د. محمود الحمزة
شبح الشيوعية:
في ظل الحرب الباردة، التي استمرت لعقود في القرن العشرين ، تصارع الحلفان الشرقي والغربي وكان الصراع ايديولوجيا وجيوسياسيا من أجل مصالح الدول العظمى، حيث مارس الاتحاد السوفيتي سياسة استقطاب وتجميع دول خلف قيادته للمعسكر الاشتراكي، ودعم دولاً وانظمة بحجة أنها معادية للامبريالية والرأسمالية، وتبين لاحقاً وخاصة في العشر سنوات الأخيرة في دول مثل سوريا واليمن والجزائر ومصر وليبيا وغيرها، أن تلك الأنظمة ليست وطنية ولا تقدمية ولا اشتراكية ، بل هي أنظمة شمولية أمنية تحكم شعوبها متسترة بشعارات براقة عن الوحدة العربية والحرية والاشتراكية.
ومن جهة أخرى مارس المعسكر الغربي سياسات ايديولوجية دعمت الانظمة الديكتاتورية الليبرالية التي وقفت ضد الاشتراكية والفكر التقدمي (اسقطوا نظام سلفادور الليندي الاشتراكي واغرقوا تشيلي في بحر من الدماء، ودعموا نظام الشاه الايراني وكان شرطيا لامريكا وللاسف جاء الخميني وثورته المشؤومة ليلعب دور شرطي لامريكا بلباس طائفي وجوهر قومي فارسي يخدم اسرائيل)، لانها اعتبرت ذلك الفكر خطرا على مصالحها وسلطاتها وتحكمها بالثروة، ونشرت الذعر حول شبح الشيوعية الذي يتجول في العالم.
وهنا يجب ألا نخلط بين السياسات الخارجية للدول الغربية وبين أنظمتها السياسية ومؤسساتها الديمقراطية وتقدمها التكنولوجي في داخل تلك الدول. فما يجوز لهم لا يسمح به للشعوب الأخرى. وأكبر دليل هو الاستعمار الكولونيالي للشعوب وممارسة القمع والتنكيل ضد الشعوب لنهب ثرواتها بينما في بلدانهم يمارسون الديمقراطية والانتخابات ويحفظون حقوق مواطنيهم. إنها الازدواجية الفاضحة لتلك الدول. وشهدنا حديثاً سياسةالولايات المتحدة في نشر الديمقراطية ولكنها نشرت الطائفية والفوضى وزرعت انظمة عميلة سرقت شعوبها وأعادت البلاد مئات السنين الى الوراء والعراق خير دليل.
ولكن الاتحاد السوفيتي بسياسته الخارجية في نشر الشيوعية باي ثمن وبحثه عن توسع جيوسياسي دفعته لاحتلال أفغانستان عام 1979 بحجة دعم الانظمة التقدمية (التي صنعتها موسكو بنفسها في أفغانستان). وحارب الجيش السوفيتي 10 سنوات دون جدوى، وخسر فيها مئات الالاف من القتلى وخرج مهزوما من افغانستان.
ولم تكن الهزيمة صدفة وإنما قامت المخابرات الأمريكية في الثمانينيات بانشاء تنظيم القاعدة تحت شعار الجهاد الاسلامي ضد الدولة السوفيتية الملحدة، وهكذا تم استغلال حماس شباب مسلم توهم بأنه يجاهد من أجل الاسلام ضد الالحاد، ولكنه عمليا كان يخدم ايديولوجيا رأسمالية عالمية تبحث عن اجنداتها الخاصة، واستثمروا ثروات كبيرة جاءت من الخليج بالدرجة الأولى لمحاربة السوفيت، الذين اتضح أنهم تورطوا واجبروا على الانسحاب وكان ذلك أحد اسباب انهيار الامبراطورية السوفيتية، بالاضافة لاسباب أخرى داخلية مثل الفشل في الخطط الاقتصادية والاجتماعية ونتيجة لممارسة سياسة شمولية بقيادة الحزب الشيوعي الواحد.
شبح الإرهاب:
وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار المعسكر الاشتراكي، بحثت الولايات المتحدة والقوى الدولية المتحكمة بالعالم والتي بعضها ظاهر والبعض الآخر مخفي، لادخال العالم في متاهات جديدة وليحافطوا على الفوضى والصراعات السياسية والاقتصادية وبعضها ياخذ طابعا دموياً يحصد ارواح الملايين والهدف هو أن تبقى الدول العظمى متحكمة بثروات الشعوب.
