانيا والصومال وما يحدث مع زراع إيران الخارجي حزب اللات الذي تحول لأداة متنقلة لإشعال الازمات بالدول العربية.
من خلال ما سبق نستطيع ان نستخلص الهدف من وراء زيارة الرئيس السوداني لرئيس السلطة الحاكمة بسوريا المجرم حافظ الأسد
ويمكن ان نختصرها بما يلي كمجموعة أهداف تختلف تراتبيتها وإمكانية العمل عليها وفق الأولويات التي تحقق استراتيجيتهم ولماذا بدأت خططهم من زيارة البشير هذه كما يلي :
أولاً إن الرئيس السوداني مهدد بالمحكمة الدولية وهو الأضعف سياسياً بين رؤساء وملوك الدول العربية ويتحين الفرصة ليعود للحظيرة الدولية بغطاء دولة عظمى فكانت روسيا والتي بدورها تجد بالسودان مكاناً خصباً لنقل الأحداث إليها وتشكل طوق النجاة لمأزقها في سوريا وتتلاقى بهذا التوجه مع مصالح الدول العظمى التي ترى أن نقل الأزمة للسودان يحقق مصالحها بالتالي تلاقي مصالح بين البشير وروسيا والدول الفاعلة ومنها إيران طبعاً التي ستلعب دوراً بارزاً في أحداث السودان.
ثانياً إرسال رسالة ضغط سياسية واضحة صريحة للمعارضة السورية والمخلصين للثورة السورية وللقاعدة الثورية السورية بشكل عام مفادها أنكم أمام خيار واحد بعد انحسار الخيار العسكري وهو الرضوخ بدون قيد أو شرط لمتطلبات نجاح العملية السياسية التي تفرضها الدول العظمى عليهم وبأن الدعم السياسي الشكلي قد انتهى زمنه وبات الأمر مكشوفاً وهو عودة بشار الأسد للحظيرة العربية علناً
ثالثاً خلق بؤرة صراع جديد يكون فيه الإسلام السنة في مواجهة مع المد الشيعي بأفريقيا ما يبرر إيجاد ساحة جهادية لداعش والنصرة ومن يدور بفلكهم لإطلاق حملة الفتاوى التي تشجع على نقل الجهاد إليها وتسهيل انتقال هؤلاء للسودان وخاصة غير السوريين مما يخفف تأثيرهم بسوريا بالتدريج ويسمح بازياد نفوذ الجيش الحر الذي يعتقدون أنه أكثر تقبلاً للحل السياسي المطروح.
رابعاً إن السودان دولة غنية يجب استنزافها وكبيرة المساحة يتوجب تقسيمها وحدودها مفتوحة تسمح بدخول السلاح والمسلحين مما يضعف الجيش ويضطر البشير للاستعانة بالخارج لتهيئة الظروف لتنفيذ مخططاتهم. وهذا بالتأكيد سيستنزف اقتصاد السعودية ودول الخليج التي ستقف بمواجهة مباشرة مع إيران
خامساً إعطاء الفرصة لإيران بالتدخل مباشرة لنشر التشيع بافريقيا من خلال السودان وجعلها طرفاً في الصراع لدفع السنة لمواجهتها.
سادساً إن السودان قريبة من اليمن مما يبرر التواجد العسكري الدولي وخاصة إسرائيل وامريكا للسيطرة على جنوب البحر الاحمر الذي سيتحول لورقة ضغط اقتصادية على مصر باعتبارها تسيطر على الجانب الآخر للبحر الأحمر.
هذا فيما يتعلق بالسودان وسبب اختيار البشير ليكون الشرارة الأولى وسبب اختيار السودان
والسؤال لماذا هذا التوقيت بالذات وما نتائج ذلك سياسياً على الساحة السورية. وما هي دلالات ذلك.
من خلال التقلبات السياسية والعسكرية بمواقف الدول الفاعلة خلال السنوات الثمان الماضية السابقة والمؤتمرات الأممية وأسيتانا وسوتشي والمواقف الصريحة من عدة دول نستطيع ان نستخلص أن الدول العظمى توافقت على معظم الأوراق التي تحقق مصالحها وأنها تتحضر لإنهاء الملف السوري وبدء مرحلة جني الغنائم.
فتركيا مصالحها ترتبط بضمان السيطرة على المناطق المحازية وقد منحت هذا الحق والروس يهمهم الساحل ووسط سوريا ودمشق وجنوب سوريا لما تحققه هذه المنطقه من مكاسب سياسية واقتصادية وأهم ما في الأمر ان تحفظ ماء وجهها وتصويرها بصورة المنتصر الذي حقق أهدافه وأميركا التي ستطلق يدها في الشمال الشرقي من سوريا لما يشكله من ثقل اقتصادي ويجعلها تظهر أن القرار الأول والأخير وفق مشيئتها.
أما إسرائيل فيبدو أنها مطمئنة للسيطرة الروسية على حدودها وهي تشكل ضمانا لتنفيذ مشاريعها المستقبلية ولم يبق إلا إيران التي قلنا سابقاً أنها ستعطى دوراً بارزا بالملف السوداني مع إعطاء بعض الضمانات السياسية التي تحفظ مصالحها ومصالح حزب اللات بسوريا
من هنا نستطيع القول أن الدول العظمى ستبدأ بتطبيق الحل السياسي في سوريا على مراحل ريثما تنتهي الدورة الرئاسية لبشار الأسد وهنا يصعب التكهن بالمحافظة على بشار أو التخلي عنه بحسب ما تحققه الواجهة السياسية من ضمانات مستقبلية لمصالح الدول ذات الصلة ولا يعني تقاسم النفوذ بسوريا وفق الخارطة السابقة تجاهل مصالح دول أخرى كألمانيا والصين وفرنسا وبريطانية وغيرهم إنما قصدنا السيطرة الميدانية المباشرة.
من خلال ما سبق وفي خضم تسارع وتيرة الأحداث يتوجب علينا كثوريين حقيقيين ونخب وناشطين. أن نغتنم الفرصة التي قد تكون الأخيرة بعد أن اضعنا العديد من الفرص للعودة لدورهم الفاعل المؤثر وفرض وجودهم واسقاط الواجهة العفنة الحالية واختيار قيادة ثورية تحقق للشعب السوري أكبر المكاسب وتعديل المسار وتقديم مشروع وطني يحقق توازنا بين الحد الأقصى من المصلحة الثورية والحد الأدنى من مصالح الدول وفي هذا المجال فإن التفصيل يطول ويحتاج لتضافر جهود كافة الشرفاء والتخلي عن التحزب والخندقة والاقصاء والتغليب والأنانية.
وفقنا الله وإياكم لما فيه خير ديننا ودنيانا
عاشت سوريا دولة حرة موحدة مستقلة والنصر والتمكين لثورتنا المباركة المظفرة

Social Links: