“اللاجئ”: عنوان عنصري في الانتخابات اللبنانية المقبلة

“اللاجئ”: عنوان عنصري في الانتخابات اللبنانية المقبلة

العنصرية، مشهد يومي يمكن مصادفته أينما كان. على محطة البنزين، في السوبرماركت، في مدخل المبنى السكني، عند تلقّي طلبية “الديليفري”، في سيارة الأجرة، على الأرصفة. وهذا الذلّ اليومي يتّسع مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. مشهد يكبر مع “حرية رأي” اكتسبها العنصريون منا، رغماً عنّا، في ظلّ قوانين لا تجرّم العنصرية وأفعالها. حتى باتت تهمة “العنصرية” الدنيئة مجرّد نكتة لدى العنصريين، لتلطيف وقاحتهم والاستهزاء بالجرم الناتج عن ممارساتهم وإساءاتهم. كما أضحى التفاخر بالعنصرية فعلاً واقعاً بغطاء الوطنية والقومية، وهو ما تلخّصه عبارة “عنصري نعم، لكن وطني”. والبحث مع هؤلاء، ومساجلتهم، مهمة لا طائل منها ولا جدوى فيها.

مادة انتخابية
في مختلف بلدان أوروبا، أُعدّت دراسات عدة حول توظيف اللاجئين والمهاجرين وطالبي اللجوء في السياسة. فكان “الأجانب” مادة فعلية لنمو الأحزاب اليمينية والمتطرّفة، وهو ما تثبته الأرقام في مختلف البلدان الأوروبية، من السويد إلى قبرص، مروراً بألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا والمجر والنمسا وسائر دول القارة. وهو نمو مؤثّر، دفع الأحزاب المتطرّفة في عدد من هذه البلدان إلى الحلول في المراتب المتقدمة والمنافسة على السلطة.

العنصرية المحلية
في لبنان، تبدأ الصيغة العنصرية في المنزل مع العاملات والعمال الأجانب، ولا تنتهي مع عبارتي “السوري” أو “الفلسطيني” في السياسة. يكفي القول أنّ “تفريد” السوريين أو الفلسطينيين خطوة أولى في العنصرية. هؤلاء، مئات الآلاف، يتحوّلون إلى فرد. إلى عدو واحد في جسد واحد وصيغة واحدة. لا آراء مختلفة لهم ولا حيوات متعدّدة، فقط عدو. لاجئ يعمل على نهب اللبنانيين ومنافسته في الوظائف والاستفادة من خدمات الطاقة والمياه والطبابة (خدمات؟ في لبنان؟)، مجاناً من دون تسديد رسوم ولا ضرائب. مخلّ بالأمن، يحمل السلاح، يسرق ويخطف ويهرّب ويحطّ من الواقع اللبناني (فعلاً؟).

“بلد فاشل”
وعلّ أقسى ردّ في هذا الإطار صدر عن مواطنتين سوريّتين تحدّثتا إلى الإعلام بعد الاقتراع لرئيس النظام السوري بشار الأسد في اليرزة والاعتداءات التي طالت مواكب شبيحة الأسد. فأشارتا إلى أنّ “لبنان بلد فاشل، لا خدمات فيه ولا دولة”. فيعمّق خطاب مضاد مماثل الواقع. ويعزّز العنصرية، حتى لو كان فحوى الكلام صحيحاً ويردّد على ألسنة كل اللبنانيين أو أغلبهم، بمن فيهم العنصريون منهم الذين يردّون فشل البلد إلى اللاجئين أنفسهم.

صورة القتل
فتحت الانتخابات السورية واقتراع السوريين في سفارتهم جرح العنصرية مجدداً بأبشع حللها، أي الاعتداءات والتكسير والضرب. صورة نظام الأسد، ولو كانت كفيلة وحدها بأن تطبق الأضلع على القلب وتقطع النفس عن الرئة لشدّة بشاعتها، هي بحدّ ذاتها باب للعنصرية. ممارساتها عنصرية، وكل ما فيها عنصري. صورة تعني المآسي والقمع والاحتلالات والإبادات والتفجيرات والتهجير والحروب. تعريف لكل ما سبق ودلالة حيّة عليه. يمكن أن تختصر جزءاً من شرقٍ متوسطي بائس.

نتائج طُبعت سلفاً
في السفارة السورية في اليرزة، لا أرقام رسمية بعد حول أعداد السوريين الذي اقترعوا لنظام الأسد. وطبعاً، ولو صدرت تلك الأرقام عن المصادر النظام فالتشكيك بها بديهي. إلا أنّ مصادر أمنية محلية قدّرت أعداد المقترعين السوريين، وغير السوريين ربما، بين 35 و50 ألفاً هذا العام. في حين أنه في أيار 2014، أشارت التقديرات إلى مشاركة 80 ألف سوري في الانتخابات من بيروت. تراجع ملحوظ، قد يقارب 50% من عدد المقترعين. لكن كل هذه الأرقام لا تعني شيئاً. إذ أنّ النتائج طُبعت سلفاً.

ماكينة السياسة والعنصرية
ضاعفنا الرقم التقديري لأعداد المشاركين في الانتخابات من لبنان، فلنقل إنّ 100 ألف سوري اقترعوا في بيروت. هذا الرقم المضاعف لا يقترب حتى من نسبة 10% من أعداد اللاجئين السوريين في لبنان. لكن الماكينة السياسية العنصرية تريد العكس. تغاضت عن عشرات آلاف العمال السوريين الموجودين في البلد، ويعملون بشكل نظامي أو غير نظامي. تغاضت عن مئات رجال الأعمال الذي يعملون في العقارات وقطاعات سياحة ونقل وتجارة. كما تغاضت أيضاً عن آلاف من يحملون الجنسيّتين، السورية واللبنانية، وهم بأغلبهم ينتمون إلى جماعة مذهبية تنتمي للأسد قلباً وقالباً، انبعث منها وتنبعث منه. كل هذا لا يعني شيئاً، المطلوب زخم عنصري في ظرف سياسي وانتخابات اقترب موعدها، أولى ضحاياه اللاجئون في مخيّماتهم وخيامهم.

كما في أوروبا وأميركا، ومختلف بقاع اللجوء والهجرة، اللاجئون في لبنان مادة انتخابية في قاموس العنصرية المحلية. هم غرض، أو عنوان. أشبه بصندوق إعاشة، أو وعد بوظيفة، وتسيير معاملة في الدوائر الرسمية أو تزفيت طريق. اللاجئ، المفرد بلغة العنصريين، مفتاح انتخابي لممارسة أبشع الخطابات السياسية الشعبوية قبل أشهر من الانتخابات النيابية المفترضة. فوقع اللبنانيون في جملة أزماتهم، بين حضيضين إضافيين. العنصرية بأحزابها ونمطها وحساباتها الانتخابية من جهة، وخطاب شبيحة الأسد من جهة أخرى. يا لوقعتنا السوداء.

  • Social Links:

Leave a Reply