كما أغرقوا منطقة الخليج (من1980 وحتى 1991) بحروب طويلة انهكت قوة العراق وايران واستهلكت ثروات خليجية طائلة ولكن نتائجها (بعد عام 2003 ) كانت كارثية على شعوب المنطقة. وخاصة احتلال العراق من قبل أمريكا ثم تسليمه لايران (وهذا يثير تسؤلات وما تمخض عن ذلك من ارساء نظام طائفي متخلف وتغلغل فارسي في العراق، حيث نهبوا ثروات العراق الغنية وحولوه إلى بلد فاشل شعبه فقير لا يشبع الماء ولا يشعر بالأمان. ونشرت إيران الطائفية في منطقة الشام والجزيرة العربية برضى من الدول الغربية الليبرالية العلمانية.
وعندما انهار النظام الشيوعي في المعسكر الشرقي بحثت الأوساط في الغرب عن شبح جديد غير الشيوعية وأحيوا منظمة القاعدة ونشاطها الجهادي، فوقعت تفجيرات مبنى التجارة الدولي في نيويورك عام 2001 وكان كالصدمة الكهربائية للعالم، بينما كان هناك علماء ومحللون يدركون أن هذا التفجير مدبر ليحل مشاكل للمجتمع الغربي وكذلك لاطلاق شبح جديد يرهب العالم. واللافت في الأمر أنهم اتهموا جماعة من الشباب المسلمين المجاهدين بطريقة تشبه افلام هوليود، واوردوا قصصا طويلة حول حياة هؤلاء الشباب وكيف تدربوا وكيف تسربوا الى الطيران المدني الامريكي لدرجة أنك تشعر أن تنظيم القاعدة قوة دولية تفوق المخابرات المركزية الامريكية وهذا طبعا يثير الابتسامة لأننا نعرف البير وغطاه. وقد اثبتت عشرات الدراسات والتحليلات لحادثة نيويورك بأن الهدف منها كان الإعلان عن شبح جديد وهو الارهاب المرتبط بالاسلام. وتم ترويجه بشكل واسع جدا في العالم، بحيث أصبح الجميع أفرادا ودول وحكومات وتنظيمات تتحدث عن خطر الإرهاب . وبالمناسبة إلى اليوم لا يوجد تعريف دقيق للإرهاب والإرهابيين، فكل تلصق صفة الإرهاب بمن تشاء من الافراد والجماعات.
باختصار نجد أنفسنا أمام سيناريو لفيلم أمريكي : فهناك جهة تكتب السيناريو وهناك من يخرج ويروج وهناك من يقوم بالاستنتاجات ويطرح المهمات أمام الدول . فهم يخلقون المشكلة وهم يروجون لها وثم يعرضون الحل المناسب لهم والذي وضعوه قبل الاعلان عن الحدث.
فخلال احتلال العراق تم تأسيس شبح جديد يدّعي الجهاد من أجل الخلافة الإسلامية لا نعرف من يقوده ولكننا نتوقع، ولا كيف يحصل على التمويل والسلاح المتقدم ولا كيف تتم إدارته ومن أين يحصل على المعلومات الاستخباراتية المتقدمة والمفصلة ليس فقط عن دول مثل سوريا والعراق بل عن العالم بأكمله. وهذا الشبح الهوليودي يسمى داعش (تنظيم الدولة الاسلامية في العراق وبلاد الشام) وهدفه محاربة الكفار ولكن في الحقيقة كانت داعش أكبر عدو للثورة السورية وحركة المقاومة العراقية ضد الاحتلال الامريكي والتغلغل الايراني. والاخطر من ذلك ان ايران وجدت مبررا قويا لها وفتاوى من المرجعيات الشيعية لانشاء ميليشيات طائفية تقاتل داعش فاصبح لداعش نوعان واحد يدعي أنه سني والثاني شيعي وكلاهما يقتل العرب السنة ويقمع الثورات وخاصة الثورة السورية.
ولو راجعنا دور داعش في سوريا واساليب عملها وتفننها في تنفيذ أساليب القتل ونشرها من خلال فيديوهات تشبه الأفلام . وإذا تابعنا كيف ظهرت داعش وكيف اختفت وما هي نتائج نشاطها في سوريا، لتأكد لنا أنها نتاج مشروع استخباراتي عالمي يصب في المشاريع السابقة حول نظرية الاشباح. ومازال ت بقايا داعش تعمل في شمال سوريا وهي جبهة النصرة ،التي لعبت دورا خطيرا في اجهاض الثورة السورية.
فمن شبح الى شبح ومن تنظيم القاعدة الى داعش ومن داعش إلى أين؟
شبح جديد هو فيروس الكورونا!
انتشر اعلام مخيف ومرعب حول خطر الفيروس وانتشاره السريع وهو بالفعل فيروس يسبب التهابات ويقتل كبار السن والمرضى ولكن تأثيره محدود جداً على الشباب والاطفال لقوة المناعة لديهم. وفي بعض دول العالم تم اعلان حالة الطوارئ والحجر الصحي واغلاق المدن والمطارات والجامعات ومؤسسات الدولة وغيرها من الاجراءات التي تقيد حركة الناس وتضرب الاقتصاد وتعطي للسلطات في كل مكان فرصة ذهبية للتأكد من سيطرتها على الاوضاع وامكانية اجبار ملايين الناس الجلوس في بيوتهم.
ولكن اللافت هو قلة الوفيات نسبيا. فمن حوالي نصف مليون مريض بفيروس الكورونا كوفيد-19 حتى اليوم توفي في العالم 25 الف شخص، وهو عدد بسيط جدا اذا ما عرفنا ان الوفيات في العالم تتراوح بين 300 الى 650 الف شخص فقط بسبب الانفلونزا، وتقدر الوفيات في العالم بما لا يقل عن 13 مليون انسان لمختلف الاسباب. بينما نتيجة مرض الكورونا توفي حتى الان حوالي 25 الف شخص. طبعا نترحم على ارواح ضحايا هذا الفيروس الخبيث ونتمنى الشفاء للمصابين.
وتفيد بعض المصادر بأن مجموعات متنفذة في العالم مثل مجموعة روكفلير اصدرت منذ 10 سنوات سيناريو لانتشار وباء خطير سيفتك بالبشر يشبه ظاهرة انتشار فيروس الكورونا.
ونتائج انتشار المرض ليس فقط على مستوى الوفيات وهي أمر مؤسف بلا شك، بل على المستوى السياسي والاقتصادي والمالي والعسكري.
وتقوم بعض الحكومات باستغلال ظاهرة كورونا لتثبيت دعائم حكمها بفرض الحجر الصحي على شعوبها ومدنها وقراها، وكأنه مناسبة لنشر الرعب والخوف وسلب الناس إرادتهم.
ففي الصين اصبحت الحكومة واجهزنها المختلفة تعرف صورة كل شخص ومعلومات كاملة عنه بواسطة الكاميرات والتفتيش والتدقيق واجهزة الكمبيوتر.
ونسمع كثيرا حول خطط ترسمها الدول لاستخدام شيفرا رقمية لكل شخص بحيث يصبح الانسان تحت السيطرة الكاملة والتحكم الشامل من قبل السلطات، فيجري بواسطة التقنيات الرقمية حصر كل المعلومات عن الشخص في شيفرا واحدة يقال أنهم سيزرعونها في جسم الشخص وسيعرفون كل حركاته اين يذهب وماذا يعمل في كل لحظة واذا ما غضبت عليه السلطات يمكن ايقاف حسابه المصرفي ومحاصرته من كل جانب والقضاء عليه عن بعد.
ومن يقيم في موسكو يلاحظ وجود أعمدة معدنية عالية في كل شوارع موسكو مركبٌ عليها اجهزة وكاميرات متنوعة يقال أنها تستطيع التقاط صورة اي شخص وصوته ومعرفة حركته وبالتالي فالناس اصبحت تحت نظر اجهزة الامن والشرطة بشكل رقمي ويمكن التحكم بهم عن طريق الكمبيوتر.
إن مرض الكورونا ظاهرة خطيرة ضربت اقتصاديات الدول. وأكبر المتضررين هم الفئات الفقيرة والمتوسطة وهناك ملايين الناس سيبقون بدون عمل وتفلس الشركات المتوسطة، لكن الحكومات تقوم بمساعدة الشركات الكبرى والبنوك ورجال الأعمال بينما يجري تنسحق الفئات الفقيرة والمتوسطة ويموت كبار السن والمرضى الذين قضوا حياتهم في خدمة اوطانهم وقدموا خير ما يملكون من اجل شعوبهم واليوم يجري التخلص منهم بدم بارد.
