كان قرار انسحاب ترامب من سورية صادما لأغلب المحللين السياسين لانهم طالما اعتبروا تصريح الادارات الامريكية المتعاقبة او تلميحها بأنها لا تملك مصالح كبيرة أومهمة في سوريا ولا يعنيها من مستقبل سورية الا ماهو مرتبط بأمن حلفائها وفي مقدمتهم اسرائيل ، طالما اعتبرت هذه التصريحات قابلة للتأويل الى عكس ما تشيراليه فمصالح اسرئيل في سورية هي الأكبر وأمن الخليج وهو بؤرة المصالح الامريكية لا ينفصل هو ايضا عن أمن سورية ، لكن قرار انسحاب ترامب جاء ليقول ان مقولاتنا كانت صادقة . لقد صدمنا ترامب لأننا بدأنا نميل الى تصديق ما تصرح به الادارة الامريكية .طالما ظننا انها كانت تخادعنا وكنا نتخادع لها ،وها نحن على وشك ان نصدقها ومن هنا جاءت صدمتنا .فهل ستصدق امريكا فعلا هذه المرة ؟
ان كان انسحاب ترامب من سورية حقيقيا وهو ما ستظهره الاشهر القادمة ، فهذا يعني أننا كسورين قد خسرنا معركة كان من الممكن أن نربحها ،وما التشرزم والاستزلام لممولي العسكرة الا خيارا كان من الممكن تخطيه عبر نخب أكثر كفاءة وأكثردراية بتقاطع المصالح الدولية على جغرافيتنا السياسية . وأن ما ألت اليه سورية لم يكن مخططا محكما بدقائق تفاصيله يسهر عليه اديولوجيون بقدرات يصعب استنزافها . فهاهي ذي أمريكا تدلل على براغماتيتها ، فعندما وجدت أن خسائرها في التوفيق بين المتكالبين على نهش سورية أكبر مما ستجنيه قلبت ظهر المجن ،سيما وأن حليفتها الاستراتيجية-اسرائيل قادرة على ردع النفوذ الايراني أو الحد من تداعياته على أمنها ، فلتنفق ايران ما تبقى لديها من التومانات على تحويل ولاءات السورين ،فلن يؤثر على حجم الوظائف في وادي السليكون ان كانوا عمرين أو علوين .اما الروس التواقين منذ بطرس الأصغر للاستحمام بالمياه الدافئة ، فليقضوا شهوتهم مع “ناتاشا “تهم عراة في البحر الحارفلن يعوضهم أحد عما سيخسروه ولو ثمن “مايوه ” يقتطعونه من اعادة الاعمار المزعوم ،قد لايشكل المشهد الايروتيكي للروس في طرطوس اضافة للثقافة الروسية ولكنه قد يسهم في كسر حدة “السلفية “على شواطيء المتوسط .أما مواطنيننا الكرد فخسارتهم اليوم أقل ايلاما من خسارتهم فيما لو طال شهر عسلهم مع الامريكان ،كان طريقهم معبدا كي يكونوا جزءا من ثورة الحرية ، ليثوروا على شوفينية البعث وستالينية ربيبه العمال الكردستاني -الذي صادر الحياة السياسية في مناطقهم برعاية فروع أمن القائد “الخالد” منذ ثمانينات القرن المنصرم ،لقد أصر البعث الكردستاني على أن يصرف مظلوميتهم بعملة ستالينية غير قابلة للصرف في عالم يخطو لما بعد الحداثة ،مفتتحا انجازاته بتصفية الشهيد مشعل تمورحمه الله ، حاشرا الكرد مباشرة و دون فترة سماح في معاناة القمع والتعسف والسحل ، باسم وطن متخيل يجري بناؤه على جماجم الأطفال، لم يكن اخوانهم على الطرف الأخر من الحدود الكنتونية أحسن حالا ولم يكونوا مثالا مغريا ليحتذى بهم فقد واجهوا الانعزالية الكردستانية بتخوين يعود بمعظمه الى شوفينية الحزب الواحد الذي تربوا في شبيبته ،وقد زاد من معاناتهم أنهم اصبحوا شاؤوا أم أبوا استمرارا لصراع لم يحسم بدأه الكردستاني في تركيا وعليهم أن يدفعوا ثمن فشله المزمن في عفرين وقامشلو وكوباني .لقد وجد الأمريكان فيهم ضالتهم-لأسباب يطول شرحها- وكان عليهم أن يقنعوا حلفائهم الاتراك أن الكردستاني السوري لم ولن يكون ابنا شرعيا للكردستاني التركي بل هو في أحسن الاحوال ابن سفاح ولن يكون بارا بوالديه ،الا ان جينالوجيو اردوغان وخاصة بعد تحالفه مع حزب الحركة القومية ،قدموا كل مالديهم من وثائق مؤكدين أن هذا الجنين يعود بنسبه الى معسكر قنديل ولا بد من اجهاضه قبل ان تدب الحياة في أوصاله. فالعرق دساس والمخاطر لا يمكن تحملها .وعلى الطرف الأخر لم يفلح الامريكان باقناع كردستانيي قسد أنهم كيان مستقل لايربطهم بجبل قنديل الا تناقض المصالح ،فبادر الى وضع زعماء قنديل على قائمة المطلوبين لاقترافهم ارهاب موثق ، معتقدا انه أصاب عصفورين بحجر واحد ، فكانت الخطوة جزرة للاتراك وعصا بوجه احلام قسد ،فلم يأكل الاتراك جزرة ترامب ولم ترهب العصى كردستانيي قسد بل بادروا للصق مزيدا من صور أوجلان على صدور جنودهم العرب قبل الكرد ،بعد ان كانت على الدبابات والمدافع التي قدمها لهم الناتو ورايات الاحتفالات فقط .لقد وجد ترامب ان المعركة واقعة لا محال بين حلفائه في قسد وحلفائه في الناتو ولن يستطيع أن يطلب من كردستاني قسد الانسحاب وخوض معركة مبرمجة كما كان الامر في عفرين لان اجتياح الجيش التركي لشرق الفرات سيفقد كردستاني قسد شرعية تواجدهم في الرقة ان هم فرطوا بكوبني وعين ديوار وعامودا ، ولن يكونوا بعد ذلك الا مرتزقة كما لوكانو امتدادا لفاغنر أوبلاك وتر . لذلك قرر العم ترامب أن يترك الاتراك ليرتوا من دماء قسد ،وأتاح لكردستانيي قسد ان يرتوا هم أيضا من دماء الجنود الاتراك .انها الخطة – ب – بعد ان فشل ترامب في تسويق الخطة – أ – .ان الخطة – ب- تنطوي على منزلقات جمة برأي البنتاغون ، فلو دخل الاتراك في حرب مفتوحة وطويلة الامد ستكون خسائرهم أكبر من أن تقنعهم بحيادية الدور الامركي وسيجعلهم يبتعدون أكثر فأكثر عن حلفائهم في الناتو وهو مكسب روسي غيرمقبول و لا يستطيع الناتوا احتماله ، وان كانت خسائر قسد كبيرة بما يكفي للشعور أنهم طعنوا في ظهورهم سيرتمون في احضان الروس . والروس جاهزون لنقلهم الى دمشق بالباصات الخضراء . ولكن ماذا لو كان لدى قسد بقية من حرص على مصالح السورين وكان لدى ما تبقى من الجيش الحر بقية من سعة الافق واتفقوا أن الحرية من النظام الشمولي لايمكن ان تأتي بالارتهان للمصالح العابرة للحدود الوطنية ألا يحرج ذلك القوى العظمى قبل القوى الاقليمية ؟

Social Links: