مرفأ طرطوس

مرفأ طرطوس

قصي الجندي

منذ تدشينه عام 1969 اكتسب مرفأ طرطوس أهمية قصوى إن على صعيد البلد أو على المستوى المتوسطي وفاق في أهميته مرفأي بيروت واللاذقية، بسبب موقعه المتميز، مختصراً التكاليف والجهود، وصمد رغم كل المعوقات البيروقراطية وتعشش الفساد في أروقة مكاتبه من جانب والحرب الخفية التي واجهها من قبل شبيحة اللاذقية، بقصد تقليص دوره الاستثماري والتجاري لصالح مرفأ اللاذقية من جانب آخر .

أنشأت روسيا منذ عشرات السنين قاعدتها البحرية الملاصقة للمرفأ من جهته الشمالية وكان الهدف المعلن لانشائها تموين السفن العسكرية الروسية الراسيات فيها والإشراف على التدريب العسكري للبحرية السورية، أما الأهداف غير المعلنة فهي أعمق بكثير – تتوضح معالمها كثيراً هذه الأيام – «تقول قناة روسيا اليوم: أن نائب رئيس الوزراء الروسي أجرى محادثات مع رأس النظام بتاريخ :  2019/4/20 تتعلق تأجير المرفأ لروسيا ل /49/ عاماً وفي حال نجحت المباحثات كما تتابع القناة !! من المتوقع إبرام العقود القانونية في أسبوع لاحق المبين أعلاه».

هذه المباحثات بحد ذاتها تبدو عرجاء، هي من طرف واحد لأن الطرف الثاني لا قيمة له لا اعتبارية ولا شخصية، ناهيك عن عدم تمتعه بتفويض شرعي يؤهله للتفاوض على أمور تخص الوطن، إذن هي إملاءات القوي على الضعيف وتتضمن فقط بندا واحدا هو: تسديد الفواتير المستحقة على النظام ثمنا لتدخلها العسكري من أجل إنقاذه وتأجيل موته إلى حين، إذن الموافقة ليست ترفاً.

استدعاء النظام لقوى أجنية للدفاع عنه بدءا بإيران ومليشياتها الشيعية ومستنبتاته الإسلامية والإرهابية، وانتهاء بالروس جعلته جاهز لتنفيذ الأوامر فحسب، ومن المعروف أن الأجنبي يساعد ليقبض ثمنا ما، وهو ليس جمعية خيرية، خصوصاً روسيا التي لم تتغير منذ القيصرية إلى الآن ولم تتخل عن وظيفتها كقاطع طريق تحتفظ بالرهائن كي تقايضها بالأموال العقل السياسي الروسي ليس سياسيا البتة بل على النقيض هو عقل مافيوي بامتياز ،وحاول نصرا سريعا مستغلا التراخي الامريكي غير المعهود الذي ترك فراغا على المستوى العالمي، لكن الروس تغيب عن حساباتهم الكثير من الأشياء وسباقهم المحموم مع الزمن لتحقيق الأهداف تعقد نتيجة للظروف الدولية المتغيرة، وانتصارهم الذي بدا وكأنه مختوم وضعهم في خانة المهزوم الذي خسر كل شيء ولم يحصل على أي شيء سوى عنجهية غير قابلة للصرف ،لذلك سعت روسيا للتعويض ولو قليلا من خلال السيطرة على المواقع المهمة اقتصادياً في مناطق سيطرة النظام رغم قلتها مثل بعض آبار النفط قرب حمص … ثم جاء الدور إلى المرفأ لعلها تعوض قليلا.

إن كل التصريحات الوردية المرافقة للمباحثات المنوه عنها مثل تجاوز الحصار المفروض على النظام وإعادة الاعمار … وتنشيط الاقتصاد المتهالك لا تجدي نفعاً ولا تصمد أمام بعض الحقائق الموضوعية، مثلاً من المعروف أن الحصار يطال الجغرافيا السورية التي تتبع للمنظومة الحاكمة وبالتالي فإن السبب الذي من أجله فرض عليها لايزال قائما والعبرة ليست بالذي يستثمر المرفأ لأن الشركات المقاطعة لن تغير رأيها إلا بتغير الظرف السياسي، وحول إعادة الأعمار تلك معضلة روسية كبرى لم تستطع إقناع اي طرف لمساعدتها بذلك وهي – كما هو واضح – تتخبط في أزماتها وليست بقادرة على الإطلاق بالتنطح لهذه المهمة المعقدة جدا، على النقيض من ذلك تأجير المرفأ سيجلب آثار كارثية من تسريح لكثير من العمال والموظفين وسيحولهم من بطالة مقنعة مدفوعة الأجر إلى بطالة حقيقية وسيجدون أنفسهم على حافة المجاعة.

روسيا ستبقى تعمل بالمجان حتى تذعن للمطالب الدولية وتدفع تلك المنظومة التفاوض لا تأجير المواقع الاقتصادية … بل التفاوض على تسوية تاريخية تنقل سوريا من ضفة الأزمات.. إلى أفق الحرية.

  • Social Links:

Leave a Reply