إن وباء الكورونا بغض النظر عن منشأه سواء تم تصنيعه في المختبرات البيولوجية في أمريكا وغيرها ام انتقل من الحيوانات في الصين فإن نتائجه كارثية على الشعوب.
ويقول خبراء أن الصين كانت تعيش ازمة سياسية. ففي مدينة اوهاي منبع الفيروس كانت ستتولى الحكم فئات ليبرالية موالية للغرب (تدعى الفئات الكمسومولية) وهي مخالفة لخط الرئيس الحالي (صديق روسيا) وكان من المقرر اجراء انتخابات في شهر مارس-ابريل من هذا العام ولكنها الغيت وتم تعيين اشخاص مقربين من القيادة الصينية.
وفي روسيا اجريت تعديلات دستورية وسياسية في وضح النهار وبسرعة هائلة مستغلين التهاء الناس بالكورونا. وهذه التعديلات تمنح الحق للرئيس بوتين بحكم روسيا على الاقل 16 سنة اخرى بالاضافة الى العشرين سنة التي اكملها في الحكم حتى اليوم.
أيها الناس دققوا في الأمر. في سوريا قتل اكثر من مليون سوري أغلبيتهم الساحقة ابرياء على مرأى ومسمع العالم وأصبح الناس يسمعون الاخبار عن القصف والقتل في سوريا بالمئات ولا يحرك ضمائرهم. وأصبحت جرائم عصابة الاسد وحلفائه من ايران وميليشياتها الطائفية وروسيا وطائراتها واسلحتها الحديثة ومرتزقتها، أمرا معتاداً. ولا يتحدث العالم إلا بشكل خجول عن ايقاف القتل ولا عن المساعدات الانسانية والطبية. فما هذا ؟ أليست حرب اعلامية عالمية موجهة لاركاع الشعوب وتحذيرها من أي احتجاج أو ثورة تنادي بالحرية.
فما جرى في سوريا تشيب له الولدان. وكل تلك المقتلة جرت ومازالت تجري تحت ذريعة محاربة شبح الارهاب.
جرى تدمير سوريا وتهجير نصف سكانها (حوالي 14 مليون) من منازلهم الى الشمال ليتم ملاحقتهم هناك وقتلهم ويقدر عدد الشهداء في سوريا بمليون إنسان ويرزح في سجون المخابرات السورية مئات الالاف من السوريين ولا نعرف كم عدد الذين قتلوا تحت التعذيب ومن المؤكد ان الاغلبية الساحقة من املعتقلين تمت تصفيتهم (يقول معتقل سابق بأن النظام المجرم استخدم حمض الاسيد لتذويب جثث القتلى لاخفاء آثار الجريمة). وكل هذه الكارثة تقبلها العالم بدم بارد. ولم تحدث الضجة الاعلامية التي نراها اليوم حول الكورونا. بل ان روسيا ترسل عشرات الطائرات لمساعدة ايطاليا في محاربة الفيروس ولكن روسيا نفسها ترسل عشرات الطائرات الحربية لقصف المدن والقرى السوري وقتل المدنيين! إنها مفارقة عجيبة.
إذا هناك اتفاق دولي على كسر إرادة الشعوب الثائرة والحكم عليها بالموت لأن ثورتهم تشكل خطر على مصالح الكثيرين واولهم اسرائيل وأمريكا وروسيا وايران ودول اقليمية اخرى.
واليوم يريدون التخلص من كبار السن والمرضى لانهم عالة على المجتمعات المتقدمة والفيروس هو الطريق الانجع لذلك.
وغداً يستطيعون التخلص من اي فئة بشرية لأسباب سياسية أو اقتصادية يشعرون أنها تشكل عائق أمامهم باختيار فيروس يناسبها وقد يحتاجون لشبح جديد لإقناع العالم بجدوى الممارسات اللاأخلاقية التي تقوم بها الدول الكبرى.
إن العالم تحكمه عصابة دولية وحكومة عميقة ترسم مصير العالم لعشرات السنين مستخدمة طريقة نموذجية وهي: خلق المشكلة – ليحدث ردة فعل- ثم يقومون بطرح الحل الذي قد رسموه مسبقاً.
Social Links: